- 24 آذار 2026
- حكايات مقدسية
بقلم : ا.د. زيدان عبدالكافي الكفافي*
أقدم أدناه مجموعة من الحالات التي عايشتها شخصياً في طفولتي، وتمثل حياة الفلاحين في جنوبي بلاد الشام (الأردن وفلسطين) خلال خمسينيات القرن الماضي. هذه الحالات تعكس بساطة حياة الناس في تلك الفترة، وكيفية معالجتهم نفسياً بطريقة غير مباشرة. نعم، في جعبتي الكثير من الحالات، خاصة وأنني عاصرت في تلك الفترة المرحوم جدي الشيخ عبد الفتاح الكفافي، وهو مجاور/ دارس في الأزهر، وكيف كان يعالج المرضى بالطب الشعبي، وبكتابة الآيات القرآنية، وكانت هذه المهنة متوارثة في العائلة. وقد ورثت بعضاً من الكتب التي يقارب عمر بعضها المائتي عام وتتحدث حول الأمراض التي كانت شائعة في الفترة العثمانية خاصة وكيفية تشخيصها ومعالجتها.
- معالجة قرصة العقرب:
كان بيتنا "العقد" قد بني في بداية خمسينيات القرن الماضي، أي بعد خروج أهلي من يافا والعودة إلى قرية نوبا التي تبعد حوالي 20كم شمال-غربي مدينة الخليل. أقيم البناء فوق قطعة أرض اشتراها والدي من عائلة القيسي في منطقة فاصلة بين حمولتي الدبابسة والطرمان، وبالقرب من المسجد العمري، وأمامه دكان المرحوم خليل عبدالهادي الطرمان، ويفصله عن هذه الدكان زقاق لا يتجاوز عرضه بعض الأمتار. وكان يشكل جزءاً من "حوش المصاروة"، كون أصل العائلة من مصر. وكنت تدخل إلى فناء البيت من خلال مدخل لا باب له، يستقبل كل من يدخل دون استئذان، لكنه يمر بساحة مفتوحة للسماء "حوش"، حيث كان يتم فيها الطبخ والنفخ، وقن الدجاج، ومكان الاستحمام حيث يتم فيها بناء موقدة “Fire-place” لإشعال النار لتسخين المياه، وتأتي المرحومة الوالدة بالبانيو (اللكن/ اللجن) ويتم تخليصك من ملابسك (تتزقق) التي اشتريتها من Zara أو ماسيمو-دوتي (هذا غير صحيح، كان هناك ثوباً تطور في مرحلة لاحقة لقميص وبنطال) أمام خلق الله. وتبدأ عملية الاستحمام بفتح لوح صابون نابلسي ماركة الجمل، وقبل أن تغسل رأسك بالصابون، هذا إن كان اللوح "فلقة الصابون" غير مستعمل يجب أن تغسل يديك أولاً، والسبب برأي المجتمع الريفي أن غسل الرأس أولاً بفلقة صابونة جديدة غير محمود. كما ضمت الساحة المكشوفة أمام البيت مصطبة ترتفع قليلاً عن مستوى أرضية الساحة تستخدم لأغراض عدة ومنها النوم خلال الصيف القائظ.
أذكر أنها كانت ليلة حارة، حين قامت الوالدة بفرش الحصير فوق سطح المصطبة المكون من التراب المرصوص، ومن ثم ما تيسر من فراش فوقها، ونام كل منا بجانب الآخر (كانت عائلتنا حينها أربع بنات وولد) والى جانبنا المرحومة والدتي مريم، وأما والدي فكان في عمّان. وفي هجعة الليل، ونحن نغط في نوم عميق، صرخت الوالدة وقالت: قوموا قرصتني عقربة، لازم ندور عليها ونقتلها"، فكرت في حماية أطفالها ولم تفكر بنفسها.
بدأت "مريم" تتأوه من الألم وكان لا يوجد في القرية، وما حولها من القرى طبيب، والذهاب إلى جدي، وهو الذي يعالج بالطب الشعبي، إجباري. قررت الوالدة الذهاب إليه واستشارته فيما هي فاعلة، فأشار عليها الشيخ أن تأتي ببيضة وتخرمها وتضع اصبعها المقروص بداخلها، أو أن تفعل أمراً آخر لا يعلمه إلاّ من كان معها وأصحاب الخبرة من الفلاحين القدامى. وهكذا شفيت أم زيدان من قرصة العقرب، وأعتقد أن العقرب هو من مات.
