- 19 آيار 2026
- إقتصاد وحياة
بقلم : د. سعيد صبري *
تواجه مدينة القدس اليوم واحدة من أكثر التحديات الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً، والمتمثلة في تنامي معدلات البطالة وتراجع فرص العمل، خاصة بين فئة الشباب والخريجين والباحثين عن فرصة أولى لبناء مستقبلهم داخل المدينة. ولم تعد البطالة مجرد رقم اقتصادي يُذكر في التقارير والإحصائيات، بل تحولت إلى حالة يومية يعيشها آلاف المقدسيين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية متصاعدة، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية ومحدودية مصادر الدخل المستقرة.
وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر المقدسية، حيث بات الكثير من الشباب عاجزين عن التخطيط لمستقبلهم المهني أو الأسري، فيما تتزايد الضغوط على العائلات التي أصبحت تتحمل أعباءً اقتصادية متراكمة في ظل واقع اقتصادي شديد الحساسية. كما أن استمرار ضعف فرص التشغيل يدفع العديد من الكفاءات الشابة إلى البحث عن فرص خارج المدينة أو حتى خارج الوطن، الأمر الذي يهدد بخسارة طاقات بشرية مؤهلة يحتاجها المجتمع المقدسي في هذه المرحلة الدقيقة.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن بطالة الشباب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية تلامس في بعض الفئات حاجز 40%، فيما يعمل عدد كبير من خريجي الجامعات في وظائف لا تمت بصلة مباشرة لتخصصاتهم الأكاديمية، نتيجة الفجوة المتزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية القادرة على استيعاب الكفاءات الشابة. وفي المقابل، يشهد العالم اليوم انتقالاً متسارعاً نحو الاقتصاد الرقمي والوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والعمل عن بُعد والذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية، وهي قطاعات باتت تمثل محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل في العديد من الدول. وتشير العديد من الدراسات إلى أن نسبة واسعة من الخريجين الفلسطينيين تضطر للعمل في قطاعات الخدمات العامة، والتجارة، والمطاعم، والأعمال المؤقتة أو منخفضة المهارة، رغم سنوات الدراسة الجامعية والتأهيل الأكاديمي، وهو ما يعكس خللاً حقيقياً في مواءمة التعليم مع التحولات الاقتصادية الحديثة.
ومن هنا، فإن القدس تمتلك فرصة حقيقية لإعادة توجيه مسارها التنموي عبر الاستثمار في رأس المال البشري للشباب المقدسي، وتحديداً في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والتسويق الرقمي، والعمل الحر، والبرمجة، والابتكار، وريادة الأعمال. فالعالم لم يعد يقيس قوة الاقتصادات فقط بحجم الموارد الطبيعية أو البنية التقليدية، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة وتطوير المهارات وتصدير الخدمات الذكية العابرة للحدود.
كما أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والناشئة يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في الاقتصاد المقدسي، خاصة أن التجارب العالمية أثبتت أن هذا القطاع يُعد المحرك الأكبر لخلق فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. فكل مشروع صغير ناجح لا يوفر دخلاً لصاحبه فقط، بل يخلق فرص تشغيل إضافية، ويساهم في تنشيط الأسواق، ويعزز من قدرة المجتمع على الصمود الاقتصادي.
وفي ضوء الوضع الخاص لمدينة القدس، يمكن أن يكون للدول المانحة والمؤسسات الدولية دور محوري في دعم برامج اقتصادية وتنموية تستهدف تمكين الشباب والنساء وتحسين فرص الاندماج في سوق العمل. ويشمل ذلك دعم برامج التدريب المهني والتقني، وتمويل المشاريع الريادية، وتطوير حاضنات الأعمال، وربط التدريب باحتياجات السوق الفعلية، بما يضمن خلق فرص عمل مستدامة بدلاً من الحلول المؤقتة قصيرة الأمد.
كما أن تعزيز الشراكة بين المؤسسات المحلية والقطاع الخاص والجامعات والجهات الدولية يمكن أن يسهم في بناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الحديثة، ويحول الشباب المقدسي من حالة الانتظار والاعتماد على الفرص المحدودة إلى قوة إنتاجية قادرة على الابتكار والمنافسة وخلق القيمة الاقتصادية.
إن مواجهة البطالة في القدس لم تعد قضية تشغيلية فقط، بل أصبحت قضية صمود اقتصادي واجتماعي ووطني ترتبط بشكل مباشر بقدرة السكان على البقاء والاستقرار والحفاظ على هوية المدينة وحيويتها الاقتصادية. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء رؤية اقتصادية تنموية حقيقية تستثمر في الإنسان المقدسي، وتمنحه الأدوات والفرص ليكون شريكاً فاعلاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمات المتلاحقة.
*مستشار اقتصادي دولي وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية

