- 8 تشرين الثاني 2026
- من اسطنبول
اسطنبول - أخبار البلد - في الفصل الحادي عشر من حكايات اسطنبول التي يكتبها الصحفي والكاتب ” جودت مناع“ وهي جزء من كتابه الذي يحمل عنوان ” ظلال على البوسفور“ يحدثنا عن أحد أهم المباني في مدينة اسطنبول الا وهو جامع ايا صوفيا:
واليكم الحكاية:
في صباح مختلف عن صباحات بيشكتاش المعتادة، صعدت إلى إحدى العبارات المتجهة نحو الضفة التاريخية من إسطنبول. كان البحر هادئاً على غير عادته، فيما كانت النوارس ترافق المركب كأنها تعرف الطريق أكثر من الركاب أنفسهم. وخلفي كانت بيشكتاش تتراجع ببطء، بمقاهيها الصاخبة وشوارعها المزدحمة ووجوهها الشابة التي لا تكف عن الحركة.
كلما ابتعدت العبّارة عن الرصيف، شعرت أنني لا أعبر مسافة قصيرة بين ضفتين، بل أعبر بين زمنين مختلفين.
هناك، في بيشكتاش، كانت المدينة تنتمي إلى إيقاع الحاضر. أما هنا، في الجهة الأخرى، فقد بدت إسطنبول وكأنها تستعد لفتح أبواب تاريخها القديم.
حين وصلت إلى الفاتح، وجدت نفسي وسط عالم مختلف تماماً. عبرت الشارع المزدحم وخطوط الترام التي تشق الشارع الساحلي بمحاذاة أرخبيل البوسفور، بينما كانت القباب والمآذن ترتفع فوق الأفق كأنها إشارات طريق تقود نحو قرون بعيدة.
رمضان.. أخو الحمام في ساحة إمينونو
تحت مظلة صغيرة، في طرف الساحة المقابلة للمسجد قرب محطة ترام الفاتح، يجلس رمضان، المعروف بلقب «أخي الحمام». أمامه طاولة متواضعة، رصّ عليها أكوابًا كرتونية صغيرة، ملأها بحبوب طعام الحمام، التي يسميها الأتراك "غوفَرجين يَمي (Güvercin yemi) "لا يحتاج الرجل إلى لافتة كبيرة أو نداء مرتفع؛ فالحمام والسياح يعرفون طريقهم إليه.
يبيع رمضان كوبين مختلفين في الحجم والسعر، أحدهما بخمسين ليرة تركية، والآخر بعشرين ليرة. وما إن يشتري السياح الحبوب حتى تبدأ طقوس يومية تتكرر في الساحة؛ تمتد الأيدي، وتتساقط الحبوب على الأرض، وتهبط أسراب الحمام من حول المكان، كأنها كانت تنتظر إشارة البدء.
وأثناء شرائي كوبًا من الحبوب، راودني سؤال لم أستطع تأجيله. سألته: هل تطعم الحمام من حبوبك، أم تنتظر السياح ليشتروها وينثروها في الساحة؟
ابتسم رمضان، فيما كانت عيناه منشغلتين بالزبائن الذين التفوا حول بسطته الصغيرة. لم يحتج إلى إجابة طويلة؛ فقد كانت الساحة من حوله تجيب بطريقتها الخاصة.
بدا لي أن رمضان ليس مجرد بائع لحبوب الطيور، بل وسيط بين الحمام والناس، يجمعهما في لقاء عابر يتجدد كل يوم. فهو يبيع الحبوب، لكن السياح يشترون معها لحظات من المتعة، وفرصة للابتعاد قليلًا عن صخب المدينة. أما الأطفال، فيجدون في مطاردة الطيور لعبة لا تنتهي؛ يركضون خلفها، فتطير في فضاء الميدان، ثم تعود إلى الأرض بعد لحظات، مطمئنة إلى أن الأيدي التي تقترب منها لا تحمل أذى، بل حبوبًا جديدة.
في هذه الساحة، تتبدل وجوه السياح من ساعة إلى أخرى، وتتعدد لغاتهم وجنسياتهم، لكن المشهد لا يتغير كثيرًا. رمضان في مكانه، وحبوبه أمامه، والحمام يملأ الفضاء بحركته، فيما تتكرر الحكاية مع كل زائر جديد.