- موس كباس أم زيدان:
كان فلاحو القرون الماضية خاصة في فترتي الانتداب البريطاني، والدولة العثمانية يملكون أرضاً، وماشية، وبيت. وكنت تعرف مكانة الشخص الاجتماعية والمالية من خلال مساحة بيته وبناءه ومساحة الأراضي التي يملكها، وإن كان لديه "قطاريس" يفلحون الأرض، ورعاة يرعون الحلال. وبطبيعة الحال كانت هذه الأملاك تتعرض للخطر من قبل اللصوص والحيوانات، فكان لا بد من وسائل حماية تحمي هذه الأملاك، منها ما كان عن طريق تكليف أشخاص بالحماية يأخذون أجورهم على البيدر، أو كلاب حراسة، أو بالتعاويذ والطقوس الدينية. ومن أدوات الحماية التي استخدمها الناس أن يقرأ شيخ على "موس كبّاس" وبعد القراءة لا يفتح، وإن فتح بطل سحر الحماية.
وموس الكبّاس هذا يسمى "أبو سبع طقّات" في إشارة إلى عدد الطقّات التي يسمعها صاحبه عند فتح الموسى للاستخدام. ويتكون الموس من مقبض خشبي، بني اللون مزخرف بزخارف معدنية مثبتة على واجهة من واجهات المقبض، ومثبت بالمقبض نصلة معدنية حفر لها مجرى تدخل فيه عند عدم الاستخدام، ويتصل بالمقبض حلقة معدنية تساعد على فتح الموس.
حكاية موس كبّاس أم زيدان هي كالآتي: أن الناس عاشت حالة من الخوف بعد حرب عام 1967م، ونزوح الناس من فلسطين إلى الأردن، وحالة الفوضى التي عاشها سكان العاصمة عمّان في عام 1970م. وحتى تحمي "أم زيدان" بيتها وعائلتها من أي خطر اشترت "موس كبّاس"، وبطبيعة الحال فإن من يقرأ عليه آيات من القرآن الكريم خاصة "الكرسي" و"المعوذات" هو عم والدي الحاج مصطفى كفافي رحمه الله. وبالفعل هذا ما حدث، وأخفته الوالدة في مكان بعيد عن متناول اليد، وبقيت تحتفظ به حتى توفيت. تذكرته عندما خطرت ببالي هذه الخاطرة التي أضعها بين أيديكم، وبحثت عنه فوجدته مخبئاً مع مجموعة من الأوراق في علبة بسكويت كانت والدتي تعدّها "قاصة" تحتفظ بداخلها بأهم الأشياء التي تمتلكها، ومنها "كرت المؤن". وحتى الآن لم أجرأ على فتح الموس المرفق صورته أعلاه، وبقي مغلقاً كما أغلقته الوالدة.
- معالجة مرض النكاف "أبو دغيم Mumps ":
شاع مرض النكاف "أبو دغيم" بشكل كبير خلال خمسينيات القرن الماضي في مجتمعات الريف والبادية، خاصة بين الأشخاص التي تتجاوز أعمارهم بين الثانية والثانية عشرة. وهذا المرض هو عبارة عن التهاب فيروسي يصيب الغدد النكافية الموجودة تحت وأمام الأذنين، وهي المسؤولة عن إفراز اللعاب، وينتج عنه انتفاخ أو تورم في إحدى الوجنتين للشخص المصاب. لكن وبحمد الله أصبح هناك مطاعيم خاصة ضد هذا المرض مما أدى إلى الانخفاض الكبير في عدد حالاته أو انتهاءه.
أما المعالجة من هذا المرض فكانت تتم بطريقة شعبية لا تخطر على بال، إذ يتم الكتابة بقلم "كوبيا" على وجنة المصاب أحرف" أبجد هوز حطي كلمن صعفص قرشت..." بأحرف منفصلة. وفي حالات نادرة كان يكتب إلى جانبها إمّا صورة "الإخلاص" أو آية "الكرسي". وأعتقد أن كلمة "كوبيا هو تعريب للكلمة الإنجليزية “Copy”.
وقلم الكوبيا هذا هو قلم رصاص كيميائي، يتميز بأن رصاصه يحوي صبغة جافة دائمة قابلة للذوبان عند بلّ اللسان باللعاب أو الماء، وغير قابلة للمسح بسهولة بعد الكتابة. وكان هذا القلم يستخدم في توقيع المعاملات الرسمية والعقود. وكان يأتي بلونين (الأزرق والأحمر البني). وحتى تتم الكتابة على وجنة المصاب وجب على الكاتب أن يبلل رأس القلم بشكل متواصل بلعابه، ولا يسمح للمصاب بغسل وجهه أو إزالته حتى يزول بسبب الظروف الجوية... ومن المعلوم أن مرض أبو دغيم هو مرض فيروسي معدٍ ينتقل من الشخص المصاب إلى السليم عن طريق اللعاب والعطاس المباشر...وكانوا أيامها محرومون من الكمامات الحديثة.... فالمصاب يصاب عن طريق اللعاب ويعالج به...وحمانا وإيّاكم الله من اللعاب المصاب.
