• 26 تشرين أول 2026
  • حكايات مقدسية

 

بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

 

حكاية الأناقة والعمل الشريف في ذاكرة القدس

حين كانت الأناقة تبدأ من القدمين

«من البابوج للطربوش»؛ عبارة شعبية أصيلة، تداولها الناس في وصف الرجل الأنيق الذي اكتمل هندامه، فلم يغفل تفصيلًا من تفاصيل مظهره. وهي عبارة تختزل ثقافة اجتماعية كاملة، كانت ترى في الأناقة انعكاسًا للذوق الشخصي، وعنوانًا للاعتناء بالنفس، ومظهرًا من مظاهر الوقار والوجاهة الاجتماعية

الطربوش والبابوج: لغة الأناقة في الذاكرة الشعبية

احتل الطربوش مكانة بارزة في هندام الرجل في بلاد فلسطين  ومنها القدس، خلال مراحل تاريخية مختلفة. فقد كان غطاءً للرأس، لكنه تجاوز وظيفته العملية ليصبح رمزًا للوقار والرزانة والانتماء إلى نمط اجتماعي وثقافي معين. وكان الاهتمام بمظهره وتنسيقه جزءًا من العناية بالهندام، تمامًا كما كانت العناية بالحذاء تعكس اهتمام صاحبه بنظافته ومظهره.

أما «البابوج»، وهو نوع من الأحذية التقليدية، فقد كان يمثل الطرف الآخر من هذه الصورة المتكاملة. وبين البابوج والطربوش تتشكل عبارة «من البابوج للطربوش»، التي تدل على اكتمال الأناقة من القدم إلى الرأس، وتُستخدم كذلك للدلالة على الشمول والإحاطة بالتفاصيل. فإذا قال أحدهم: «حكالي القصة من البابوج للطربوش»، كان يقصد أن محدثه روى له الحكاية كالطربوش والبابوج: لغة الأناقة في الذاكرة الشعبية

وفي السياق الشعبي نفسه، يرد التعبير «لابس على سنجة عشرة»، الذي يُستخدم لوصف الرجل شديد الأناقة، المتأنق في ملبسه وهندامه. وتربطه بعض الروايات الشعبية بميل الطربوش ميلًا خفيفًا، في إشارة إلى الاعتداد بالنفس والثقة بها.

وتذهب رواية متداولة في تفسير التعبير إلى ربط «السنجة عشرة» بالصنجة الصغيرة المستخدمة في الموازين الدقيقة، ومنها موازين الذهب والصيدلة.ومع ذلك، تكشف هذه الرواية عن ميل الذاكرة الشعبية إلى تفسير الألفاظ اليومية من خلال الأشياء المألوفة في حياة الناس، وتحويلها إلى صور بلاغية تختصر المعنى.

وهكذا، لم تكن الأناقة في المخيال الشعبي مجرد ثياب نظيفة أو حذاء لامع؛ بل كانت لغة اجتماعية لها إشاراتها ورموزها، يقرأ الناس من خلالها جانبًا من شخصية الفرد واهتمامه بمظهره   ، من بدايتها إلى نهايتها، من دون أن يترك تفصيلًا مهمًا  

 واليوم نسرد حكاية «البويجي»، ماسح الأحذية الذي لم يكن يلمّع الجلود وحدها، بل كان، من 

حيث لا يدري، يحفظ جانبًا من ذاكرة المدينة اليومية.

في زاوية من زوايا القدس القديمة، وعلى قارعة طريق اعتاد المارة عبورها كل يوم، كان يجلس رجل بسيط، يضع أمامه صندوقه، ويراقب حركة الناس بعين خبيرة. لم يكن صاحب متجر واسع، ولا تاجرًا يملك واجهة مزخرفة، بل كان حرفيًا يحمل أدوات مهنته في صندوق صغير، ويصنع من وقته وجهده موردًا لرزقه.

ذلك هو «البويجي»، الاسم الشعبي الذي عُرف به ماسح الأحذية في عدد من المجتمعات العربية، والذي ارتبط في الذاكرة المقدسية بمشهد يومي مألوف. كان يجلس في موضعه، أو يتنقل بين الأسواق والساحات والأزقة، منتظرًا زبونًا أنهكه الطريق، أو حذاءً فقد بريقه تحت وطأة الغبار وتتابع الخطوات.

