- 8 آيار 2026
- حارات مقدسية
بقلم : الباحث الشيح مازن اهرام
تُعدّ حارة الإسطنبولية إحدى الحارات التاريخية الصغيرة المتفرعة ضمن النسيج العمراني للجهة الشمالية
الغربية من البلدة القديمة في القدس، وتمتد – بحسب الخرائط العثمانية المتأخرة – من محيط دير مار ديمتري حتى منطقة حارة الملاط قرب باب الجديد. وتظهر تسميتها في بعض الخرائط بصيغة “Harat Istanbuliye”، بما يعكس حضور التسمية العثمانية المرتبطة بإسطنبول أو بجماعات وفدت من العاصمة العثمانية وأقامت في هذا القطاع من المدينة.
وقد أورد الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي وصفاً لحارة الملاط بأنها تقع “بظاهر البلدة” ملاصقة لحارة النصارى من الجهة الغربية، وذلك قبل اكتمال التحولات العمرانية التي رافقت بناء السور العثماني في القرن السادس عشر. وبعد إعادة تنظيم المدينة داخل الأسوار أصبحت المنطقة جزءاً من الامتداد الشمالي الغربي لحارة النصارى، متداخلة مع حارات الجوالدة والوعرية والجبشة، وصولاً إلى الساحات القريبة من باب الجديد.
وترتبط المنطقة أيضاً بما عُرف في المصادر الأوروبية باسم “قلعة جالود” أو “قصر جالود” (Goliath’s Castle)، وهي تسمية ارتبطت بموقع أثري أو تحصين قديم كان قائماً غربي باب الجديد، ومنه اشتُقت تسمية حارة الجوالدة المجاورة. وكانت هذه الحارات تشكل نطاقاً عمرانياً متصلاً يضم عدداً من المنشآت الدينية والزوايا الصغيرة والمساجد التاريخية، من أبرزها مسجد الست قمرة، ومسجد البد العشرة، ومسجد الملاط، إضافة إلى الخانقاه الصلاحية، وهي مؤسسات تعكس الطابع الوقفي والديني للقطاع الغربي من المدينة التاريخية.
أما دير مار ديمتري فهو دير صغير تابع لطائفة الروم الأرثوذكس، يُعرف أيضاً باسم “دير مار يوحنا القرعة”، ويقع قرب دير العذراء في الحي المسيحي. وقد شكّل وجوده مع الأديرة المجاورة مركزاً روحياً مهماً ضمن شبكة المؤسسات الكنسية في القدس العثمانية، كما أسهم في رسم الحدود الاجتماعية والعمرانية بين الحارات الإسلامية والمسيحية المتجاورة داخل المدينة القديمة.
وتكشف الخريطة المرفقة عن بقايا التسميات العثمانية للحارات والأزقة، ومنها “حارة الإسطنبولية” و“حارة الملاطية”، بما يدل على استمرار الذاكرة الطبوغرافية للقدس حتى أواخر العهد العثماني، حيث كانت الحارات تُعرّف أحياناً بأسماء الأسر أو الطوائف أو الوظائف أو الجهات الجغرافية المرتبطة بسكانها.
تظهر أهمية حارة الإسطنبولية في كونها جزءاً من الحزام العمراني الذي نشأ وتطوّر بمحاذاة الجهة الشمالية الغربية من القدس خلال العهدين المملوكي والعثماني، وهي منطقة ارتبطت تاريخياً بحركة الحجاج والتجار الوافدين من الأناضول وبلاد الروم، ولا سيما بعد انتقال مركز الخلافة العثمانية إلى إسطنبول. ويبدو أن تسمية “الإسطنبولية” لم تكن مجرد وصف جغرافي، بل دلالة على جماعة سكانية أو منشآت وقفية ذات صلة بالوافدين من العاصمة العثمانية، كما هو الحال في تسميات مقدسية مشابهة ارتبطت بالأصول الجغرافية للسكان مثل المغاربة والجوالدة والهنود.
وتشير سجلات المحكمة الشرعية في القدس خلال العصر العثماني إلى كثافة النشاط الوقفي والعقاري في المنطقة الممتدة بين باب الجديد وحارة النصارى، حيث وُجدت أسبلة وزوايا وربط وخانات صغيرة ودور سكنية مؤجرة للحجاج والتجار. وقد ارتبطت حارة الملاطية – التي تُعد جزءاً من النطاق نفسه – بأوقاف متعددة تعود إلى العصر المملوكي، ثم جرى تجديد بعضها في العصر العثماني، خصوصاً بعد بناء سور القدس سنة 945هـ/1538م في عهد السلطان سليمان القانوني.
