• 16 كانون الثاني 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : د. نائلة الوعري* 

لم تكن النكبة الفلسطينية عام 1948 سوى البداية لجريمة واحدة مستمرة، تجاوزت سرقة الأرض إلى نهب الذاكرة والتراث، واستهدفت الإنسان الفلسطيني في بيته، وأرشيفه، وتاريخه، وروايته.
فمنذ اللحظات الأولى للاحتلال، لم يقتصر المشروع القائم على السيطرة على الجغرافيا، بل اتجه إلى الاستيلاء على كل ما يثبت الوجود الفلسطيني المادي والثقافي، ضمن سياسة مؤسسية مخططة لا يمكن فصلها عن جوهر المشروع الاستعماري ذاته. وإلى جانب مصادرة الأراضي، شهدت المدن الفلسطينية الكبرى التي احتُلّت عام 1948 سياسة ممنهجة تمثّلت في الاستيلاء الكامل على بيوت الفلسطينيين، حيث طُرد السكان قسرًا من منازلهم، وصودرت ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة، ثم أُحِلّ مكانهم مهجّرون يهود من أنحاء العالم. ولم تكن هذه البيوت، التي تعود ملكيتها لأصحابها الفلسطينيين، مجرد مساكن، بل فضاءات للذاكرة العائلية والثقافية، بما احتوته من مكتبات خاصة، ووثائق، وتحف، وأثاث تراثي، جرى التعامل معها باعتبارها غنائم، لا ممتلكات لأصحاب شرعيين.

وبدأت عمليات النهب والسرقة على نطاق واسع، فشملت مكتبات خاصة لعائلات فلسطينية مقدسية ويافية وحيفاوية عريقة، وسائر مدن الساحل الفلسطيني، ولم تقتصر على الكتب والمخطوطات، بل طالت الوثائق العائلية والوقفية، وسجلات الأراضي، وعملات عثمانية نادرة، ومخطوطات قرآنية، ونُسخًا فريدة من كتب الشريعة والأدب والتاريخ، إضافة إلى تحف فنية وأيقونات دينية ولوحات لفنانين فلسطينيين وعرب كبار. ولم تسلم عناصر التراث الشعبي من هذا المسار، إذ جرى لاحقًا الاستيلاء عليها وإعادة تسويقها باعتبارها جزءًا من ثقافة محلية مصطنعة، في سياق واضح من السطو الثقافي وتزوير الأصل، بما يخدم إنتاج سردية بديلة تُقصي الوجود الفلسطيني وتُنكر جذوره.

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه المقتنيات من بيوت أصحابها إلى مؤسسات رسمية صهيونية متخصصة، حيث عُرضت لاحقًا بوصفها تراثًا وطنيًا، في عملية إعادة تعريف قسري للملكية والهوية. جرى فيها تجاهل الأصل الفلسطيني لهذه المواد ودمجها ضمن رواية ثقافية مصطنعة، تخدم المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى محو الشاهد المادي على التاريخ الفلسطيني، لا عبر إنكار الوقائع فحسب، تغيير الروايه وتجيرها .

إن طرح هذا الملف اليوم يعد استحقاقًا معرفيًا وتاريخيًا تفرضه طبيعة الجريمة نفسها. فالجريمة مستمرة ما دامت المقتنيات المنهوبة محفوظة ومُعاد توظيفها ضمن رواية تُنكر أصلها، وما دام الأرشيف الفلسطيني خاضعًا لسيطرة الجهة التي استولت عليه، وما دام الفلسطيني يُمنع من الوصول الحرّ إلى مصادر تاريخه وذاكرته الجماعية.

ومن موقع الباحثين الفلسطينيين، لا تُكتب هذه المسألة من مسافة نظرية، بل من تجربة يومية شاقة في الحقول البحثية. فالصعوبة لا تكمن في غياب المنهج أو الإرادة، بل في غياب الوصول، وفي تحكّم منظومات تصنيف وفهرسة لا تعترف بأصل الوثيقة الفلسطينية ولا بسياقها التاريخي. ويُضاف إلى ذلك أن وجود مراكز بحث داخل الوطن، على أهميته المبدئية، لم ينجح دائمًا في مساعدة الباحثين أو الطلبة على الوصول إلى الأرشيف الفلسطيني، فبقيت الجهود فردية ومتفرّقة، وغير قادرة على تعويض غياب الإطار المؤسسي الوطني الجامع.

ورغم أن الوصول الشكلي إلى بعض المواد قد يكون ممكنًا عبر مكتبات أو مراكز بحث، إلا أن محركات البحث ونُظم التصنيف تندرج ضمن ما يُسمّى أرشيف دولة إسرائيل والمكتبة الوطنية الإسرائيلية، ما يعني أن الوثيقة الفلسطينية لا تُقدَّم بوصفها جزءًا من تاريخ شعب صودرت ذاكرته، بل يُعاد إدراجها ضمن أرشيف الدولة التي استولت عليها، في ممارسة لا تنفصل عن معركة الرواية والسيطرة على التاريخ.

ولا يمكن فصل نهب الأرشيف والمقتنيات الثقافية عن السياق الاستعماري الأوسع الذي رافق المشروع الصهيوني منذ بداياته، إذ لم يكن الهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل إنتاج رواية تاريخية بديلة تُقصي الوجود الفلسطيني وتُعيد تعريف المكان وسكّانه. فقد شكّلت مصادرة الوثائق والمخطوطات، وإعادة تصنيفها ضمن مؤسسات الدولة القائمة على الاحتلال، أداة مركزية في إعادة صياغة التاريخ، لا عبر إنكار الوقائع فقط، بل عبر احتكار مصادرها والتحكّم في مسارات قراءتها. وفي هذا السياق، تحوّل الأرشيف من وعاء للذاكرة إلى أداة سلطة، تُستخدم لإضفاء الشرعية على واقع استعماري قائم، وتكريس سردية تُقدَّم للعالم بوصفها “تاريخًا رسميًا”. لدوله محتلة صادرت كل ما هو متعلق بالارض وبالتاريخ والتراث عدى عن جرائم القتل والتهجير والمصادرة .

وعليه، فإن المطالبة باستعادة الأرشيف والمقتنيات الثقافية الفلسطينية ليست مطلبًا ثقافيًا هامشيًا، بل حقًا قانونيًا وتاريخيًا وأخلاقيًا، وجزءًا لا يتجزأ من معركة الدفاع عن الهوية والرواية والوجود. فحرمان الباحث الفلسطيني من أرشيفه ليس خللًا أكاديميًا عابرًا، بل امتداد مباشر لجريمة مستمرة تسعى إلى إبقاء التاريخ الفلسطيني بلا أدواته الأصلية. فالذاكرة الفلسطينية لم تُفقد، بل سُرقت، وما سُرق يمكن، ويجب، أن يُستعاد.

*باحثة في تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر