• 8 تشرين الثاني 2026
  • حكايات مقدسية

 

بقلم : منيرعارف قليبو

 

قبل عدة أيام أطلقت الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني، برعاية رئيس الوزراء د. محمد مصطفى، عملية تحديث الاستراتيجية الوطنية للقطاع.

قرأت العناوين: التعليم والتدريب المهني «ركيزة أساسية» للتعافي الاقتصادي، وتطوير المهارات «يجب أن يسهم بصورة مباشرة في التشغيل»، والنهوض بالقطاع «مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار وتوحيد الجهود».

كان يُفترض أن أفرح، لكنني حزنت. وبمنتهى الصراحة، هذه الجمل نفسها سمعتها وكتبت مثلها وفاوضت عليها طوال أكثر من ثلاثة عقود، ستة عشر عاماً منها ممثلاً لمنظمة العمل الدولية في القدس، أحاول أن أجمع على طاولة واحدة وزارات العمل والتربية والتعليم العالي والتنمية الاجتماعية، والقطاع الخاص، والنقابات العمالية، وشركاء التدريب المهني والممولين.

لا أكتب لأقلل من جهد أحد، ولا لأشكك في نية من أطلق المسار أمس. بل على العكس، أكتب لأننا، بعد سبعة وعشرين عاماً على أول استراتيجية وطنية لقطاع التدريب المهني، ما زلنا نتحدث بلغة البدايات.

وأرى أننا ما لم نقرأ تجربتنا بصدق، سنطلق بعد عشر سنوات «تحديثاً» آخر بالكلمات ذاتها. والأخطر من تكرار الكلمات تكرار الأعذار: أن المال لم يكفِ، وأن الظروف لم تسمح، وأن المسؤولية مشتركة، وأن الظروف كانت تسير عكس التيار. وبمنتهى الصدق، وكشاهد على المرحلة، أقول إن المال كان متوفراً وبكثرة، وإن الظروف لم تكن يوماً مثالية ولن تكون، وإن «المسؤولية المشتركة» صارت ذريعة يتنصّل بها كل طرف من حصته فيها.

سبعة وعشرون عاماً في سطور

حين نضع المحطات جنباً إلى جنب، يظهر نمط واحد يتكرر: نكتب الهيكل، ونصف الوضع بدقة، ونرسم خارطة الطريق… ثم لا نشغّله.

■  1999: أول استراتيجية وطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني، بدعم ألماني، إذ ورثت السلطة الفلسطينية يومها نظاماً قديماً صُمّم لتخريج عمالة متدنية المهارة لسوق العمل الإسرائيلي.

■  2010: استراتيجية معدّلة رسمت حوكمة من مستويين: مجلس أعلى يقود القطاع سياسياً، ومجلس تنفيذي يتولى التنفيذ الكامل.

■  2012: تقرير مؤسسة التدريب الأوروبية يوثّق أن الحوكمة المنصوص عليها في 2010 ظلت حبراً على ورق، وأن المجلس الأعلى لم يُفعَّل كما كان مقرراً، وأن المقاومة السياسية لتغيير قمة الحوكمة هي العائق الأكبر أمام الإصلاح.

■  2018: مجلس الوزراء يبحث قراراً بتوحيد قطاع التدريب المهني تحت مظلة واحدة، فإذا بالقرار يُرفض، وتتحول الوزارات ذات العلاقة إلى صيغة «التعاون لتحسين الكفاءة» بدل التكامل والتوحيد. هذا التحول، بهدوئه الإداري، كان اللحظة الفاصلة في تاريخ القطاع كله.

■  2019: إعادة تنشيط المجلس الأعلى، وتشكيل لجنة وزارية لصياغة قانون لهيئة وطنية تنهي التشتت.

■  2021: صدور القرار بقانون رقم (4) لسنة 2021 بشأن الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني.

■  حزيران 2023: رئيس الهيئة آنذاك، د. زياد جويلس (حتى 2024)، يؤكد أن الهيئة أُنشئت لتكون المرجعية الوطنية للقطاع، وأنها مصممة على الارتقاء بالمنظومة.

