• 17 نيسان 2026
  • حكايات مقدسية

 

 

بقلم : زيدان عبدالكافي كفافي

كان يوم الأحد الماضي الموافق 12/ 4/ 2026 من هو يوم احتفال أهلنا أتباع المسيح بعيد الفصح، وحيث أن المناسبة تمثل احتفالاً دينياً لدى أهلنا فمن الواجب تهنئة أصدقائنا وجيراننا ممن هم على هذا الدين بهذه المناسبة. فحملت نفسي وتوجهت لزيارة أصدقائنا وجيراننا دار أبو خالد (توفيق الحناينه، وزميلتنا في الكار الأثري خولة القسوس). تأبطت بعضاً من كتبي، وأجزم أنها من اهتمام السيدة خولة، ووصلت إلى باب بيتهم فوجدت أبا خالد بالانتظار. دعاني للدخول، فزلفت إلى داخل غرفة الجلوس، تبعتنا أم خالد جلسنا، وبطبيعة الحال جاءت المحبوبة السمرا فرشفت ما تفضل علي به أبو خالد في الفنجان. وبطبيعة الحال أخذنا نتبادل أطراف الحديث عن أحوالنا الشخصية والعائلية والعملية خاصة أننا جميعاً أصبحنا متقاعدين.  بعد القهوة، وقفت أم خالد قائلة: - "شوف دكتور زيدان لازم تتذوق معمولاتي"، فأحضرت طبقاً فيه أشكالاً متنوعة، منها ما هو هرمي، والآخر مستدير الشكل، والثالث له خرق دائري في مركزه، ويتمتع كل نوع بحشوة تختلف عن الآخر. بعدها سألتني أم خالد عن الأحفاد وعددهم، فأجبتها: انهم خمسة أحفاد، اثنتان في ألمانيا، والذكور الثلاثة في بيتنا.  عرفت بعدها أن السؤال خلفه إجابه، وكانت أن أحضرت أم خالد سلة صغيرة مملوءة ببيض ملون ومزخرف بزخارف جميلة. وكوني أحشر نفسي دائماً بأسئلة لمن هو أمامي طالباً الإجابة للتعلم.

سألتها: - "ما هي الفكرة من توزيع بيض ملون في عيد الفصح وتوزيعه على الناس؟".

الإجابة: - " الفكرة في المسيحية هي رمزية لتجدد الحياة، وقيام السيد المسيح، فالكتكوت يخرج إلى حياة جديدة من البيض، وفي هذا إشارة لبني البشر إلى أخذ العظة من هذه العملية الربانية".

أقنعتني إجابة أم خالد، ووعدتها بأنني سأكتب خاطرة حول الموضوع خاصة أنها ظاهرة عامة عند جميع الأخوة المسيحيين. وها أنا أوفي بما وعدت.

توجهت بعدها لبيت الدكتور فيكتور بله، أيضاً لأداء واجب التهنئة بالعيد، واستقبلني فيكتور وزوجته "غريس"، وتكرر المشهد نفسه، والإجابات نفسها، وعددت إلى البيت بسلة كبيرة من البيض، فوزعتها على هاشم، وسند، وحمزة، وبقي بعض منها في السلة، لكن بعضه تكسّر نتيجة لعبث الأولاد به. على أي حال، يعتقد الإخوة المسيحيّون أن بيض الفصح الملوّن بالأحمر على أنه رمز لقيامة المسيح، وحملوه معهم إلى الكنائس ليباركه الكهنة قبل تبادله مع عائلاتهم، وفي هذا وبنظرهم تأكيد على قيامة المسيح بالدرجة الأولى.  لكنها ترمز أيضاً إلى تجدد الحياة.

ذكرني هذا كله بطفولتي خلال خمسينيات القرن الفائت أثناء وجودنا بقريتنا "نوبا/الخليل" بفلسطين، حيث كنا نحتفل في كل ثالث خميس من شهر نيسان بعيد اسمه "خميس البيض"، ونحن على الدين الإسلامي. إذن اجتمعت هنا ثلاث متشابهات:

  1. الاحتفال بالمناسبتين "عيد الفصح المجيد" عند المسيحيين، و "خميس البيض" في الشهر نفسه "نيسان"، وهو شهر الربيع حيث تتجدد الأشجار والنباتات الأخرى وتكسو الأرض حلّة ربيعية خضراء.
  2. هناك عامل مشترك في المناسبتين وهو "البيض". 
  3. يكسر البيض ويؤكل في المناسبتين، لكن بطريقة مختلفة سنوضحها أدناه.
  4. ترمز الاحتفالية إلى تجدد الحياة وضرورة التفاؤل لما سيأتي.