وقد تميز صندوق البويجي التقليدي بتصميمه العملي، الذي يجمع بين سهولة الحمل وتنظيم الأدوات. فمنه ما صُنع من الخشب، ومنه ما غُلّف بالنحاس أو زُيّن بزخارف بسيطة. وقد يأتي سطحه العلوي مهيأً لوضع القدم، فيما تُخصّص أجزاؤه الداخلية لحفظ مستلزمات العمل.

كانت الصناديق تحتوي على علب الصباغ بألوان مختلفة، ومواد التلميع، والفرش المتنوعة، والقطع القماشية المستخدمة في التنظيف والتجفيف وإظهار اللمعان. كما كانت بعض الأدوات تشمل فرشاة طويلة ذات شعيرات مناسبة لإزالة الغبار، وأخرى أكثر نعومة لتوزيع مواد التلميع وصقل سطح الحذاء ولم يكن الصندوق مجرد حاوية لهذه الأدوات؛ فقد كان ورشة عمل متنقلة، ومصدر رزق، وعلامة مميزة لصاحبه. يحمل فيه البويجي عدته وخبرته، ويعرف مواضع أدواته كما يعرف الحرفي أدوات مهنته. وكان كل شيء فيه يؤدي وظيفة محددة، ضمن ترتيب اكتسبه صاحبه بالممارسة والتجربة.

ومن يتأمل هذا الصندوق اليوم، لا يرى قطعة خشب أو معدن فحسب، بل يرى أثرًا من آثار الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القدس؛ أثرًا يروي قصة مهنة بسيطة اعتمدت على المهارة اليدوية، وعلى العلاقة المباشرة بين العامل وزبائنه

طقوس التلميع: حين تتحول الحرفة إلى فن

لم تكن عملية تلميع الحذاء عملًا عشوائيًا، بل كانت سلسلة من الخطوات المتتابعة التي تتطلب معرفة بالأدوات والمواد، ومهارة في التعامل مع أنواع الجلود وألوانها .

كان البويجي يبدأ بإزالة الغبار والأوساخ العالقة بالحذاء، مستخدمًا الفرشاة المناسبة. ثم يعالج سطحه بما يلزم من تنظيف، قبل أن يوزع الصباغ أو مادة التلميع الملائمة للونه ونوع جلده. وبعد ذلك، يترك المادة لتؤدي وظيفتها، ثم يعود إلى الحذاء بفرشاة ناعمة أو قطعة قماش، يمررها على سطحه بحركات متتابعة، حتى يستعيد شيئًا من بريقه..

في هذه اللحظات، كانت الحرفة تبدو أقرب إلى طقس يومي له إيقاعه الخاص. فالفرشاة تتحرك، والقماش يمر على الجلد، والصندوق يحتفظ بأدواته في صمت، بينما يستعيد الحذاء مظهره تحت يدي صاحبه.

غير أن قيمة هذه العملية لا تكمن في نتيجتها الجمالية وحدها، بل في العمل الذي يقف وراءها. فالبويجي لا يبيع بريقًا مؤقتًا فحسب؛ إنه يقدم خدمة تعتمد على الخبرة والصبر والدقة، ويحوّل مهارة يدوية بسيطة إلى مورد للعيش الكريم.

قراءة الأحذية: حكايات مكتوبة على الطريق

كان البويجي يقضي ساعات طويلة في مراقبة الأحذية التي تصل إليه، ولذلك كان قادرًا على ملاحظة تفاصيل قد لا ينتبه إليها أصحابها. فالغبار المتراكم، ومواضع التآكل، والخدوش، وآثار المطر والطين، كلها علامات تكشف جانبًا من مسار الحذاء، وتمنح صاحبه فرصة لتخمين طبيعة الاستخدام الذي تعرض له.

ومن هنا، يمكن تخيل البويجي بوصفه قارئًا لكتاب صغير تكتبه الطرقات على الجلود. فالحذاء الذي يحمل آثار المشي الطويل يختلف عن الحذاء الذي لا يظهر عليه إلا القليل من الاستعمال، والحذاء الذي بهت لونه تحت الشمس يحمل علامات مختلفة عن ذلك الذي أفسدته الرطوبة أو الأتربة.

وفي صورة أدبية تختزل هذه الفكرة، يمكن أن يقول البويجي:

«إن العرّاف يقرأ الكف، وبعض الناس يقرأون الفنجان، أما أنا فأقرأ الحذاء؛ ففي آثاره شيء من الطريق الذي قطعه صاحبه، وفي خدوشه حكاية الأيام التي مر بها».