■  أيلول 2026: رئيس الهيئة، في اختتام دورة تدريبية، يقول إن ما يحدث هو مجرد «بداية».

■  تشرين الثاني 2026: رئيس الهيئة يعلن أن الهيئة عملت خلال الأشهر السبعة الماضية على «إعادة تفعيل دورها المؤسسي».

توقفت طويلاً ومليّاً عند المحطات الثلاث الأخيرة. فهيئة أُنشئت بقانون قبل خمس سنوات، لتكون بيت الحوكمة الذي انتظرناه منذ التسعينيات، وكان رئيسها عام 2023 «مصمماً على الارتقاء بالمنظومة»، احتاجت بعد ثلاث سنوات فقط إلى «إعادة تفعيل»، وقبل شهرين فقط من إطلاق الاستراتيجية كان رئيسها يقول إن ما يجري هو مجرد «بداية».

معقول؟ هيئة قانونية عمرها خمس سنوات تقول إن هذه مجرد «بداية»! هذه الجملة وحدها أبلغ من أي نقد. ولم تكن الهيئة ضعيفة لأن أحداً لم يموّلها، فقد جاءت في سنوات كان فيها المال والدعم الفني متاحين بسخاء ومن دون حسيب أو رقيب. كانت ضعيفة لأن أحداً لم يُرد لها أن تكون قوية، والفرق بين التفسيرين هو الفرق بين عجز تقني واختيار سياسي.

ما كتبه الآخرون عنّا

لست وحدي من يقول هذا؛ فالتقارير الدولية قالته بلغة أبرد، وعلى مدى أكثر من عقد.

الوعود على الورق: نقلت مؤسسة التدريب الأوروبية عام 2020 عن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي أن معظم التقارير منذ 2010 وصفت بتفاؤل نماذج حوكمة لم تتحقق قط، وأن سياسات وأنظمة كثيرة صيغت وأنشطة كثيرة نُفّذت، لكن شيئاً منها تقريباً لم يصل إلى واقع القطاع.

الإقبال الهامشي: ظلت نسبة طلبة الثانوية المهنية الرسمية من مجمل طلبة المرحلة الثانوية تراوح بين 2 و3 في المئة لسنوات، وبلغت 2.6 في المئة عام 2017، مع فجوة حادة بين الذكور والإناث. وللإنصاف، رفع التقرير الوطني لعام 2020 النسبة إلى نحو 15 في المئة حين احتسب كل أشكال التدريب الرسمي وغير الرسمي، لكن التقرير نفسه نبّه إلى أن هذا التوسع زاد التشتت وغياب الحوكمة الجامعة. أي أننا لم نفشل في التوسع، بل نجحنا فيه، وفشلنا في أن يكون توسعاً منظّماً. وهذا الفشل الثاني أخطر من الأول، لأنه يبدو نجاحاً في الأرقام.

الشركاء على الهامش: وصفت المؤسسة الأوروبية عام 2018 مشاركة القطاع الخاص والشركاء الاجتماعيين في التخطيط بأنها عرضية لا منهجية، ولاحظت غياب نظام فعّال لمعلومات سوق العمل، واعتماد متابعة الإصلاح على المانحين، وغياب أي مساهمة تدريبية من أصحاب العمل.

التمويل المقسوم: وزارة المالية تدفع الرواتب والنفقات الجارية، والمانحون يدفعون كلفة التدريب نفسه؛ أي أن جوهر القطاع ظل رهناً بدورات المشاريع.

الفجوة مع السوق: أشار البنك الدولي عام 2018 إلى أن منظومة التعليم والتدريب لا تزوّد الخريجين بالمهارات التي تحتاجها الشركات. وفي دراسة لـ«كير» و«أوراد» عام 2015، قال 80 في المئة من أصحاب الأعمال إنهم يجدون صعوبة في ملء الشواغر. وفي 2023 تحدث تقرير لبرنامج أمريكي عن مناهج قديمة، وجاذبية ضعيفة لدى الشباب، وغياب علاقات مؤسسية مع القطاع الخاص.

ربع قرن من المحاولة: في وثيقة صندوق تنمية المهارات عام 2022، اعترف الشركاء أنفسهم بأن الجهات الوطنية تحاول منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً بناء نموذج حوكمة قوي وشامل للقطاع.