ويبدو أن اتفاقًا غير مكتوب قد نشأ بين رمضان وآلاف السياح والحمام: يبيع رمضان الحبوب، وينثرها الناس في الساحة، ويحصل الحمام على طعامه، بينما ينال الجميع نصيبهم من متعة المشهد. لا أوراق تُوقّع، ولا شروط تُعلَن؛ فقط علاقة يومية بسيطة تستمر ما دامت الساحة تستقبل العابرين.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الحمام لا يكاد يغادر المكان طوال النهار، مهما تعاقبت الوجوه وتبدلت حركة الزوار. يطير حينًا، ويحط حينًا آخر، ثم يعود إلى الساحة، كأنه يعرف أن موعد الطعام لن يتأخر، وأن رمضان سيبقى هناك، تحت مظلته الصغيرة، ينتظر زبائنه.
في الفاتح، حيث تتقاطع طرق الناس وتختلط أصوات المدينة، لا يبدو رمضان مجرد رجل يبيع حبوب الحمام. إنه جزء من مشهد إسطنبولي مألوف، ومن حكاية صغيرة تختصر شيئًا من روح المدينة: رجل يعتاش من بيع الحبوب، وطيور تجد قوتها، وأطفال يضحكون، وسياح يحملون معهم ذكرى بسيطة من ساحة لا تكف عن الحركة.
وربما لا يعرف معظم العابرين شيئًا عن حياة رمضان خارج هذه الساحة، لكنهم يشاركونه، ولو لدقائق، في صناعة مشهد يومي لا يحتاج إلى لغة مشتركة. يكفي أن يشتري أحدهم كوبًا من الحبوب، ويمد يده، حتى تبدأ الحكاية من جديد.
بائع العصير
سرت بمحاذاة السكة الحديدية صعوداً. على جانبي الطريق ازدحمت المطاعم ومحال الحلويات والمقاهي بالزوار القادمين من كل مكان. كانت اللغات تختلط في الهواء كما تختلط روائح القهوة والتوابل والحلوى الشرقية. ورائحة الشواء تعرف طريقها إلى الأنوف، وللحظة شعرت أن العالم كله يمر من هذا الشارع.
وفي منتصف الطريق استوقفني بائع عصائر.
لم يكن ما جذبني إليه أكوام الرمان والبرتقال المرصوفة بعناية أمام عربته، بل مظهره نفسه. كان يرتدي طربوشاً أحمر وملابس مستوحاة من زمن عثماني مضى، فيما امتد شاربه الطويل على جانبي وجهه كأنه جزء من شخصية خرجت من صورة قديمة.
وقفت أراقبه وهو يعد كوبين من العصير لزوجين أوروبيين. وما إن انتهى حتى طلب الرجل من زوجته أن تلتقط له صورة وهو يدفع الثمن.
ابتسمت للمشهد. لم يكن يريد العصير.
كان يريد إثبات أنه كان هنا.
تذكرت كيف كان المسافرون قديماً يعودون بالقصص، بينما يعود كثيرون اليوم بالصور وحدها.
حين جاء دوري طلبت مزيجاً من عصير الرمان والبرتقال. وما إن دفعت ثمنه حتى أدركت أنني في قلب أكثر مناطق المدينة اجتذاباً للسياح. حتى التاريخ هنا أصبح جزءاً من صناعة كاملة يعيش منها الآلاف.
أياصوفيا
حملت كوب العصير الكرتوني بيدي اليمنى، وواصلت السير حتى بلغت نهاية الشارع. فجأة، وجدت نفسي أمام ساحة واسعة تنفتح على مشهد معماري وتاريخي لافت. في الجهة اليمنى كان مسجد الفاتح، وفي الجهة اليسرى ارتفعت آيا صوفيا، شامخة بقبتها العظيمة ومآذنها الأربع، كأنها تختصر في حضورها تاريخ مدينة تعاقبت عليها الإمبراطوريات والحضارات.
كانت آيا صوفيا الأقرب إليّ. انعطفت نحوها ومشيت بمحاذاة المبنى، تاركاً عيني تتنقلان بين جدرانه الحجرية وكتلته المعمارية الضخمة. بدا البناء من الخارج أشبه بصفحات كتاب تاريخي مفتوح؛ قباب صغيرة تتدرج حول القبة المركزية، وأنصاف قباب تتعانق في تشكيل هندسي متناسق، فيما تنتصب المآذن الأربع في أركانه، شاهدة على التحول الذي طرأ على هوية المكان عبر القرون. وعلى الجدران الخارجية بدت الدعامات الحجرية الضخمة، التي أضيفت في عصور مختلفة لتثبيت البناء ومقاومة ما تعرض له من زلازل وتصدعات. لم تكن الواجهة متجانسة تماماً في تفاصيلها، بل حملت آثار مراحل متعاقبة من الترميم والإضافة، وكأن الزمن ترك عليها توقيعه الخاص.
