• 25 شباط 2026
  • حارات مقدسية

 

 بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

 المسجد الاقصى كمكان للعبادة والعلم  هو حديث شيق لا نهاية له فكلما تعمقت في الوثائق تجد ان هذا المسجد المقدس  كان جامعا لكل اطياف العلم والعلماء  والدارسين والعاشقين ، الجميع فيه كان يعيش في  تناسق وتفاهم  وانسجام منقطع النظير، كل يسعى بطريقته لتقرب الى الله ، فنجد المذاهب  تتحاور فيما بينها  وتدرس وتخرج العلماء الفقهاء ويتم تأليف الكتب الدينية في رحاب المسجد الاقصى ونجد الخلوات  قد انتشرت على اطراف قبة الصخرة المشرفة  من اجل التأمل والدراسة والتعلم ، بينما الطرق الصوفية قد اتخذت من المباني المحيطة بالأقصى مكان للتعبد والتقرب الى الله 

 انه مشهد غاية في الروعة ودليل على المكانة التي يتمتع بها المسجد الاقصى، هذه الصورة تثبتها الوثائق والتي نحاول من خلال هذا الزاوية في شبكة ” أخبار البلد“ المقدسية ان ننشرها  وتوعية الجمهور عامة بما كان عليه الوضع في الاقصى على امل ان تكون هذه الحكايات وتلك الحارات  نبراس امل للأجيال القادمة  ولبنة اخرى في ايمانهم بمكانة الاقصى و تاريخ القدس الضارب جذوره عمق الارض ونوره يرتفع الى اعلى السموات .في رحلة الإسراء

أصل الخلوة بفتح الخاء التي تُجمع على خلا وخلوات  وتعرف باسم أوضه وحجره وهي عبارة عن مكان يختلي  المرء فيه  أي الانفراد بالنفس  وهي مكان صغير في المباني الصوفية تكون للمتصوفة المنقطعين للعبادة 

الآيات الدالة على الخلوة قال الله تعالى: “وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا” (المزمل: 8). 

أي انقطع إليه انقطاعًا كاملًا بذكره وعبادته، بعيدًا عن شواغل الدنيا  

 وقال سبحانه: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ” (البقرة: 186)، والدعاء والخلوة من أسمى مظاهر القرب إلى الله تعالى 

جاء في لسان  العرب  (خلا المكان والشيء يخلو خلوًاً وخلاءً وأخْلى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه وهو خالٍ ويقال خلا الرجل وأخلى  وقع في موضع خالً  لا يُزاحم فيه  وخلت الدار  خلاءً إذا لم يبق فيها أحد، وهناك تعريف  آخر  للخلوة هو (محادثة  السر  مع الحق  حيث  لا ملك  ولا أحد سواه 

الخلوة عند الصوفية هي مكوث المريد بالخلوة لفترة محددة، متفرغاً للذكرو العبادة، ومجاهدة النفس في مكان معزول، بهدف تحقيق السلام الداخلي، صفاء الروح، والقرب من الله، وتعد جزءاً أساسياً في التربية الصوفية، مستلهمين ذلك من خلوة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في غار حراء والهدف منها التخلص من الرذائل وتحلية النفس بالفضائل، وتثبيت الإخلاص، ومداواة عيوب النفس والالتزام بالأوراد والأذكار وهي لقاء روحي مع الله تعالى، حيث تُهذَّب الروح وتتجدد الصلة بالخالق جل وعلا

ومن أشعار رابعة العدوية.. المناجاة معراج الروح

  «إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار».

 يعتبرها الشيخ الأكبر ابن عربي خلوة بالقلب والروح (التخلي عن الذات) وليس فقط عزل الجسد، ويقول: "ليس في هذه الدار موضع خلوة فاتخذه في نفسك"..  

وقد شاع هذا المعنى في مدينة القدس  بالعمائر الصوفية وقد درجت تلك العمائر في الزوايا وقد انتشرت تلك الخلاوي في المسجد الأقصى المبارك  وخاصة على صحن قبة الصخرة المشرفة إضافة استخدمت  بيوتا للعلماء  وغرفاً لطلبة  العلم  وتحصيلهم على إجازات علمية  بسند متصل   وتلاوة القرآن الكريم  ونجد في كل  خلوة  من تلك الخلوات  قصة وحكاية 

الخِلوة الجنبلاطيّة، زاوية داخل المسجد الأقصى يتخذها الاحتلال مخفراً ونقطة تمركزٍ ومراقبة، ويوظّفها في قمع الفلسطينيين وتكبيلهم داخل مسجدهم 

خلوة تحولت مقرا لشرطة الاحتلال بعد احتلال القدس عام 1967، حيث يتناوب على التواجد فيها أكثر من 100 شرطيّ احتلالي وتستخدم كنقطة مراقبة ورصد للمصلين والنساء إلى جانب ممارسات تعسفية بحقهم..

الموقع تقع  خلوة الامير جان بولاد (بلاط) في الجانب الشمالي  الغربي من  صحن الصخرة المشرفة  بين خلوة  قيطاس  بك وأوضة أرسلان  باشا  وتعرف بالخلوة  الجنبلاطية  وقد شرع في إنشائها  الأمير جان بولاد (بلاط) بن الأمير  قاسم الكردي القصيرى  المشهور  بابن  عربو  أمير لواء الأكراد  في حلب في شهر ذي القعدة سنة (964هـ/1556م) حين اتفق مع  كل من  المعلم  حسين بن نمر معمار باشي  القدس  والمعلم  عبيد بن نمر وهما من أجداد عائلة النمري المقدسية على بناء  خلوة تحمل  اسمه  بكلفة  ثمانِ عشر  قطعة ذهبية   وقد رمم بناءها  الأمير أحمد باشا رضوان  بإشراف المعلم  عبد المحسن  بن المعلم  محمود بن نمر  معمار باشي  القدس بكلفة خمسون قطعة ذهبية   وفي سنة  1021هـ/ 1612م) جلس يها جماعة من  الأكراد المجاورين  في القدس     

 وغالب هذه الخلوات  في الاقصى تتكون من طابقين يدخل للطابق العلوي من صحن قبة الصخرة ويدخل للطابق السفلي من ساحات المسجد الأقصى، جميعها تستخدم اليوم كمكاتب إدارية لشئون المسجد الأقصى، كالحراسات وشؤون الموظفين والإعمار والهندسة والترجمة وأنظمة الصوت، أو مخازن، وللأسف فإن بعضها (حجرة أرسلان باشا والخلوة الجنبلاطية) قد احتلتها الشرطة الإسرائيلية وتسيطر عليها وتستخدمها كمركز لها لمراقبة المصلين والتدخل في شؤونه وتنغيص حياتهم .

المصادر 

الدكتور محمد هاشم  غوشة / المسجد الأقصى المبارك 

حارات مقدسية 24/ 2022م/ / أخبار البلد / الاستاذ خليل العسلي/ بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام

المصدر: إيهاب الجلاد، معالم المسجد الأقصى تحت المجهر، مركز بيت المقدس للأدب، 2017 

 اصدارات هيئة اشراف بيت المقدس / الدكتورة مريم بنت بنيان الحربي /الخلوة عند الصوفية /