وباحثونا قالوها أيضاً: في 2015 ناقش معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) ورقة للمهندس هشام كحيل تقول إن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية شرط لتلبية احتياجات سوق العمل، وفي 2019 أوصى المعهد نفسه، في دراسته عن فجوات المهارات في القطاع الصناعي، بإنشاء نظام فلسطيني فعّال لمعلومات سوق العمل. ولم يتحقق أيٌّ منهما حتى اليوم.

هذه ليست شهادات خصوم، بل شهادات ممولين خطّطوا ونفّذوا معنا، وباحثين من بيننا. وحين يتفق الممول والمنفذ والمراقب على التشخيص، لا يبقى عذر لمن يرفض العلاج.

لماذا لم تعمل الحوكمة؟ ليس لأن أحداً لم يعرف، بل لأن أحداً لم يُرد

في كل مرة يُطرح سؤال الحوكمة، يُجاب عنه بلغة التقنية: نقص الكوادر، وضعف الموازنة، وتعدد الجهات. هذه كلها أعذار حقيقية، لكنها ليست السبب. فالسبب، كما أراه ويراه المجتمع التنموي، أبسط وأقسى: الحوكمة القوية تعني أن تتنازل جهة ما عن سلطة، والتنازل عن السلطة لا يحدث في وثيقة استراتيجية، بل في قرار سياسي مؤلم.

خذ قرار 2018 الذي طرح توحيد القطاع. لم يكن الخلاف يومها على الأهداف ولا على الكفاءة، بل على من يملك ماذا: وزارة التربية والتعليم العالي لا تريد التخلي عن مدارسها المهنية وصلاحية اعتماد مناهجها، ووزارة العمل لا تريد التخلي عن شبكة مراكز التدريب التابعة لها وسلطة الإشراف عليها، ووزارة التنمية الاجتماعية لا تريد التخلي عن مؤسساتها. وحين رُفض التوحيد، لم يقل أحد «لا نريد الإصلاح»، بل قالوا «نريد التعاون».

والتعاون، في هذا السياق، يعني الاحتفاظ بخط الموازنة، وبالسلطة على التعيينات، وبالهوية المؤسسية، مع إضافة صور اجتماعية مشتركة. هذا هو نمط السبعة والعشرين عاماً الذي كنت شاهداً عليه: مشاريع تكفي لإثبات أننا «نعمل»، دون أي مساس بتوزيع السلطة.

ولهذا تحديداً، فإن أي استراتيجية تبدأ من البرامج لا من الحوكمة، تبدأ من النتيجة لا من السبب؛ فالبرامج تُنفَّذ داخل بنية الحوكمة القائمة، فتُنتج ما تُنتجه هذه البنية: تشتتاً، وازدواجاً، ومساءلة غائبة. ولا يكفي أن نقول «الحوكمة أولاً»، بل يجب أن نقول ما معناه عملياً: أن تنتقل صلاحية اعتماد المناهج من الوزارة إلى لجنة مستقلة، وأن ينتقل تقييم أداء المراكز من الوزارة إلى جهة محايدة، وأن يصبح للهيئة موازنة حقيقية لا مكتب تنسيق. وكل بند من هذه البنود تنازل عن سلطة. ومن لا يستطيع أن يقول أي جهة ستتنازل عن ماذا، لا يكتب استراتيجية، بل يكتب بياناً.

كلٌّ على طاولته: تشريح الغياب

أمضيت سنوات في منظمة العمل الدولية أحاول إقناع الشركاء الأساسيين بالجلوس إلى طاولة واحدة. ولم يكن العائق انقسام الضفة عن غزة وعزل القدس، على قسوة ذلك، بل كان أن الإرادة والجاهزية للعمل المشترك لم تكن موجودة أصلاً، رغم كل ما كُتب من مقالات وأبحاث. كان لكل طرف على الطاولة مصلحة في ألا تكتمل الطاولة.