شاهدت تجمعاً من الزوار يعبرون باباً جانبياً في المبنى. خُيّل إليّ أنه ليس المدخل الرئيسي للمسجد. اقتربت من شرطي الحراسة وسألته:
-
هل يمكنني الدخول من هنا؟
أجابني:
-
هذه البوابة مخصصة للمصلين فقط. يمكنك السير إلى اليسار، وعلى مسافة مئة متر تقريباً ستجد المدخل الرئيسي.
تابعت السير وفقاً لإرشاداته، وعيناي أشبه بكاميرا تلفزيونية تتحرك ببطء، تلتقط المشاهد وتخزن تفاصيلها. كنت أحاول ألا تفوتني زاوية من واجهة آيا صوفيا الأمامية؛ فكلما تقدمت خطوة انكشفت أمامي تفصيلة جديدة، من الأقواس الحجرية إلى النوافذ المرتفعة، ومن الكتل المعمارية المتراكبة إلى القباب التي تتدرج في أحجامها وارتفاعاتها.
وعلى الجانب الآخر، لفت انتباهي مكان مخصص للوضوء، وفي وسط الواجهة تقريباً ارتفع سور حجري قديم تتوسطه بوابة ضخمة. بدا لي أن هذا الجزء ينتمي إلى طبقة أقدم من تاريخ الموقع، واستحضرت وأنا أتأمله الأسوار والبوابات التي عرفتها المدينة في عصورها الرومانية والبيزنطية. كان يقف عند مدخل البوابة شرطي وشرطية، وإلى يسارهما يمتد طريق فرعي ينعطف نحو اليمين، ثم لا يلبث أن يبدأ بالانحدار بعد مسافة قصيرة بمحاذاة الجانب الآخر من آيا صوفيا.
عدت أدراجي إلى المدخل الرئيسي. أخرجت بطاقتي الصحفية وقدمتها إلى أفراد الحراسة في غرفة الاستقبال، طالباً الإذن بالدخول. لم يبدوا اعتراضاً، وبعد التحقق من البطاقة سمحوا لي بالعبور.
خطوت إلى الداخل، فإذا بي أمام عالم مختلف تماماً عن الشارع الذي تركته خلفي. كان الانتقال مفاجئاً؛ ضجيج المدينة وحركة المارة تراجعا وراء الباب، وحل محلهما صمت مهيب يليق بمكان حمل في جدرانه صلوات أجيال متعاقبة.
توقفت للحظة. كان المكان أوسع مما تخيلت، والسقف يرتفع فوق رأسي في فضاء يكاد يلامس الخيال. أعمدة رخامية ضخمة تنتظم في صفوف، بعضها بألوان خضراء وأخرى مائلة إلى الحمرة، تتصل فيما بينها بأقواس شاهقة تحمل طبقات من الأروقة والقباب. وفي أعلى هذا المشهد، كانت القبة المركزية العظيمة تطفو في الفضاء كأنها معلقة بين الأرض والسماء. تحيط بقاعدتها نوافذ متتابعة يتسلل منها الضوء، فينساب إلى الداخل ويمنح القبة إيحاءً بالخفة، على الرغم من ثقلها الهائل. ومن حولها تتدرج أنصاف القباب والأقبية، لتصنع وحدة معمارية تتداخل فيها الخطوط والارتفاعات في تناغم مدهش.
رفعت رأسي أتأمل القبة طويلاً. لم يكن سهلاً على العين أن تستوعب أبعادها من النظرة الأولى. كنت أشعر أنني أقف في حضرة هندسة سبقت عصرها، وأن الذين شيدوا هذا الصرح قبل نحو خمسة عشر قرناً كانوا يدركون كيف يجعلون الحجر يبدو خفيفاً، وكيف يحولون الكتلة الصلبة إلى فضاء مفتوح على السماء.
على الجدران والأعمدة، تداخل الرخام الملون مع الزخارف والكتابات الإسلامية الكبيرة، فيما بقيت بعض الفسيفساء البيزنطية شاهدة على المرحلة المسيحية من تاريخ المكان. هنا تتجاور آثار عالمين دينيين وثقافيين؛ ففي جهة تستوقفك اللوحات والزخارف ذات الجذور البيزنطية، وفي جهة أخرى تبرز الأسماء الإسلامية الكبرى المكتوبة بالخط العربي، معلقة في دوائر ضخمة تضفي على المكان هيبة خاصة.
كان المحراب يتجه نحو القبلة، وإلى جواره المنبر، فيما تتدلى الثريات من ارتفاعات مختلفة، فتضيف إلى المشهد مسحة من الوقار. وعلى امتداد الجوانب، بدت الشرفات والأروقة العلوية كأنها تطل على التاريخ من طبقة أخرى، فيما تتوزع الزخارف والألوان على الأسطح الرخامية والقباب في تناغم لا يخلو من الغموض والجلال.
