• 26 كانون الثاني 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : تحسين يقين

 

•⁠  ⁠التاريخ؟

•⁠  ⁠الماضي والحاضر والمستقبل!

لم يكن الإنسان مسالما إلا استثناء، ولعل الميثولوجيا والتاريخ، وما شهدنا من عمرنا وما زلنا نشهد، لدليل على ما نعتقد. لكنّ للعقل مكانا والقلب كذلك في كلّ صراع دمويّ لم يحسم بزمن من خلال القوة. أي أن الأصل كان هو اللجوء للقوة، لا للأساليب السلمية اللاعنفية.

في القرن الأخير، ومنذ الحرب العالمية الأولى، مرورا بالحرب العالمية الثانية وصولا الى مفاصل تاريخية معينة، كانت القوة هي، وهي فقط، من حسمت التاريخ والجغرافيا.

ولم تكن الحرب العالمية الأولى بداية صراعات العالم، بل أنه، وللأسف، فإن معظم تاريخ البشر، استند الى الحروب والصراعات، أدى دوما الى تحولات أجبرت الشعوب للتأثر بها لا اختيارها. 

بريطانيا وفرنسا، روسيا والصين، واليابان، الولايات المتحدة..، تماما كحال الإمبراطوريات القديمة، في الحروب وفي التحالفات التي جاءت في سياقها.  وحينما كانت تتحقق توازنات ما بعد الحرب، كان يصار إلى التقاء بهدف الحفاظ على الأوضاع التي كانت تسود بعد الحروب، هكذا كانت عصبة الأمم مثلا التي آلت الى هيئة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، والتي لم يكن هدفها تعاون الأمم بقدر ما كانت تفاهمات الدول الكبرى والمنتصرة.

بدأت محاولات التعاون الأوروبي منذ العشرينات، ولم تر النور إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن كابدت أوروبا معاناة طويلة، فكانت حقبة الخمسينيات بداية فعلية لتحقيق التعاون، والذي بدأ فعليا بعد 6 سنوات على انتهاء الحرب. ولعلّ هذا التعاون كان بناء على قناعة بأن التعاون يحقق مصالح الجميع، خاصة في مجال الطاقة الذي بدئ به، وصولا الى تبلور الاتحاد عام 1993. وربما كان هذا التعاون استثناء ضمن سياق التاريخ العالمي القائم على الصراع والتنافس.

في ذلك السياق، وكون الولايات المتحدة انضمت متأخرة للحرب العالمية الثانية ولكنه التأخر الذي حسم النتيجة، فقد كان من الطبيعي أن تقطف الثمار، ولم يكن مشروع مارشال (برنامج الإنعاش الأوروبي) الذي انطلق عام 1948 لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية إلا وسيلة تحكم في أكبر كتلة سياسية عالمية هي أوروبا الغربية. ولم تدر أوروبا كم ستندم بعد ذلك من زمن، حين جعلت دول عظمى عريقة تابعة للولايات المتحدة، تخشاها و تحسب لها الحساب، وما الحديث عن ضم جزيرة جرينلاند إلا تجليات "تحميل أوروبي جميلة الإعمار". وهكذا تفعل مع كندا.

•⁠  ⁠ونحن؟

•⁠  ⁠"عند اختلاف الدول ظب راسك"!

لا يعني المثل الشعبي الحكيم الاستسلام، ولكنه يعني في جوهره أمرا عظيما يخصّ البقاء، والاحتياط من المكر؛ حيث إن فلسطين التاريخية كلها محط كيد، وليس فقط قطاع غزة، ولن نفاجأ بأفعال قد لا يتم الإعلان عنها، بقد ما يتم التأسيس لها، بحيث يتم تحويل قضية فلسطين عام 1967 أي الضفة الغربية وقطاع غزة، من قضية شعب لها هوية قومية وحقوق سياسية، الى تجمعات سكانية.

في الجوهر، لم يتغير الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، كما لم تتغير سياسة الاستيطان؛ كذلك ما جعلته أمرا واقعا بالنسبة لفلسطين عام 1948، وعليه، فإن الحديث عن تقوية بقاء شعبنا في فلسطين التاريخية، هو الفعل الاستراتيجي الذي يتجاوز الكيانية الهشة المستندة لفكرة كانتونات بسقف متدن كثيرا عن سقف الحكم الذاتي.

ماذا فعل آباؤنا وأجدادنا؟

استمروا، خاصة من ظلوا هنا، أو من لجأوا من فلسطين 48 إلى فلسطين 67. كذلك، استمر فلسطينيو عام 1948 بعبقرية الوجود المعجز، ما جعل شعبنا هو الشوكة في حلق المستعمر لا الكيانات التي كانت أكثرها هزيلة، لم تستطع الدفاع عن نفسها ومواردها وبالطبع كرامتها.

عند اختلاف الدول الكبرى، وتأسيس هيئات جديدة، منطلق من دماء غزة، لتعزيز تحكم دولة واحدة في معظم البلاد، فليس أمامنا إلاّ الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والثقافة، أي تحقيق الأمن الغذائي والفكري الخاص بنا كشعب له خصوصية ثقافية.

وهنا، لن يكون التضامن الفلسطيني خيارا، بل واجبا، بغض النظر عن اختلافاتنا، فلا خلاصا فرديا سيتحقق خارج خلاصنا الجمعي، وهنا لعل الذين يقومون بحراكات نقابية التريّث قليلا، لئلا يتم تمرير مخططات شبه جاهزة، يقوم بفعلها من يقدّم نفسه مخلصا، وكم من مخلّص دجال مرّ علينا في قضيتنا منذ قرن.

الآن ينبغي الحفاظ على الوجود السياسي، حتى في مستوى لسنا راضين عنه تماما، خاصة في ظل ضمان وجودنا على أرضنا في غزة التي أريد لها أن "يبتلعها البحر" رمزيا، أي التهجير، وهو ما أفشله شعبنا هناك، كذلك في ظل وجود شعبنا في الضفة التي تتعرض لهجمة استيطانية محمومة محمية من المستوى العسكري الاحتلالي.

لتختلف الدول مع بعضها بعضا، بل هي في الأصل تواصل هذا الاختلاف في مستويات تصل الى الضرب تحت الحزام عسكريا وسياسيا واقتصاديا، ولكن نحن لنا ما نفعله، فلسنا كيانا هشا، بل نحن شعب على أرضه، فلسنا ضيوفا هنا ولم نسط على أحد.

نحن سنبقى لا بالثقل العسكري، بل بالشجر والكتب، هكذا كنا ولم يقدر الاحتلال على انتزاع الشجر ولا المعرفة؛ ففي كل يوم نزرع ونكتب ونغني. وهكذا يرانا العالم، بشعوبه وحكوماته حتى تلك المتحالفة مع الاحتلال، أما ما كان ضمان وجوده السلاح، فاستقصاء التاريخ يعلمنا أنه يمكن له حسم الأمر فترة من الزمن لا الزمن كله، وإنها صيرورة التاريخ وسيرورته التي يحاول الاحتلال تأجيلها لا إلغاءها.

يقف الفلسطيني اليوم على جبل وتلّ وسهل وبرّ وبحر، وينظر الى السماء، فكانت السماء، وينظر الى الأرض فيجد أن السماوات ما كانت لتكون لولاها. لذلك فكل قطعة أرض تطل على السماء هي وطن