من جهة الوزارات: وزارتا التربية والتعليم العالي، اللتان اندمجتا وانفصلتا أكثر من مرة، في مواجهة وزارة العمل، ومعهما التنمية الاجتماعية. والحقيقة أن هذه الوزارات، منفردة ومجتمعة، لم تنسّق عملها ولم تكمّل إحداها الأخرى، وظلت تتنازع على أجزاء جوهرية تعدّها من دورها التقليدي في القطاع.

وقد لاحظت المؤسسة الأوروبية عام 2020 أن كل وزارة ظلت تستخدم مؤشراتها الخاصة في غياب إطار مشترك، وأنه لا نظام موحداً للاعتماد وضمان الجودة، فصار التشتت هو القاعدة. والأخطر من تعدد المؤشرات أن التعدد صار مصلحة: كل وزارة تحتاج مؤشرات تُظهر نجاحها هي، لا نجاح المنظومة.

من جهة القطاع الخاص: الشريك الذي نذكره في كل خطاب ونغيّبه في كل قرار. لكن السؤال الصحيح ليس «لماذا لا نذكره؟» بل «لماذا لا يريد أن يُذكر؟». والجواب في الحوافز لا في النوايا: صاحب العمل لا يدفع كلفة التدريب، فلا يطالب بحق التصميم؛ ومن لا يدفع ولا يصمّم لا يتحمل مسؤولية النتائج. وقد وثّقت تقارير التعاون الدولي أن آلية المساهمة المالية لأصحاب العمل في التدريب غير موجودة خارج نموذج التعليم المزدوج المحدود. ولو أردنا قطاعاً خاصاً حقيقياً على الطاولة، فعلينا أن نطرح السؤال المزعج: من يدفع؟ فالشراكة بلا كلفة ليست شراكة، بل حضور في الصور. وقد جعل رئيس الوزراء أمس دور القطاع الخاص «محورياً» في تحديد المهارات وتصميم البرامج، وهذا كلام صحيح، لكنه قيل في 1999 وفي 2010 أيضاً، وكنت شاهداً على ذلك. والسؤال اليوم ليس هل نذكره، بل هل نمنحه مقعداً بصلاحية وكلفة ومسؤولية.

ومن جهة النقابات العمالية: الأهم والأكثر تغييباً، إذ ظلت ضعيفة ومهمّشة على الدوام رغم أهميتها. والتغطيات المنشورة لحفل الأمس ذكرت الوزراء والقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات الأهلية والشركاء الدوليين، ولم أجد فيها ذكراً للنقابات. وباختصار، فإن التدريب المهني الذي لا يشارك العامل في تصميمه سيبقى تدريباً على عمل لا يعرفه من يصمّمه. وحين تغيب النقابة، يغيب أيضاً من يدافع عن جودة التدريب من جهة العرض، لا من جهة الطلب فقط.

ومن جهة المانحين: وهنا لا بد من الصراحة: ما أربك القطاع عبر عقود لم يكن قلة المال، بل فائضه وكثرة الأجندات. عمل كل مانح وفق أولوياته ومع شركائه الاستراتيجيين وحدهم، فتعددت البرامج والمناهج والشهادات، وكل منها ناجح في تقريره الختامي، فيما لم تتقدم المنظومة ككل. وحتى حين نجح التنسيق التقني، كما في بناء إطار وطني للرصد والتقييم بين 2015 و2017 بدعم أوروبي وألماني وبلجيكي، فإن هذا النجاح التقني يُبرز بالضبط غياب الاندماج السياسي: نستطيع أن ننسّق على الورق، لا على السلطة. وحتى المؤسسة الأوروبية اعترفت بأن توسع البرامج، وكثير منها بدعم المانحين، فاقم التشتت.

شهادة من داخل الغرفة

ما سأرويه هنا لا أنقله عن تقرير، بل أحمله شاهداً على هذا الملف، وأتحمّل مسؤوليته.

