• 25 تشرين أول 2026
  • من اسطنبول

 اسطنبول - أخبار البلد - في هذا الفصل الجديد من حكايات اسطنبول التي يكتبها الصحفي والكاتب ” جودت مناع“ والتي هي جزء من كتابه القادم الذي يحمل عنوان  ” ظلال على البوسفور“ يكمل حديثه عن إسطنبول تلك المدينة الملهمة والتي لا تزال أسرارها لم تكشف كلها بعد.

 واليكم الحكاية

  

ظهور العملاق الصامت

بعد زيارتي لبيت تروتسكي، ظننت أن "بيوك أدا" قد كشفت لي معظم أسرارها. لكن الجزيرة، مثل المدن العتيقة، لا تمنح زائرها مفاتيحها دفعة واحدة. كانت تخبئ في أعالي تلالها مفاجأة أخرى؛ مبنى خشبياً هائلاً يقف وحيداً بين الأشجار، كأنه سفينة جنحت فوق اليابسة قبل أكثر من قرن ورفضت المغادرة.

لم أره أول الأمر بوضوح. كان يظهر بين أغصان الصنوبر ثم يختفي، حتى خُيل إليّ أنني أطارد سراباً. لكن كلما اقتربت، أخذ البناء يفرض حضوره على المشهد. واجهات طويلة قاتمة اللون، نوافذ لا تُحصى، وأسقف مرتفعة توحي بأن المكان كان يوماً يعج بالحياة.

توقفت أتأمله من بعيد. بينما استعدت قواي بأنفاسٍ ثقيلة.

لم يكن قصراً، ولا ديراً، ولا ثكنة عسكرية. كان شيئاً مختلفاً يصعب تصنيفه. بدت عليه علامات الشيخوخة والإهمال. رغم أنه بني عام  1898 كفندق كازينو فاخر لكنه تحول لاحقاً إلى دار للأيتام واستمر في الخدمة حتى أُغلق عام 1964  وظل مهجوراً منذ ذلك الحين. لكنه احتفظ بهيبة لا تملكها الأبنية الحديثة مهما ارتفعت.

هناك، فوق التلة المطلة على بحر مرمرة، يقف واحد من أكبر المباني الخشبية في العالم؛ المبنى الذي عُرف لاحقاً باسم الميتم اليوناني الكبير في "بيوك أدا".

كان المشهد يثير الحزن والدهشة معاً.

ففي زمن الأبراج الزجاجية والخرسانة المسلحة، بدا هذا العملاق الخشبي وكأنه الناجي الأخير من عصر انقرض، يرفض السقوط رغم ما مر عليه من حرائق وعواصف وزلازل وتحولات سياسية.

وقفت أمامه طويلاً. أمسح واجهاته بنظرات مهاجرة.

كانت الريح القادمة من البحر تمر بين الأشجار ثم ترتطم بالواجهات الخشبية العتيقة، فتُحدث أصواتاً خافتة تشبه التنهد. امتزجت رائحة الصنوبر برائحة الخشب القديم ورطوبة البحر، وخُيل إليّ أن المبنى ما زال يتنفس رغم عقود الهجران. وأحسست أن هذا البناء لا يشبه الأبنية الأخرى.

كان أقرب إلى كائن حي هجره الجميع وظل وحيداً، لكنه ما زال ينتظر عودة أصوات الأطفال الذين ملأوا أروقته يوماً بالضحكات والأحلام.

 

حكاية بيت لم يكتمل

بينما كنت أحدق في الواجهة الخشبية الهائلة، حاولت أن أتخيل إسطنبول في أواخر القرن التاسع عشر، يوم وُلدت فكرة هذا المبنى.

في ذلك الزمن كانت المدينة عاصمة لإمبراطورية مترامية الأطراف ومقصداً للتجار والدبلوماسيين والمغامرين القادمين من جهات الأرض الأربع. وكان المخطط أن يصبح هذا البناء فندقاً فخماً وكازينو يستقبل أثرياء أوروبا الباحثين عن سحر الشرق.

لكن الحياة نادراً ما تسير وفق ما يرسمه أصحاب المشاريع.

تبدلت الظروف، وتغيرت الحسابات، وانتقلت ملكية المبنى إلى البطريركية الأرثوذكسية اليونانية التي حولته إلى دار للأيتام، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته أكثر إنسانية وأقرب إلى الناس.

على مدى عقود طويلة عاش بين جدرانه آلاف الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم أو كليهما. بعضهم جاء من إسطنبول، وبعضهم من جزر بحر إيجه والأناضول، وآخرون حملتهم الحروب والفقر إلى هذا الملاذ المطل على البحر.

كان المبنى أشبه بمدينة صغيرة.

غرف نوم واسعة، وقاعات دراسة، ومطابخ، وورش عمل، وساحات للعب. وكانت الحياة تدب في أروقته منذ الصباح حتى المساء.