ويُلاحظ أن المصادر المقدسية القديمة تستعمل أحياناً اسم “محلة الجبشة التحتانية” للدلالة على أجزاء من هذا القطاع العمراني، وهو ما يعكس تعدد التسميات للحارة الواحدة تبعاً للوظيفة أو الجماعة السكانية أو المرجعية الوقفية. كما ارتبطت المنطقة بخط الوعرية، وهو أحد الأزقة التاريخية التي كانت تصل بين الأسواق الداخلية والطريق المؤدي إلى باب الجديد، ما منح الحي بعداً تجارياً إلى جانب وظيفته السكنية والدينية.
أما ما يُعرف بـ “قلعة جالود” أو “قصر جالود” (Goliath’s Castle)، فقد ورد في بعض الكتابات الغربية المرتبطة بوصف القدس في القرن التاسع عشر، وربما كان المقصود بها بقايا منشأة دفاعية أو برج قديم قرب الجهة الغربية للسور، إلا أن الدراسات الأثرية الحديثة لا تؤكد وجود قلعة مستقلة بهذا الاسم، ويرجح أن التسمية الشعبية ارتبطت بآثار حجرية ضخمة أو بتحوير لفظي لاسم محلي أقدم.
ومن الناحية العمرانية، حافظت الحارة على طابع الأزقة الضيقة المتعرجة والبيوت المتلاصقة ذات الأفنية الداخلية، وهو النمط السائد في أحياء القدس القديمة. كما أن وجود الأديرة والكنائس والمساجد المتجاورة داخل نطاق محدود يعكس التداخل الاجتماعي والديني الذي امتازت به المدينة التاريخية، خصوصاً في المنطقة الواقعة بين الحي المسيحي والامتدادات الشمالية لحارة المسلمين.
مصادر ومراجع إضافية
الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مجير الدين العليمي، ج2، ص52– 54.
عارف العارف، المفصل في تاريخ القد س.
كامل العسلي، وثائق مقدسية تاريخي ة.
نمر الجعبة، القدس في العهد العثمان ي.
سليمان بشير، دراسات في طبوغرافية القدس التاريخية .
سجلات المحكمة الشرعية في القدس، دفاتر القرن العاشر والحادي عشر الهجري .
شريف كناعنة، دراسات في الحارات المقدسية والتكوين الاجتماعي للمدينة القديمة .
دليل أهم معالم القدس المحتلة .
خرائط صندوق استكشاف فلسطين (PEF Maps) أواخر القرن التاسع عشر.
خرائط الانتداب البريطاني لبلدة القدس القديمة، قسم الحارات والأوقاف .
مصدر إضافي
الموقع تمتد هذه الحارة من دير مار ديمتري حتى حارة الملاط قرب باب الجديد ويطلق عليها حارة الإسطنبولية
وقد جاء في كتاب الأنس الجليل أن حارة الملاط هي بظاهر البلدة القديمة بالقدس بلصق حارة النصارى من جهة الغرب وبعد تشييد السور العثماني أصبحت إحدى أقسام حارة النصارى شمال غربي المدينة وتقع بين حارة الجوالدة
وهي تُتنسب إلى قصر جالود أو قلعة جالود كانت قائمة غربي باب الجديد وتمتد هذه الحارة حتى ميدان عمر بن الخطاب وتضم مسجد الست قمرة ومسجد البد العشرة وخُط الوعرية وحارة الجبش
goliath>s castle
المصدر الأنس الجليل مجير الدين /ج2/ ص 52
س.ش. 335 / ص48 /صفر 1269هـ
والخانقاه الصلاحية وحارة دير الروم وتضم مسجد المِلاط ومسجد السلطان قلاوون وقد أُطلق عليه حارة المِلاطية ويطلق عليه أيضاً محلة الجبشة التحتانية
المصدر الأنس الجليل مجير الدين /ج2/ ص54
س.ش. 1/ 311 #1250 25 شوال 937هـ
دير مار ديمتري هو دير أثري صغير تابع لطائفة الروم الأرثوذكس، يقع داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس في حارة النصارى بالقرب من دير العذراء، ويعرف أيضاً باسم "دير مار يوحنا القرعة
الموقع: يقع في الحي المسيحي (حارة النصارى) بالبلدة القديمة، وتحديداً بالقرب من دير العذراء ودير البنات.
التبعية: يعد من منشآت طائفة الروم الأرثوذكس.
التسمية: يُعرف أيضاً باسم "دير مار يوحنا القرعة
المصدر دليل أهم معالم القدس المحتلة