الأمم المتحدة أيضاً شريكة في هذا الضعف والتشرذم، إذ لم تنسّق مع نفسها. فالأونروا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونسكو، وغيرها، كانت كلها تدرّب وتموّل في هذا القطاع، ولم تنسّق جهودها معاً يوماً. فإن كانت وكالات المنظومة الواحدة عاجزة عن العمل المشترك، فكيف ننتظر ذلك من سلطة تعمل في ضفة مقطّعة، وغزة مفصولة تتوالى عليها الحروب، وقدس مهمّشة؟ إن غياب التنسيق ليس عذراً خارجياً نستعين به على ضعفنا، بل انعكاس لبنية الحوافز نفسها: كل وكالة تحمي ولايتها وتمويلها، كما تحمي كل وزارة صلاحيتها. لم نكن أفضل من السلطة التي ننتقدها؛ كنا مرآتها.

أكثر من عقد بلا جواب عن سؤال بسيط: في إطار أمانة تنسيق المساعدات المحلية، قادت منظمة العمل الدولية، أو شاركت في قيادة، مجموعة قطاع التدريب المهني لسنوات طويلة تجاوزت العقد. وطوال تلك السنوات عجزنا جميعاً، المنظمة والمانحون والجهات الوطنية المنفذة، عن الوصول إلى جواب عن أسئلة بسيطة: كم أُنفق على هذا القطاع؟ ومن عمل ماذا؟ وما الذي أُنجز فعلاً؟ وقطاع لا يعرف كم صُرف عليه لا يمكن أن يُحاسَب على نتائجه. وهذا الغياب ليس فراغاً إحصائياً، بل اختيار؛ فمن لا يريد أن يُحاسَب لا يبني نظاماً للمحاسبة.

حين يغلب المالُ الخبرةَ

كانت منظمة العمل الدولية تقدّم المساعدة الفنية والقانونية لبناء المنظومة، لكن أجندات المانحين وفائض الأموال كانت أقوى منها. وأذكر بوضوح أن وزارة العمل نفسها طلبت من المنظمة عام 2010 ألا تتولى القيادة في قطاع التدريب المهني، وأسندتها إلى التعاون الألماني، لأنه كان المموّل الأكبر وصاحب الالتزامات المالية الأضخم في القطاع. لم تكن منظمة العمل الدولية يوماً بقرة حلوباً للتمويل، بل كانت المؤسسة التي يعنيها توحيد القطاع وتنسيق جهوده. وحين صار المال معيار القيادة، خسر القطاع من كان يسعى إلى جمعه. وفي تلك السنوات بالذات أخفقنا إخفاقاً كبيراً في دعم مأسسة هيئة وطنية للتدريب المهني، لأن الشركاء لم يكونوا مستعدين للعمل معاً. وأقول «أخفقنا» بضمير المتكلم، لا بضمير الغائب.

من المؤسسات إلى «الدكاكين»: كانت لدينا مؤسسات تدريب مهني عريقة تقدّم جودة عالية: مراكز الأونروا، والاتحاد اللوثري العالمي، وجمعيات الشبان المسيحية، وقلة أخرى من المراكز والمعاهد والجامعات المعتمدة قدّمت، وما زالت تقدّم، تدريباً لائقاً. لكن بعد عام 2000 صار القطاع مغرياً لكثيرين، ومع اهتمام كل المانحين بالتدريب المهني، وغياب التنسيق والتكامل بينهم، انتهى التمويل إلى دعم جهات تعمل كدكاكين للتدريب المهني، تتنافس للبقاء، وتزاحم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي على حصة أينما وُجد تمويل. وهذا ليس حكماً على من يعملون في هذه المؤسسات، فكثير منهم قدّم عملاً محترماً بموارد ضئيلة، لكن المشكلة في نظام يكافئ «فتح مشروع جديد» ولا يكافئ «الدمج والإغلاق». كلّفنا ذلك ملايين الدولارات، وكلّفنا ما هو أغلى: سنوات من أعمار شبابنا.

الدرس الأكبر: التجربة موجودة، لكن أحداً لا يقرؤها

بعد ثلاثة عقود، لم يعد السؤال «ماذا نفعل؟» بل «لماذا لا نفعل ما نعرف؟». فنحن لا نبدأ من الصفر؛ لدينا سبعة وعشرون عاماً من التجربة الموثقة، بتقارير دولية ومحلية، وبشهادات من نفّذوا ومن موّلوا ومن راقبوا. ولدينا أيضاً تجارب إقليمية ودولية يمكن الاستفادة منها بلا خجل: بلدان نجحت في بناء هيئات ثلاثية حقيقية للتدريب المهني، وأخرى ربطت تمويل التدريب بمساهمة إلزامية من أصحاب العمل، وثالثة بنت أنظمة لمعلومات سوق العمل تُحدَّث سنوياً وتُستخدم في قرارات المناهج. لا حاجة لاختراع العجلة؛ الحاجة إلى الاعتراف بأن العجلة موجودة، وأن أحداً لا يريد أن يركبها.