خميس البيض/خميس الأموات رمز لتجديد الحياة في بلادنا:

يحتفل الناس، خاصة في فلسطين، في يوم الخميس الثالث من شهر نيسان بعيد أطلق عليه أجدادنا وورثناه عنهم اسم "خميس البيض" أو "خميس الأموات"، ويمارسه المسلمون والمسيحيون في الشهر نفسه وإن لم يكن في اليوم نفسه. وكان الناس في قريتنا يقومون بسلق البيض وتلوينه، فإن أردت اللون البني عليك بغلي البيض مع قشر البصل الناشف، وإن أردت اللون الأخضر فعليك بغليه مع أوراق الشجر الخضراء. وربما تكون هذه العادة قديمة ومتوارثة في بلاد الشام خاصة منذ القدم (ربما كنعانية؟ لا دلائل لدي).

بالإضافة لتلوين البيض، والذي كان يعد عملة صعبة في القرية، وتوزيعه على الأطفال لإجراء مبارزة فمن يستطيع أن يكسر بيضة الآخر ويغنمها منه "المطاقشة/ المكاسرة"، كانت النساء يخبزن نوعاً من الخبز لونه أصفر "مخمرات/أقراص" و"الزلابيا" وهو مكون من العجين غير المخمر ويقلى بالزيت، ويذهب الناس لزيارة الموتى قبل شروق الشمس، ويوزعون الخبز على الفقراء، أو فيما بينهم. وهذا يؤكد على التكافل الاجتماعي الذي كان موجوداً بين أفراد المجتمعات الزراعية.

ومن الأشياء التي ما زلت أذكرها بهذه المناسبة، أنه وفي ليلة خميس البيض كنا، ونحن أطفال، وبناء على اقتراحات الكبار من أهلنا، نحضر أغصان مملوءة بالورق الأخضر، ثم نضعها تحت المخدة التي نضع رأسنا فوقها، ونبقيها حتى الصباح، فإن بقيت خضراء حتى الصباح فإن حياتك ستتجدد، وإن اصفرت الأوراق توقع ما هو سيء.  وهذه عادة أخرى متوارثة تشير إلى تجدد الحياة.

عملية المطاقشة:

كان للأطفال الدور الأكبر في عملية المطاقشة، ولم يخلُ الأمر من منازلة كبار السن من لعبة مكاسرة البيض هذه. وكان الناس ينتظرون هذه المناسبة السنوية على أحر من الجمر. وأما ممارسة اللعبة فكانت على النحو الآتي:

يتقابل متبارزان وفي يد كل منهما بيضة مسلوقة وقد قبض عليها بكامل أصابع يده، ويتفق الطرفان هل يكون الضرب من ناحية رأس البيضة أو قاعدتها العريضة، ومن الضارب ومن متلقي الضربة. وفي العادة كانت هناك عدة حيل كأن يحاول الشخص الذي تتعرض بيضته للضرب بتضيق مكان تلقي الضربة بإغلاق إصبعي الابهام والشاهد لأقصى حد حتى تتلقى هي الضربة، فلا تنكسر بيضته. والفائز هو الذي لا تنكسر بيضته المسلوقة، ويحق له في هذه الحالة أخذ البيضة المكسورة. وتمارس اللعبة بفنية ودراية، وذلك من خلال معرفة كل لاعب أصلب الأماكن في قشرة البيض، والزاوية التي يضرب بها بيضة الخصم.

رموز ودلالات خميس البيض:

  1. يرمز توزيع البيض الملون من الناحية الدينية عند المسيحيين للحياة الجديدة والقيامة (قيامة السيد المسيح).
  2. يرمز من الناحية الاجتماعية إلى عودة الحياة وتجددها وروح التكافل والمحبة بين الناس.
  3. يرتبط (خميس الأموات) بذكرى الأموات وزيارة قبورهم من الناحية التراثية.

هذا تراث عريق ممتد في بلاد الشام منذ أقدم العصور، وللأسف اختفى في هذه الأيام احتفالات "خميس البيض"، وبرأينا أن السبب في هذا طغيان الحياة المدنية وحياة المدينة على كل شيء مظاهر الحياة الاجتماعية. لكن توزيع البيض الملون بقي ظاهرة متوارثة بين الأخوة المسيحيين. تراثنا تراث مشترك بغض النظر عن تعدد الديانات والأعراق، فنحن نبات هذه الأرض العربية، التي شربت وتشرب مطر السماء الذي يجود به علينا الواحد الأحد.، نزرع الأرض نفسها، ونشرب الماء نفسه، يا رعاكم الله.

عمان في 15/ 4/ 2026م