• 26 تشرين أول 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : نادية حرحش

في وقت تتداخل فيه الأمور من كل صوب، صار من المستحيل القول إن الانتخابات الإسرائيلية هذه المرة شأن إسرائيلي فقط. وكالعادة، قد نقول إن لا ناقة لنا فيها ولا جمل. ولكن لنا ما بين الناقة والجمل ما يتيح للفلسطينيين في الداخل التأثير فيما ستؤول إليه الماكينة الصهيونية المتطرفة، التي تعمل بأقصى قوتها، في محاولة لإحداث تغيير مرجو.

ليس موضع تكهن كنه الدافع الرئيسي لتلك الماكينة المتطرفة يكمن في التخوف على مآل الدولة الصهيونية، بل ومن انهيار المشروع الصهيوني برمته، أو على الأقل من تآكل ديمقراطية الحكم التي طالما تغنى بها قادة ذلك المشروع ومناصروهم في الغرب، متجاهلين التناقض الصارخ بين فوقية ذلك المشروع واستعلائيته والركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي سليم، ألا وهي احترام مبدأ المساواة وتكريسه.

بيد أن هذا لا ينبغي أن يعني أننا، كفلسطينيين عموماً، والناخبين منا على وجه الخصوص، نملك ترف اللامبالاة إزاء ما يمكن أن تفرزه الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة، أو حتى مجرد التردد بشأن ما يمكن عمله للتأثير في العملية الانتخابية نفسها، وفي تحديد مآل منظومة الحكم التي ستتمخض عنها.

والسؤال الذي يطرح نفسه بوضوح في هذا المجال هو: بالرغم من جوهرية ما يبعدنا عن كل ما يمثله البعد الاستحواذي والاستعلائي لمفهوم صهيونية الدولة، أليست لدينا مصلحة واضحة في المساهمة في تفتيت الائتلاف الحكومي الأكثر إسهاماً في العمل، جهاراً نهاراً، على تكريس هذا المفهوم على أنقاض ما تبقى من آمالنا وتطلعاتنا الوطنية؟

لا أعرف إن كان يمكن القول إن نتنياهو يمثل، في بقائه السياسي، ما يشبه الدكتاتوريات في العالم المحيط، من دول عربية وغيرها، حيث يبقى رجل واحد في الحكم طوال هذا الوقت. ففي النهاية، تجري الانتخابات الإسرائيلية وفق معايير النزاهة والتنافسية المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية، ويستمد نتنياهو شرعية بقائه في الحكم من العملية الانتخابية.

ولكن هل تكفي الانتخابات وحدها لضمان ديمقراطية الحكم؟ ففي تركيا وروسيا، كما في دول عربية تجري فيها انتخابات دورية، يستند الحكام أيضاً إلى نتائج الانتخابات لتبرير استمرارهم في السلطة، وإن اختلفت هذه الأنظمة اختلافاً جوهرياً في نزاهة انتخاباتها وشروط المنافسة فيها.

الأمر لا يتعلق بالانتخابات وحدها، ولا بتساوي هذه الأنظمة، بل بما يمكن أن يمنحه البقاء الطويل في الحكم من قدرة متراكمة على التحكم بمقاليد السلطة، وبناء التحالفات، وتوظيف النفوذ السياسي لضمان الاستمرار فيها. وهنا يصبح السؤال ليس فقط عما إذا كانت الانتخابات نزيهة، بل عما إذا كانت نزاهتها وحدها كافية لمنع تحول السلطة إلى أداة لإعادة إنتاج نفسها.

فالخطر ليس في عدم وجود انتخابات، كما في الحالة المأساوية التي نعيشها كفلسطينيين في بؤر الضفة المتبقية، بل في تمكّن رجل واحد من البقاء في السلطة تحت شرعية الانتخابات طوال هذا الوقت.

ليست المسألة أن نتنياهو هو من صنع هذا التطرف، بل إنه استطاع استثمار ما كان موجوداً أصلاً، وجمع أطرافه المتباينة في منظومة سياسية متماسكة، جعلت من السياسات التدميرية مشروعاً قابلاً للاستمرار. وغيابه عن الحكم لن ينهي هذا المشروع، لكنه قد يضعف تماسك حلقاته، ويحد من قدرة اليمين المتطرف على الاستمرار بالقوة نفسها.

لا أريد الخوض فيما يمكن أن يصب في مصلحة إسرائيل كدولة يهددها وجود شخص مثل نتنياهو طوال هذا الوقت في الحكم، لأن الوضع في إسرائيل، كلما ازداد سوءاً من الناحية السياسية، سمح بزعزعة الأمر الواقع المتمثل في تماسك القوى السياسية الصهيونية، على اختلاف توجهاتها، عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، الذين تجمع على التعامل معهم بوصفهم عدواً.