والدرس الأهم ليس «ماذا نجح في الخارج»، بل «لماذا لم نستفد مما نجح عندنا وعند غيرنا». والجواب في كلمتين: غياب المساءلة. لا أحد في هذا القطاع خسر وظيفته أو موقعه بسبب فشل استراتيجية، ولا أحد حاسب نفسه أو غيره على وعد لم يتحقق. وحين لا تكون للإخفاق كلفة، يصبح الإخفاق الخيار الأرخص. ولهذا فإن أول إصلاح حقيقي ليس فنياً ولا مالياً، بل أخلاقي وسياسي ومهني: أن نُنشئ آليات محاسبة، وأن ننشر ما أُنفق وما أُنجز، وأن نعترف بأن الإخفاق كان خياراً اتخذناه جميعاً، لا قدراً أصابنا.

قبل أن نكتب الاستراتيجية الثالثة

إن أردنا ألا يكون تحديث 2026 نسخة ثالثة من 1999 و2010، فهذه دروس لا تحتاج إلى تمويل، بل إلى شجاعة. وكل بند منها مصمّم ليكون قابلاً للاختبار: إذا لم يحدث، فذلك دليل على أن شيئاً لم يتغير.

1. مراجعة علنية قبل أي صفحة جديدة: ماذا نُفّذ من استراتيجيتي 1999 و2010، وماذا لم يُنفّذ، ولماذا، ومن كان مسؤولاً، على أن تُنشر النتائج كاملة. وإذا قيل إن المراجعة «غير ممكنة»، فهذا الجواب نفسه هو النتيجة: قطاع لا يستطيع مراجعة ماضيه لا يستطيع التخطيط لمستقبله.

2. الحوكمة قبل البرامج: هيئة بصلاحيات وموازنة حقيقية، لا مكتب تنسيق. والسؤال العملي: هل تقبل وزارة التربية نقل صلاحية اعتماد مناهج الثانوية المهنية إلى لجنة مستقلة يملك أصحاب العمل أغلبية فيها؟ وهل تقبل وزارة العمل فصل تقييم أداء مراكز التدريب عن الوزارة؟ إذا كان الجواب «لا»، فالاستراتيجية نسخة ثالثة. ليس هذا تطرفاً، بل إخراج لـ«تسليم السلطة» من الظل إلى النور؛ أي أن تتنازل الوزارات عن جزء من سلطتها، وهنا بالضبط تعثّرنا في كل مرة.

3. ثلاثية حقيقية، لا حضور في الصور: مقاعد للنقابات وأصحاب العمل بحق القرار، لا بصفة ضيوف في حفل الإطلاق. وأول اختبار للجدية: هل يدفع أصحاب العمل جزءاً من كلفة التدريب؟ وحين يُطلب من القطاع الخاص أن يكون «محورياً»، يجب أن يُطلب منه أيضاً أن يتحمل نصيبه من الكلفة والمسؤولية.

4. إطار واحد للمانحين يبدأ بشفافية الإنفاق: لا مشروع خارج الاستراتيجية، وصندوق مشترك واحد للمهارات. وقبل ذلك، انشروا ورقة واحدة: إجمالي المساعدات لقطاع التدريب المهني منذ 1999، موزعة حسب المانح والعقد. لا حاجة لدقة إحصائية مفرطة؛ يكفي حجم تقريبي. فقطاع لا يعرف كم أُنفق عليه لا يحق له الحديث عن مساءلة.

5. قياس النتائج لا الأنشطة: نظام لمعلومات سوق العمل ودراسات تتبّع للخريجين: كم منهم عمل، وأين، وبأي أجر؛ لا عدد الورش ولا عدد المتدربين. والاختبار: هل تُنشر نتائج التتبّع سنوياً بلا تدخل سياسي؟ إن لم تُنشر، فهي ليست قياساً بل دعاية.