لا يعني ذلك أن الأحذية تكشف أسرار أصحابها على نحو يقيني، بل إن آثارها المادية تتيح ملاحظات محدودة عن ظروف استعمالها. أما ما يتجاوز هذه الملاحظات إلى استنتاجات عن شخصية الإنسان أو حياته، فيبقى في نطاق التخمين والسرد الأدبي.

ومع ذلك، تمنح هذه الصورة مهنة البويجي بعدًا إنسانيًا يتجاوز التلميع والتنظيف. فالحذاء جزء من حياة صاحبه اليومية، يرافقه في العمل والتنقل والزيارات، ويحمل آثار خطواته على اختلاف مقاصدها. وقد يكون قد سار في الأسواق، أو صعد درجات البيوت القديمة، أو عبر طرقًا ترابية، أو وقف طويلًا أمام باب ينتظر صاحبه.

ومن هذا المنظور، يصبح الحذاء شاهدًا صامتًا على حركة الإنسان في المكان، وتغدو مهنة البويجي مدخلًا للتأمل في العلاقة بين الجسد والطريق والذاكرة.

شرف المهنة وكرامة العمل

في المجتمعات التقليدية، ارتبطت بعض المهن اليدوية البسيطة بنظرة اجتماعية متباينة؛ فقد رأى فيها بعض الناس أعمالًا متواضعة المكانة، بينما نظر إليها آخرون بوصفها وسائل مشروعة لكسب الرزق وإعالة الأسرة.

وكان البويجي واحدًا من أصحاب هذه المهن الذين اعتمدوا على جهدهم اليومي إن احترام أصحاب المهن البسيطة لا يتحقق بتمجيد معاناتهم فحسب، بل بالاعتراف بعملهم، وصون كرامتهم، والنظر إلى قيمة الإنسان بعيدًا عن التصنيفات الاجتماعية التي تربط المكانة بنوع المهنة أو مقدار الدخل.

لقد كان صندوق البويجي، بهذا المعنى، أكثر من وسيلة للعمل؛ كان عنوانًا للسعي اليومي، ودليلًا على أن الكرامة لا تُقاس بضخامة الممتلكات، بل بنزاهة العمل وصدق السعي.

البويجي في فضاء القدس: مهنة وذاكرة مكان

ارتبطت مهنة مسح الأحذية في الذاكرة الشعبية بالأسواق والساحات والأماكن التي يكثر فيها مرور الناس. وفي مدينة القدس، التي تميزت بأسواقها القديمة وأزقتها المتشابكة وحركة الزوار والمصلين والتجار، أمكن لهذه المهنة أن تجد مجالًا للعمل في الفضاء العام.

كان البويجي جزءًا من المشهد اليومي الذي تتشكل منه حياة المدينة: الباعة ينادون على بضائعهم، وأصحاب المتاجر يرتبون واجهاتهم، والمارة يعبرون الأزقة، فيما يجلس صاحب الصندوق في موضع يعرفه زبائنه، منتظرًا من يحتاج إلى تنظيف حذائه أو تجديد لونه.

ومع تكرار اللقاءات، لم تعد العلاقة بين البويجي وزبونه مجرد معاملة تجارية عابرة. فقد تنشأ معرفة متبادلة، وتدور أحاديث عن أحوال السوق والطقس والعمل والأسرة، وتتكرر الوجوه حتى يصبح وجود صاحب الصندوق جزءًا مألوفًا من ذاكرة المكان.ومن هنا، تكتسب المهنة أهميتها في دراسة الحياة الاجتماعية للقدس؛ فهي تتيح الاقتراب من فئات العمال والحرفيين الذين أسهموا في تشكيل يوم المدينة، حتى إن لم تحظ أسماؤهم بالحضور نفسه الذي حظيت به أسماء التجار الكبار أو الشخصيات العامة.

ومع ذلك، فإن تحديد المواقع التي اعتاد البويجية العمل فيها داخل أسوار القدس، أصحاب الصناديق الذين اشتهروا في أحياء معينة.

 واستعادة هذه المواقع والأسماء، إن أمكن توثيقها، من شأنها أن تحول الحكاية من استذكار وجداني إلى مادة تاريخية واجتماعية تحفظ جانبًا من حياة المدينة.

من الحضور اليومي إلى الذاكرة التراثية

الحذاء في الأدب: من الشيء اليومي إلى الرمز الثقافي

لم يقتصر حضور الحذاء على الحياة العملية، بل امتد إلى الأدب والفن، حيث تحول من شيء يستخدمه الإنسان في تنقله إلى رمز يمكن أن يحمل دلالات متعددة، مثل الفقر والكرامة والعمل والاغتراب والسخرية والاحتجاج.

