• 11 آيار 2026
  • حارات مقدسية

 

 

بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

تمثّل السردية المقدسية منظومةً مركّبة من الذاكرة والتاريخ والرمزية الروحية، تتداخل فيها أبعاد المكان بالزمان، بحيث تغدو القدس أكثر من مجرّد حيّز جغرافي؛ فهي “مكان–زمان” تتشابك فيه القداسة مع الحياة اليومية، ويتداخل الواقعي بالمتخيَّل، والتاريخي بالوجداني. ومنذ تشكّل المدينة في الوعي الديني والإنساني، ظلّت القدس نقطة التقاء بين الأرض والسماء، ومسرحًا لتراكم السرديات الدينية والسياسية والاجتماعية التي حاولت كلّ جماعة من خلالها تثبيت رؤيتها الخاصة للمكان والهوية والتاريخ. وفي هذا السياق، لا تُفهم المدينة بوصفها عمرانًا حجريًا فحسب، بل بوصفها ذاكرةً حيّةً تُعاد كتابتها باستمرار عبر التجربة الفردية والجماعية، وعبر جدلية الحضور والغياب، والانقسام والوحدة، والفقد والتشبّث بالمكان 

وتبرز في السردية المقدسية الحديثة جدلية القدس الشرقية والغربية بوصفها إحدى أكثر القضايا حضورًا في الوعي الفلسطيني؛ إذ إنّ تقسيم المدينة بعد نكبة سنة 1948م لم يُفضِ إلى انقسامها في الوجدان الجمعي، بل بقيت القدس، رغم الجدران والحواجز والأسلاك، مدينةً موحّدة في الذاكرة والانتماء. وهكذا أصبح المكان المغلق سياسيًا يقابله فضاء مفتوح في الذاكرة العاطفية والثقافية، حيث يستمرّ الفلسطيني في استحضار المدينة بوصفها وحدةً روحية وتاريخية تتجاوز الحدود المفروضة. ومن هنا نشأت سردية مقاومة للتجزئة، ترى في القدس كيانًا واحدًا متكاملًا، حتى وإن تعرّضت أحياؤها للتقطيع العمراني والسياسي 

كما تتجلّى في المدينة المقدسة حالةٌ من التنازع السردي بين الروايات الفلسطينية والصهيونية والدينية المختلفة، حيث يسعى كلّ طرف إلى فرض تأويله الخاص للمكان والتاريخ والرموز. فالقدس ليست مدينةً محايدة في الكتابة التاريخية، بل فضاءً تتصارع فيه الذاكرات والهويات والشرعيات. وفي خضمّ هذا التنازع، تبقى الذاكرة الفلسطينية محاولةً لاستعادة ما جرى تغييبه أو تشويهه من تاريخ المدينة، خصوصًا خلال حقبة النكبة وشطر القدس، وهي مرحلة ما تزال آثارها حيّة في ذاكرة الجيل الذي عايشها. فقلّة قليلة من أبناء ذلك الجيل ما زالت تحمل عبء الذاكرة الثقيلة، ذاكرةٍ لا تكتفي باستحضار الفقد، بل تستعيد كذلك أسباب السقوط وتبعاته النفسية والاجتماعية والثقافية، حيث تحوّلت التجربة في كثير من الأحيان إلى جرحٍ مفتوح لا يهدأ في الضمير الفردي والجمعي

وفي هذا الإطار، تكتسب التفاصيل اليومية الصغيرة قيمةً رمزية في السردية المقدسية، إذ تتحوّل مشاهد الحياة العابرة إلى شواهد على التاريخ الاجتماعي للمدينة. 

ومن هذه الصور ما يُروى عن “بيت الشوربة” أو “دار الطعام” في منطقة ماميلا خارج باب الخليل أواخر العهد العثماني، قبل الحرب العالمية الأولى. ففي ليالي الشتاء الباردة، كان الفقراء وعابرو السبيل يقصدون تلك الدور الخيرية طلبًا لوعاء من الحساء الساخن وكسرة خبز تمنحهم شيئًا من الدفء والكرامة الإنسانية. وتروي الذاكرة الشعبية المقدسية صورة الحاج خليل، بلباسه العثماني التقليدي المعروف بـ“الساكّو”، وهو معطف طويل سميك كان يُلبس فوق القمباز اتقاءً لبرد القدس القارس، واقفًا قرب الرصيف في ماميلا تحت المطر، قبل أن يسمع من يدعوه إلى داخل المبنى حيث يُقدَّم الحساء الساخن للفقراء والمحتاجين. وتكشف هذه الصورة عن البعد الإنساني والاجتماعي للمدينة، حيث ارتبطت المؤسسات الوقفية العثمانية بوظيفة الرعاية والإغاثة إلى جانب وظائفها الدينية.

وتشير الشواهد التاريخية إلى أنّ ما عُرف شعبيًا باسم “بيت الشوربة في ماميلا” يرتبط – على الأرجح – بنمط التكايا والمطابخ الوقفية العثمانية المخصّصة لإطعام الفقراء وعابري السبيل. وقد انتشرت هذه المؤسسات في القدس العثمانية بوصفها جزءًا من منظومة الوقف الإسلامي، التي جمعت بين الوظيفة الاجتماعية والرمزية الدينية. غير أنّ المصادر المتوفرة لا تقدّم دليلًا قاطعًا على وجود مؤسسة مستقلة تحمل هذا الاسم رسميًا داخل حي ماميلا قبل سنة 1910م، بل يبدو أنّ التسمية كانت وصفًا شعبيًا وظيفيًا لمطبخ خيري أو دار إطعام مرتبطة بإحدى التكايا أو الأوقاف الإسلامية، لا اسمًا قانونيًا ثابتًا في سجلات الوقف العثماني.