وحين كنت أتأمل النوافذ الكثيرة الممتدة على طول الواجهة، حاولت أن أتخيل تلك الأيام البعيدة. أطفال يركضون في الممرات، وقع أقدام فوق الأرضيات الخشبية، أصوات ضحكات تتداخل مع أجراس الطعام وصلوات المساء.

لكن القرن العشرين لم يكن رحيماً بأحد.

الحروب والتحولات السياسية وصعود النزعات القومية تركت آثارها العميقة على المجتمعات التي عاشت في هذه المنطقة. ومع مرور السنوات تراجع عدد الأطفال، ثم أُغلق الميتم نهائياً، ليتحول المبنى شيئاً فشيئاً إلى هيكل مهجور يواجه الزمن وحيداً.

ومنذ ذلك الحين لم يعد يسمع فيه سوى صوت الريح. وينتظر أفواج السياح الأجانب.

الريح التي تمر عبر النوافذ المكسورة كأنها تستعيد أسماء الأطفال الذين غادروا ولم يعودوا.

 

حين يصبح المبنى ذاكرة

جلست على مقعد خشبي قريب من التلة المطلة على البحر.

كان المبنى يواجهني بصمته الهائل، فيما كانت مياه مرمرة تتلألأ في الأفق تحت شمس العصر.

وفي تلك اللحظة شعرت أنني لا أنظر إلى بناء مهجور، بل إلى استعارة كبرى للذاكرة الإنسانية.

كم من الأماكن تشبه هذا الميتم؟

أماكن كانت يوماً عامرة بالبشر، ثم تحولت إلى أطلال تحمل آثار الغياب أكثر مما تحمل آثار الحضور.

تذكرت بيوتاً فلسطينية مهجورة رأيتها في قرى طرد منها سكانها عام النكبة الفلسطينية 1948.

وتذكرت مدارس أغلقت أبوابها وأخرى دمرت، ومؤسسات اختفت أسماؤها، وأحياءً كاملة تغيرت ملامحها وسويت بالأرض حتى بات العائد إليها يشعر كأنه يزور مدينة أخرى. تعرضت لزلزال

بل إنني تذكرت أماكن عاش فيها جدي ثم عدت مرافقاً له إليها بعد عشرين عاماً، فلم أجد سوى الأطلال والذكريات.

واستدعت ذاكرتي، في تلك اللحظة، قريةَ الأطفال في بيت لحم، تلك المؤسسة التي تحتضن أيتامًا وأطفالًا آخرين حُرموا من الرعاية الأسرية. تتولى المؤسسة رعايتهم حتى بلوغهم سن الرشد، وتوفر لهم التعليم والتأهيل، تمهيدًا لاندماجهم في المجتمع الفلسطيني أفرادًا قادرين على شق طريقهم في الحياة.

ولم تكن هذه القرية بعيدةً عن الذاكرة المكانية التي استحضرتها؛ ففي المدينة نفسها، تطل مؤسسة «بني»، التي تؤدي دورًا مماثلًا، على وادي الكركفة.

ولعل بيت لحم، بما لها من مكانة دينية وتاريخية، وباعتبارها مقصدًا للحجاج من شتى أنحاء العالم، وما تضمه من أديرة وكنائس، قد أتاحت لأبنائها فرصًا تعليمية وثقافية مميزة، لم تكن متاحة بالقدر نفسه في كثير من المدن الفلسطينية الأخرى.

بدت المسافات بين "بيوك أدا" وفلسطين أقصر مما توحي به الجغرافيا. فالذاكرة لا تعترف بالحدود.

رفعت رأسي نحو المبنى مرة أخرى. كانت النوافذ السوداء تبدو كعيون تحدق في البحر منذ أكثر من قرن. وخُيل إليّ أن هذا العملاق الخشبي ليس مجرد أثر معماري، بل شاهد على هشاشة الوجود الإنساني نفسه.

كم من الأطفال مروا من هنا؟ كم من الأحلام وُلدت بين جدرانه ثم غادرت؟ وكم من القصص اختفت دون أن يكتبها أحد؟ أدركت عندها أن التاريخ لا يعيش فقط في قصور السلاطين وبيوت الثوار.

أحياناً يسكن في أماكن أكثر تواضعاً؛ في مدرسة مهجورة، أو خيمة، أو بيت قديم، أو ميتم يطل على البحر.

وعندما هممت بالمغادرة، التفت نحو المبنى للمرة الأخيرة. بدا في ضوء الغروب مثل سفينة خشبية ضخمة تستعد للإبحار. لكنه لم يكن ذاهباً إلى أي مكان.

كان باقياً هنا، فوق تلة "بيوك أدا"، يحرس ذاكرة قرن كامل من الغياب، ويذكّر العابرين بأن الأمكنة، مثل البشر، قد تشيخ وتُهجر، لكنها لا تنسى.