- خرزة الكباس/الكبسة:
ذهبت مع والدي ووالدتي لوداع جيراننا الذاهبون إلى تأدية فريضة الحج، وسألت الجارة الوالدة، قائلة: - " شو بتوصي يا أم زيدان من عند الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟"
أجابت الوالدة: "لا ولا إشي، ما بدي أغلبك، بس إشي صغير...خرزات إكباس/كبسه".
الجارة: "بس هذه يا إم زيدان، عزيزة وغالية، حضروا".
وبعد أن عدنا للبيت سألت أمي، عن ماهية خرز الكباس، فأجابتني:
هذا النوع من الخرز له ألوان متعددة، لكن يغلب عليها الألوان الخضراء والسوداء، وبعضها وردي منقط، ولها أشكال مختلفة منها: المكعب ـ والكروي، أو على شكل قلب..
وهنا ازداد فضولي لمعرفة وظيفة هذا النوع من الخرز، فسألتها:
ما هي وظيفة هذا النوع من الخرز؟ فأجابت:
" شوف يا زيدان، لما تولد الحرمة، أي بتصيير نفسا، لازم ما تدخل عليها المرأة الحائض لأنها تكبسها بسبب إنها غير طاهرة". شو تكبسها يا يما "أمي"؟ فقالت لي: - "يا ولد الكباس يعني المرأة تتأخر عن الإنجاب، او بتبطل تحمل، ويصيبها وجع في البطن والظهر، وبتقطعها العادة".
وبعد هذا سألتها حول طريقة المعالجة أو استخدام الخرزات في تجنب الإصابة بالكباس، فأجابت:
يتم الأمر بجمع سبع خرزات وخاتمين الأول من الذهب والثاني من الفضة وتوضع هذه جميعها في ماء تستحم به "النفسا/الوالدة"، وتسكب الماء على نفسها دون الالتفات خلفها. وإن كنت أذكر جيداً، كان على الوالدة بعد الاستحمام أن تقوم بتخطي الخرزات بعد وضعهما على الأرض سبع مرات ذهاباً وإياباً. والله الحامي.
- معالجة رمد العين:
يصبح مرض "رمد العين" شائعاً عند الفلاحين خاصة في فصل الصيف، والسبب في هذا برأينا هو أنهم يقطفون ثمر التين ويفركون أعينهم بأيديهم قبل غسلها وتنظيفها من عصارة ورق التين البيضاء اللون. ولعلاج هذا المرض في الثقافة الشعبية كانوا يغسلون عيون المصاب بالشاي الأسود الدافئ، أو استخدام الكحل العربي لتطهير العيون. لكني أذكر أنهم كانوا يستخدمون أيضاً وضع خرزة تتدلى من خصلة شعر فوق العين المصابة وتسمى "بزله"، برتقالية اللون.
ونختم حديثنا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم متعني ببصري، واجعله الوارث مني، وأرني في العدو ثأري، وانصرني على من ظلمني".
- معالجة السعال الحاد "الذيبي":
لفت نظري لكتابة هذه الظاهرة الطبية الشعبية الصديق الأستاذ الدكتور نعمان جبران الطميزي من بلدة إذنا والتي تبعد عن نوبا بضع كيلومترات، ولهما الموروث الشعبي نفسه، فالشكر والتقدير له.
شهدت الأردن وفلسطين إصابة سعال حادة عند الأطفال، وكان الناس في القرى والبوادي يقولون "الولد بقح ويشهق ويفهق"، وبحثوا عن علاج لها فوجودها في عظمة حلق الذئب المسماة "فاهقة الذيب". وعظمة حلق الذئب هذه تنتزع من عظم الذئب بعد قتله أو موته بشكل طبيعي. أما كيفية الاستخدام فهي على النحو الآتي:
تربط عظمة "فاهقة الذئب" بخيط قوي ثم تعلق في رقبة الشخص المصاب بالسعال ...فيشفى بإذن الله...والله أعلم... لنا بالنوايا وليس بالأعمال...كان الناس طيبون...هل فكر أحدنا بهذا العلاج...؟
يا رعاكم الله
عمّان في 22/ 3 /2026
* ضمن سلسلة مقالات تحمل عنوان من "دفتري العتيق" التي يكتبها الاستاذ الدكتور المبدع "زيدان عبد الكافي الكفافي" وتنفرد شبكة " أخبار البلد" المقدسية بنشرها تباعا