وقد شهدت القدس العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر توسعًا عمرانيًا ملحوظًا خارج الأسوار، خاصة في المناطق المحاذية لطريق يافا وباب الخليل، ومنها حي ماميلا الذي تحوّل تدريجيًا إلى فضاء تجاري وسكني يضم الخانات والمحلات والمرافق الاجتماعية. وفي ظلّ هذا التوسع، امتدّ نشاط المطابخ الوقفية ودور الإطعام من داخل البلدة القديمة إلى الأحياء الغربية المتاخمة لها، الأمر الذي يجعل وجود “دار طعام” أو مطبخ خيري في ماميلا أمرًا منسجمًا مع طبيعة التطور العمراني والاجتماعي للمدينة آنذاك. كما ارتبطت المنطقة تاريخيًا بالأوقاف والزوايا الصوفية ومرافق الحجاج والفقراء، وهو ما يفسّر استمرار الذاكرة الشعبية في ربط المكان بمؤسسات الإطعام الخيري.

وتُعدّ “تكية خاصكي سلطان” النموذج الأبرز لهذه المؤسسات الوقفية في القدس العثمانية؛ فقد أنشأتها السلطانة هُرَّم (خاصكي سلطان) سنة 1552م، وضمّت مطبخًا عامًا وأفرانًا وخانًا للزوّار ومستودعات للحبوب، واعتمدت على شبكة واسعة من الأوقاف الزراعية والعقارية في القدس ونابلس وغزة وطرابلس. واستمرّت التكية تؤدي دورها في إطعام الفقراء والزائرين طوال العهد العثماني، حتى أصبحت في الوعي الشعبي المقدسي نموذجًا مركزيًا لفكرة “بيت الشوربة” أو “دار الطعام”. ومن المرجّح أن تكون التسمية الشعبية قد انتقلت لاحقًا إلى مطابخ خيرية أخرى خارج الأسوار، ومنها منطقة ماميلا، خاصة مع توسّع العمران بعد ستينيات القرن التاسع عشر. 

ومن الناحية البحثية، فإنّ التحقّق من الاسم الوقفي الحقيقي للمؤسسة أو تحديد موقعها بدقّة يتطلّب العودة إلى دفاتر أوقاف القدس العثمانية المحفوظة في الأرشيف العثماني بإسطنبول، فضلًا عن مطابقة سجلات الطابو والخرائط الألمانية والبريطانية المتأخرة التي تُظهر المباني الوقفية والتكايا غرب البلدة القديمة. كما أنّ دراسة الذاكرة الشفوية المقدسية تمثّل مصدرًا مهمًا لفهم التحولات الاجتماعية والعمرانية في منطقة ماميلا، لا سيما أنّ كثيرًا من التفاصيل المرتبطة بالحياة اليومية للفقراء والأسواق والخانات لم تُوثَّق رسميًا، بل بقيت محفوظة في الرواية الشعبية المتناقلة بين الأجيال. 

وهكذا، فإنّ “بيت الشوربة” في ماميلا، سواء أكان مؤسسة وقفية محدّدة أم تسمية شعبية لمطبخ خيري عثماني، يظلّ جزءًا من السردية الاجتماعية للقدس؛ تلك السردية التي تحفظ تفاصيل الناس البسطاء، وتربط الذاكرة بالمكان، وتجعل من أحياء المدينة وأزقّتها ومرافقها الخيرية شواهد حيّة على تاريخ القدس الإنساني والاجتماعي، في مواجهة محاولات الطمس والتغييب وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية.

الهوامش:

  1. كمال الصليبي، تاريخ القدس، بيروت: دار النهار، 1991، ص 17–21. 
  2. رشيد الخالدي، الهوية الفلسطينية وبناء الذاكرة الوطنية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1997، ص 88–95. 
  3. إلياس صنبر، فلسطين الذاكرة والجغرافيا، باريس: سندباد، 2004، ص 44–49. 
  4. عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، القدس، 1961، ج2، ص 311–315. 
  5. Amy Singer, Constructing Ottoman Beneficence: An Imperial Soup Kitchen in Jerusalem, Albany: SUNY Press, 2002, pp. 35–47. 
  6. سليم تماري، القدس العثمانية والتحولات الاجتماعية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2009، ص 112–118. 
  7. Amy Singer, Constructing Ottoman Beneficence, pp. 88–102. 
  8. محمود يزبك، القدس في أواخر العهد العثماني، حيفا: جامعة حيفا، 2001، ص 201–207.  9.أرشيف  صحيفة جريدة القدس العثمانية   (1913- 1908) 

 10 .أرشيف  الصحف الفلسطينية  المبكرة  سنوات (1908-1914م)

 11. دار الطعام  في القدس  الغربية  بيت الشوربة  /شارع ما ميلا 

 12. اصدارات هيئة أشراف بيت المقدس  بالقدس