6. غزة شريكة في التصميم، بحق نقض لا بمقعد: إن كانت إعادة الإعمار مبرراً للتحديث، فمؤسسات غزة وخبرائها يجلسون إلى الطاولة من اليوم الأول، لا عبر الاتصال المرئي حين تسمح الظروف. والأقوى: أي منهج تدريبي يتعلق بالبناء والطاقة والمياه والصحة يجب أن يمنح خبراء غزة حق نقض على تصميمه. والسبب بسيط: هم من سينفذونه في ظروف الحصار والدمار، ولا أحد يعرف أفضل منهم أي المهارات تعمل فعلاً.

7. الذاكرة المؤسسية آلية لا دعوة: ندعو من عملوا على الملف، بمن فيهم من لم ينجحوا، ليكتبوا «لماذا أخفقنا» في وثيقة تُنشر قبل الاستراتيجية؛ فالدرس في الإخفاق أثمن منه في التقارير الختامية. وهذا لا يحتاج تمويلاً، بل شجاعة.

8. الاستفادة من التجارب بلا خجل ولا استنساخ: ندرس تجارب إقليمية ودولية في ثلاثة مجالات بعينها: الهيئات الثلاثية المستقلة، وآليات التمويل الإلزامي من أصحاب العمل، وأنظمة معلومات سوق العمل. لا نستورد النموذج، بل الدرس: ما الذي جعل تلك التجارب تعمل، وما الذي يجعلنا نرفض تطبيقه؟

خاتمة

بعد ثلاثة عقود، لا أطلب إطلاقاً جديداً، بل أطلب أول وصول. والوصول الأول لا يعني بياناً صحفياً ولا ورشة عمل، بل يعني: حين يكمل شاب من غزة دورة تدريبية في البناء، يحصل على شهادة معترف بها لدى صاحب عمل في رام الله، ويدخل سجله التدريبي نظاماً وطنياً قابلاً للاستعلام، ويجلس في اللجنة التي صمّمت الدورة مقاول من غزة. إذا لم تحقق الاستراتيجية المحدّثة هذه الصغائر الثلاث، فلن تكون إلا «إطلاقاً» ثانياً وثالثاً.

شبابنا، وفي مقدمتهم شباب غزة الذين سيعيدون بناءها بأيديهم، لا يملكون سبعة وعشرين عاماً أخرى من البدايات. وما نحتاجه ليس استراتيجية أذكى، بل قراراً واحداً: أن نتوقف عن حماية مواقعنا، وأن نبدأ بحماية مستقبل من نُدرّبهم. وكل ما عدا ذلك تفاصيل.

المصادر

•  شفا: إطلاق عملية تحديث الاستراتيجية، 2 تشرين الثاني 2026

•  ETF Torino Process Report 2012 – Palestine

•  ETF VET Governance Profile – Palestine, 2018

•  ETF: Policies for human capital development in Palestine, 2020

•  ETF: Palestine 2016 (نسبة الطلبة في التعليم المهني)

•  ETF: ضمان الجودة في التعليم والتدريب المهني – فلسطين

•  UNESCO-UNEVOC: World TVET Database – Palestine, 2012

•  صندوق تنمية المهارات – Enabel/ETF، 2022

•  World Bank: Enhancing job opportunities for skilled women, 2018

•  CARE/AWRAD: Skills gaps and development in the OPT, 2015

•  USAID Forsah TVET: Rapid Sector Prioritization, 2023

•  ماس: تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتعليم والتدريب المهني شرط لتلبية احتياجات سوق العمل (هشام كحيل)، 2015

•  ماس: نقص المهارات وفجواتها في القطاع الصناعي في الأرض الفلسطينية المحتلة، 2019

•  مقام: قرار بقانون رقم (4) لسنة 2021

•  شفا: جويلس: مصممون على الارتقاء بمنظومة التعليم والتدريب المهني والتقني، 8 حزيران 2023

•  وفا: تغطية تدريب «Entrecove» واختتامه، أيلول 2026