فالحذاء يرافق الإنسان في رحلته، ويتعرض لما يتعرض له من تعب، ويحمل آثار المكان الذي يعبره. ولهذا استطاع أن يدخل في صور أدبية وفنية تتجاوز وظيفته المباشرة، ليصبح أحيانًا تعبيرًا عن أحوال صاحبه أو عن الظروف الاجتماعية التي يعيشها.

وفي الفن التشكيلي، تُعد لوحة «زوج من الأحذية» للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ مثالًا معروفًا على تحويل حذاء مستعمل إلى موضوع فني يستدعي التأمل في العمل والحياة اليومية. فالأحذية في اللوحة ليست مجرد أشياء مهملة، بل تحمل في شكلها وآثار استعمالها إمكانية قراءة أوسع لعلاقة الإنسان بالعمل والتعب والمكان.

وفي الأدب العربي، استُخدم الحذاء في الشعر والقصة بوصفه مادة للسخرية والمفارقة والتأمل. وقد تتجه الكتابة عنه إلى رثاء حذاء قديم، أو استحضار حادثة فقدانه، أو توظيفه في نقد اجتماعي يربط بين المظهر والواقع، أو بين قيمة الأشياء المادية ومكانة الإنسان.

ومن الأمثلة اللافتة على ذلك الحكاية التي رواها الكاتب المصري أنيس منصور عن فقدان حذائه في القدس سنة 1955، خلال زيارة وفد مصري برئاسة الشيخ أحمد حسن الباقوري. وقد أورد منصور أن الباقوري نظم أبياتًا شعرية ساخرة في الواقعة، محولًا حادثة يومية بسيطة إلى مادة أدبية تجمع بين الدعابة والصداقة والمفارقة.

وتكشف هذه الحكاية، كما نقلها منصور، قدرة الأدب على منح الوقائع الصغيرة حياة تتجاوز لحظتها الأصلية. فقد اختفى الحذاء، لكن القصة بقيت، وتحولت الحادثة إلى ذكرى يتداولها القراء.

ولا تقل هذه الفكرة أهمية عند الحديث عن صندوق البويجي؛ فالحذاء الذي يلمّعه العامل قد يبدو تفصيلًا هامشيًا في حياة صاحبه، لكنه يتيح للكاتب أن يقترب من عالم كامل من العلاقات الاجتماعية والتجارب اليومية.

وهكذا، يلتقي الأدب مع التراث المهني عند نقطة واحدة: الأشياء البسيطة ليست خالية من المعنى، وإنما تكتسب دلالتها من حياة الناس الذين يستخدمونها، ومن القصص التي تتراكم حولها مع مرور الزمن.

خاتمة: صندوق صغير وذاكرة واسعة

حين نستعيد صورة البويجي في القدس، فإننا لا نستعيد مهنة لتلميع الأحذية فحسب، بل نستعيد جانبًا من الحياة اليومية التي صنعت ملامح المدينة عبر أجيال. نستعيد صندوقًا صغيرًا حمل الفرش والصباغ وقطع القماش، لكنه حمل أيضًا خبرة صاحبه ووسيلته إلى الرزق، وشاهد على علاقته بالمكان والناس.

وربما غاب كثير من تلك الصناديق عن شوارع القدس، وتبدلت ملامح الأسواق التي عرفتها، لكن الحكاية لا تزال جديرة بأن تُروى، والأسماء جديرة بأن تُوثق، والأدوات جديرة بأن تُحفظ.

ففي المدن العريقة، لا تصنع الذاكرةَ الأبنيةُ الكبيرة وحدها، ولا تحفظها المعالم الشهيرة فقط؛ بل تسهم في تشكيلها أيضًا خطوات المارة، وأصوات الباعة، وأيدي الحرفيين، وصناديق العمل الصغيرة التي رافقت الناس في تفاصيل حياتهم.

وهكذا يبقى صندوق البويجي أكثر من أثر من الماضي؛ إنه نافذة على تاريخ اجتماعي يستحق أن يُكتب، وشهادة على رجال سعوا في الأرض بجهدهم، وتركوا في ذاكرة القدس أثرًا قد لا يلمع كالحذاء بعد تلميعه، لكنه يبقى عميقًا، أصيلًا، وقريبًا من القلب.