أذكر أن أحد أسوأ الشعارات الانتخابية التي رفعتها القائمة المشتركة في الانتخابات السابقة كان شعار «إسقاط نتنياهو». رأيت في ذلك كيف يمكن أن تتحول حملة انتخابية تستهدفه إلى حملة تصب في مصلحته، وهو الرجل الذي يتقن تحويل كل مصيبة إلى فرصة، فكيف إذا كانت الحملة موجهة إليه شخصياً؟

ولكن منذ تلك الانتخابات إلى هذه، تحولت الأمور وانقلبت الموازين، وبات وجود نتنياهو في الحكم خطراً على وجودنا كشعب أنهكته الإبادة ويجرفه اليوم طموح التهجير القسري.

لم تعد مسألة العرب في هذه البقعة الجغرافية مسألة ضفة أو غزة أو قدس أو داخل. فما جرى في غزة يجري في الضفة بطرق مختلفة، ويجري في الداخل بطرق ليست ببعيدة عما نشاهده في النقب والشمال من هدم بلا هوادة، وارتفاع في الجريمة حتى أصبحت جزءاً معتاداً من الحياة اليومية.

ولكن الخطة التي تستهدفنا كشعب، على الرغم من تقطيع أوصاله واستنزافه واستهدافه من الحجر إلى الشجر، وصولاً إلى البشر، قد دخلت حيز التنفيذ. وما يمكن محاولته اليوم هو إيقاف آلة الطحن التي اشتغلت لطحن ما تبقى منا.

وعلى الرغم من أن ما شهدناه على مدار السنوات الأخيرة يؤكد أنه لا يسار ولا يمين في هذا الكيان عندما يتعلق الأمر بنا، فإننا رأينا كذلك أن هناك بالفعل درجات من التطرف والتوحش لا يمكن ردعها إلا بإخراجها من صناعة القرار عبر الانتخابات.

لا أعرف إلى أي مدى يمكن للأحزاب العربية أن تفرض شروطاً على المعارضة الإسرائيلية، أو أن تضمن الالتزام بها، خصوصاً بعد التجارب السابقة. كما أن المشاركة في حكومة إسرائيلية ليست بالضرورة هدفاً تتفق عليه هذه الأحزاب. ولكن ربما لا تكون المسألة هذه المرة فيما يمكن الحصول عليه مقابل دعم حكومة بديلة، بقدر ما هي فيما يمكن منعه باستعمال القوة الانتخابية المتاحة.

لهذا، يمكن للصوت العربي هذه المرة أن يكون في موقع صانع الملوك (Kingmaker)، إذا استطاع الفلسطينيون في الداخل الحصول على أكبر عدد من المقاعد، بما يمنحهم القدرة على ترجيح تشكيل الحكومة المقبلة. ولكنهم، في الوقت نفسه، قد يجدون أنفسهم في حالة زوغزوانغ (Zugzwang)، حيث لا يخلو أي خيار من كلفة سياسية. فدعم حكومة بديلة لا يضمن تغيير سياساتها تجاه الفلسطينيين، والامتناع عن دعمها قد يساهم في استمرار الائتلاف الحالي. وهكذا، قد يمتلكون القدرة على تحديد من يحكم، دون أن يمتلكوا القدرة نفسها على تحديد كيف سيحكم.

ولكن المسألة لم تعد تتعلق بما يمكن الحصول عليه من حكومة إسرائيلية بديلة، ولا بالثقة في التزاماتها، بل بما يمكن منعه من خلال الحيلولة دون استمرار الائتلاف الحالي في الحكم. وليس في ذلك افتراض بأن البديل سيحمل تغييراً جذرياً تجاه الفلسطينيين، وإنما محاولة لوقف آلة سياسية استطاعت جمع أكثر القوى تطرفاً في موقع القرار.

فإخراج نتنياهو وتفكيك الائتلاف الذي يجمعه ببن غفير وسموتريتش ليسا هدفين منفصلين. فنتنياهو، الذي استثمر التطرف القائم وحوّله إلى قوة سياسية متماسكة، بات يعتمد في استمرار حكمه على هذا التحالف نفسه. ولعل إبعاده عن الحكم لا ينهي المشروع الذي يمثله، لكنه قد يفتح ثغرة في تماسكه، في لحظة أصبح فيها وقف آلة الطحن ضرورة تتجاوز كل الحسابات الانتخابية المعتادة.