عندها أدركت أنني لم أدخل مسجداً بالمعنى المعماري وحده، بل دخلت سجلاً مفتوحاً لذاكرة إسطنبول. فآيا صوفيا لم تكن دائماً مسجداً. شُيدت في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وافتتحت سنة 537 ميلادية لتكون كاتدرائية عظيمة ومركزاً دينياً للإمبراطورية البيزنطية. وقد شهدت خلال قرون طويلة طقوس الأباطرة والبطاركة، وكانت من أبرز معالم المسيحية الشرقية. ثم جاء عام 1453، حين فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، فتحولت الكنيسة إلى مسجد، وأضيفت إليها المآذن والمحراب والمنبر، وتوالت أعمال الترميم والتدعيم، ولا سيما في العهد العثماني، للحفاظ على هذا الصرح الاستثنائي.
وفي القرن العشرين، اتخذ المبنى مساراً جديداً، إذ تحول إلى متحف سنة 1935، وظل كذلك حتى عام 2020، حين أعيدت إليه صفة المسجد. وهكذا تعاقبت على آيا صوفيا وظائف وهويات مختلفة: كنيسة، ثم كاتدرائية في فترة الحكم اللاتيني للقسطنطينية، ثم مسجد، فمتحف، ثم مسجد من جديد.
وقفت أتأمل هذا التراكم التاريخي، وأفكر في قدرة المباني على الاحتفاظ بذاكرتها، حتى عندما تتغير الأسماء والسلطات والوظائف. فالحجر الذي شهد صلوات المسيحيين لم يفقد أثرها حين أصبح المكان مسجداً، كما أن الزخارف الإسلامية التي أضيفت إليه لم تمحُ تماماً ملامح عهده البيزنطي. بقيت الطبقات القديمة والجديدة حاضرة، بعضها ظاهر للعين وبعضها الآخر مختبئ خلف الجدران والقرون.
شعرت أن آيا صوفيا ليست مجرد أثر معماري عظيم، بل حكاية مدينة بأكملها؛ مدينة لم تكف عن التحول، ولم تتخلَّ عن ماضيها، مهما تبدلت الوجوه والأزمنة. ولعل سر جاذبيتها يكمن في هذا التعايش الصامت بين عوالم متعاقبة، وفي قدرتها على أن تجعل الزائر يشعر بأنه يقف في أكثر من زمن في اللحظة نفسها.
ظللت واقفاً أتأمل القبة والأعمدة والفسيفساء، فيما كانت عيناي تنتقلان من تفصيلة إلى أخرى. عندها فقط أدركت أن الصمت الذي استقبلني لم يكن صمت فراغ، بل صمت مكان تختزن جدرانه حكايات خمسة عشر قرناً، وتنتظر من يأتي ليصغي إليها.
رحلة في الذاكرة تجمع اسطنبول بالقدس
ومرة أخرى، وجدتني أُساق مع الذاكرة إلى مدينة القدس المحتلة. فالتاريخ في هذه المدينة لم يمر عابراً، بل تعاقبت عليه حضارات وإمبراطوريات، تركت كل واحدة منها بصمتها على حجارتها وأسوارها وطرقاتها، وعلى حياة أهلها وذاكرتهم. من اليبوسيين، الذين وضعوا اللبنات الأولى للمدينة، إلى العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، مروراً بالعهد الإسلامي، ثم الصليبيين والأيوبيين والمماليك، وصولاً إلى العثمانيين. لكل مرحلة رجالها وقادتها ومحاربوها، ولكل حقبة حكايتها التي أضافت فصلاً جديداً إلى تاريخ مدينة لم تكف عن التحول، ولم تتوقف عن مقاومة النسيان.
