• 11 تشرين الثاني 2014
  • أقلام مقدسية

بقلم: حسين الرواشدة

 باستثناء صوت الأردنيين الذين سمعناه على مدى الاسابيع الماضية يتحرك – رسميا وشعبيا – لادانة الاعتداءات الاسرائيلية ضد اهلنا ومقدساتنا في القدس، التزمت العواصم العربية بالصمت، حتى انني حاولت ان ابحث عن بيان –مجرد بيان – او تصريح للجامعة العربية او لاي مسؤول عربي ، فلم اجد، وهو موقف مخجل بلا شك، ليس لانه يعكس  فقط حالة «الهوان « التي وصل اليها عالمنا العربي ، وانما لانه يشهر ايضا على الملأ «الطلاق» الذي كان صامتا بين العرب والمسلمين وبين قضيتهم الاولى(فلسطين )، كما انه بمثابة رد على صرخات ونداءات الفلسطينيين المحاصرين : ان اذهبوا وقاتلوا وحدكم إنّا ها هنا قاعدون ..وعن محنتكم مشغولون.
من المفارقات ان هذا الصمت العربي تزامن مع ثلاثة مستجدات، الاول : التصعيد العدواني الذي تمارسه اسرائيل ضد الاقصى الشريف وسكان القدس من العرب، حيث جرى ولاول مرة منذ عقود اغلاق المسجد الاقصى امام المصلين، كما ان الكنيست الاسرائيلي ناقش مشروعا لتقسيم الاقصى مكانيا وزمانيا، واقامة مشروعات استيطانية داخل الحرم الابراهيمي والقدس الشرقية، ناهيك عن الاجراءات الاخرى التي تستهدف السيطرة تماما على مدينة القدس، والتشريعات التي صدرت لمعاقبة الفلسطينيين المحتجين على ممارسات الاحتلال.
أما المستجد الثاني فهو التصعيد الذي قام به الفلسطينيون للرد على هذه الانتهاكات، وقد توجته محاولات « دعس، بعض الضباط الاسرائيليين او الانقضاض عليهم بما تيسر من ادوات حديدية (ما قام به الشهيد العكاري مثلا) ، اضافة الى انتفاضة المقدسيين وعرب 48 التي بدأت تتصاعد رغم محاولات القمع الاسرائيلي وضغوطات السلطة الفلسطينية.
ثالث المستجدات جاء من اوروبا، حيث اعترفت السويد بالدولة الفلسطينية ، وتبعها البرلمان البريطاني، كما سبق لاتحادات ونقابات عمالية وجامعات اوروبية ان اعلنت مقاطعتها لاسرائيل ، زد على ذلك ما عبرت عنه دول امريكا اللاتينية من مواقف مشرفة اثناء العدوان الاسرائلي ضد غزة، وهي في المجمل مواقف تعبر عن حالة جديدة من التعاطف مع الفلسطينيين، كما انها تعكس تراجعا في تأييد اسرائيل لدى الراي العام الغربي ، بسبب انتهاكاتها البشعة لحقوق الفلسطينيين، وهي مواقف مرشحة للاستمرار والتصاعد لدرجة انها ازعجت تل ابيب ودفعت بعض المسؤولين فيها الى تحذير الحكومة من عدم اخذ هذا التغيير على محمل الجد.
  وسط هذه المستجدات، جاءت رسالة الصمت العربي ، وهي وان كانت مفهومة في سياق الانشغال والانكفاء ، الا انها خطيرة وغير مقبولة مهما كانت المبررات، فهذه المرة الاولى التي تغلق فيها العواصم العربية ابوابها  امام الغضب الفلسطيني، وهي المرة الاولى ايضا التي تجرؤ فيها اسرائيل على انتهاك المسجد الاقصى بهذه الصورة وهي مطمئنة الى ردود العواصم العربية(صمتها :ادق) ، وتلك بالطبع مفارقة اخرى، لا سيما وان اتجاه التحالفات العربية في السنوات الماضية اخذت منحى قريبا الى اسرائيل بعد ان تغيرت معادلات الاعداء والاصدقاء واختلطت اوراق الثورات والانقلابات والاولويات ايضا.
  الآن لا بد للفلسطينيين الذين ما زالو يصرون على ثنائياتهم وصراعاتهم القاتلة ان يتحرروا من حسابات اللحظة وان يدركوا انهم اصبحوا وحدهم في الميدان ، فقد اصبحت القضية الفلسطينية –شئنا أم أبينا –قضية الشعب الفلسطيني وحده في هذه المرحلة، وعلى القيادات الفلسطينية ان تدرك ذلك  وتدعم خيارات المقاومة لدى الفلسطينيين ، حتى يأذن الله بالفرج لهذه الامة.
  ويبقى أن عمان التي تقف الان وحدها الى جانب الاشقاء الفلسطينيين على اعتبار انها مسؤولة تاريخيا وسياسيا واخلاقيا عن الاقصى والمقدسات ، تحاول ان تدفع نحو لجم هذا الصلف الصهيوني ، لكنها تدرك ان مهمتها صعبة، وانه ما لم تجد  من العواصم العربية والاسلامية وقبل ذلك من الفلسطينيين  انفسهم ، سندا قويا ، فان مخططات تل ابيب ستأخذ طريقها الى التنفيذ ، مما يتطلب ان تتحرك دبلوماسيتنا باتجاه  أسرع وأوسع ، عربيا ودوليا ، لايجاد مظلة دفاع حقيقية ومؤثرة ..وهو حلم نتمنى أن يتحقق

*عن الدستور