ولعل ما يستوقفني في المقارنة بين إسطنبول والقدس أن كلتيهما تحملان في تفاصيلهما آثار الإمبراطوريات التي حكمتهما. غير أن البصمة العثمانية في القدس تبدو حاضرة على نحو خاص في أسوار البلدة القديمة، وقباب المباني، والبيوت الحجرية، والمساجد، وفي بعض أجزاء القلعة التي تعود جذورها إلى عصور أقدم. فالسور الذي يحيط بالقدس القديمة، بأبراجه وبواباته الشامخة، هو في معظمه من إنشاء السلطان سليمان القانوني، الذي أمر بإعادة بنائه وتحصينه بين عامي 1537 و1541. وما زالت بوابات المدينة وأحجار أسوارها تحمل شواهد تلك المرحلة، وكأنها رسائل تركها العثمانيون على جدران القدس لتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
ولم تقتصر آثار ذلك العهد على العمارة والتحصينات؛ فقد امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى سجلات المحاكم الشرعية والملكية والأوقاف، وإلى أنظمة التجارة والعلاقات الاجتماعية وشؤون الناس. وتكشف السجلات العثمانية، التي امتدت على مدى أربعة قرون، عن تفاصيل دقيقة من حياة المقدسيين: عقود البيع والشراء، قواشين الأراضي، والميراث والزواج، والأوقاف، وأحوال الأسواق، وحتى أسعار الخبز والمواد الغذائية. إنها وثائق لا تسجل قرارات الحكام وحدها، بل تحفظ شيئاً من نبض الحياة اليومية لأناس عاشوا في المدينة، وأحبوا أزقتها، ومارسوا أعمالهم، وربّوا أبناءهم، ورحلوا تاركين وراءهم آثاراً لا تزال تقرأها الأجيال اللاحقة.
وحتى اللغة والمأكولات والملابس والعادات وطرائق البناء وأنماط العيش تحمل بعض آثار ذلك التداخل التاريخي والثقافي. فالمدينة لا تتلقى تأثيرات العصور على حجارتها فحسب، بل تختزنها في مطبخها ولهجتها وأسواقها ومفردات أهلها، وفي تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تشكل في مجموعها ملامح هويتها الحية.
أما في الحرم القدسي الشريف، فتبدو آثار العهد العثماني واضحة في أعمال الترميم والتجديد التي شهدها المكان، ولا سيما في عهد السلطان سليمان القانوني. فقد شملت تلك الأعمال قبة الصخرة المشرفة، حيث جُددت كسوتها الخارجية وزُينت ببلاط القاشاني، كما امتدت أعمال الصيانة إلى المسجد الأقصى وقباب ومرافق أخرى في الحرم. وأُنشئت أسبلة المياه في أنحاء المدينة، بعضها لخدمة المصلين والزوار، وبعضها لتوفير مياه الشرب لعابري الطرق. وما زالت هذه الأسبلة، بتفاصيلها الحجرية ونقوشها وزخارفها، شاهدة على عناية العثمانيين بالمرافق العامة في القدس.
ومن المهم ألا ننسب جميع المدارس والقباب والمنشآت الموجودة في الحرم إلى العهد العثماني؛ فكثير منها يعود إلى العصور الأموية والأيوبية والمملوكية، لكن العثمانيين حافظوا على عدد منها ورمموها وأضافوا إلى المشهد العمراني عناصر جديدة. وهكذا أصبح الحرم القدسي سجلاً معمارياً متراكماً، تتجاور فيه آثار عصور متعددة، لكل منها طابعها الفني والديني والتاريخي.
وأنا أستحضر هذه التفاصيل، أجدني أعود إلى المشهد الذي تركته خلفي في آيا صوفيا. هناك أيضاً، كما في القدس، تتداخل الأزمنة داخل البناء الواحد، وتتجاور آثار الحضارات التي تعاقبت على المدينة. لكن القدس بالنسبة إليّ ليست مجرد مدينة تاريخية أقارنها بإسطنبول؛ إنها ذاكرة شخصية ووطنية، ومكان تسكنه تفاصيل لا تفارقني مهما ابتعدت عنه.
ربما لهذا السبب كنت أرى في أسوار القدس وأنا أتأمل أسوار إسطنبول، وأستحضر قباب المسجد الأقصى كلما رفعت عيني نحو قباب آيا صوفيا. فالأمكنة، مهما تباعدت جغرافياً، قد تلتقي في وجدان الإنسان عبر ما تحمله من ذكريات وتجارب. وقد تتغير أسماء الشوارع والسلطات والأعلام التي ترفرف فوق الأسوار، لكن الحجر يبقى شاهداً، والذاكرة تواصل رواية الحكاية.
ولعل أكثر ما يؤلمني في استحضار القدس أنها، على الرغم من كل ما مر بها من غزوات وتحولات، لا تزال تعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. إنها مدينة تختزن تاريخاً طويلاً من الصمود، وتستحق أن تُقرأ لا باعتبارها ساحة صراع على الأرض والمقدسات فحسب، بل باعتبارها موطناً للشعب الفلسطيني وذاكرة لشعب متجذر فيها. وبين إسطنبول والقدس، وجدتني أتنقل في رحلة لا تقيس المسافات بالكيلومترات، بل بما تحمله المدن من تاريخ، وما تتركه في القلب من حنين.

