• 9 آذار 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : المحامي حسن عبادي

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛ 

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

عدت من حفل إشعار كتابي "احتمالات بيضاء" في معرض الكتاب الدولي بعمان لأواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، وبعدها بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛  

حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

عقّبت الأديبة زهرة محمد من الشتات: " يا قلبي عليها... الله يكون معها ومع كل أسرانا، ويفرجها عليهم على عجل، يا قادر يا كريم .... شكراً لك من القلب أستاذ... وأنت الأمين، والشاهد الصادق على معاناة أسرانا الفرسان... وما بدلت تبديلا".

 وعقّب المحامي عبد القادر أبو فنة: "الحرية لكل الأسرى والأسيرات. ولك كل الاحترام والتقدير لزيارتهم ونشر قصصهم الشخصية، معاناتهم والمعاملة القاسية من قبل سلطات الاحتلال".

 وعقبت إيناس العجوري: "لا حول ولا قوة الا بالله. الله يفك كربك ويعلي مقامك وتنزلي بسلمه يعطيك صحة أستاذي الفاضل يا ريت كل المحامين بعاطفتك وإنسانيتك أنا وولادي تلاته أسرى للأسف محامين الحرب من أسوأ ما يكون حسبيا الله ونعم الوكيل فوضنا أمرنا لله".

وعقّبت الأسيرة المحرّرة سهام أبو عياش: "فرح يا حبيبتي فرح يا خالة ليل نهار بدعيلك فرح ربنا يفرجها. أستاذ حسن حاول ما تغيب ولا يوم عن الدامون الأسيرات بيكونوا يستنوا فيك ربنا يعطيك الصحة والعافية وطولة العمر".

 وعقّب الصديق الشاعر صلاح أبو لاوي: "أنت تفي بوعودك وتفعل ما لم يفعله أحد قبلك من أجل الأسرى. الحرية لأسيراتنا وأسرانا".

وعقّب الصديق المقدسيّ محمد شاهين: "كل الاحترام والتقدير لكم استاذ حسن على ما تبذلونه من مجهود وعلى وقتكم الذي تكرسونه في خدمة قضية الأسرى والأسيرات، فأنتم نافذتهم إلى الحرية، وإذ تبعثون فيهم الأمل بأن الليل لا بد زائل وبأن فجر الحرية آت لا محالة. كنتم وما زلتم من النقاط المضيئة لهم في عتمة السجن والزنزانة وزمن التيه والنسيان لفرسان وفارسات حريتنا. دمتم بكل ود استاذنا الكريم".

"المسكوبية، فيلم رعب"

زرت صباح الأحد 16 تشرين الثاني 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، وصلت غرفة المحامين فاستقبلتني الأسيرة فرح أحمد أبو عياش (مواليد 14.09.2000، من بيت أمر/ الخليل، رهن الاعتقال منذ 05.08.2025) وقبل التحيّة بادرت قائلة: "السوهريّة (السجّانين) قالوا إنّا كلّنا مروّحات. في منّه هالحكي؟!؟!"

أوصلتها بداية سلامات أختها صابرين والعائلة وأنّ أحمد خطب، ولين وصاحباتها، وخالتها سهام.

فرح بغرفة 4؛ برفقة ميسون مشارقة (خلّي زوجي يجيب زينه ويحيى ع المحكمة، ويحيى يفوت لأني مشتاقة أشوفه)، سامية جواعدة، إباء الأغبر، لين مسك، فاطمة جسراوي ونادين الدغامين (7 صبايا بالغرفة، 6 أبراش وأسيرة بتنام ع الأرض).

درست فرح إعلام بجامعة الخليل، تشتغل في وكالة تسنيم الدولية للأنباء.

 مرّيت بشغلات كثير بِشعة؛ (الاعتقال ع الطناش بنص الليل، جنود كثار ومجنّدتين، كثير جيبات وبوز النمر، ما توقّعت أنّي المستهدفة لمّا فاتوا ع الحارة، أخذوني لكرمي تسور، ربطوني على كرسي برّا، حدّ ماسورة بتنقّط ميّة وسخة عليّ، المجنّدات شدّوا البلاستيك الأبيض على إيدي لدرجة أنّ الشريان نفخ، وبوجّع كثير، إجى ضابط مع كمّاشة ودخّلها بإيدي وقطع البلاستيك. خلّوني بنفس المكان لثاني يوم ع التسعة الصبح، وكانت كلاب تنهش بالبنطلون.

أخذوني بعدها لعتصيون، غرفة مع علب كهرباء، وبعدها ع الاستجواب. حاولوا كل الوقت تحييد كوني صحافية. أجبروني أعطيهم باسوورد التليفون. ما عندي شي أخبّيه. شغلي بشفافيّة مطلقة. تقاريري اجتماعية بغالبيّتها.

أخذوني ع المسكوبية، فيلم رعب، دخّلوني دفش، أخذوا منّي الشال، كلبشات بالإيدين والرجلين ومدمّجة، وفوقها جنزير ثقيل على كتافي. النحشون ضربوني. مسكتني مجنّدة من شعري وخبطت راسي الحيط، "بوسي علم إسرائيل" ورفضت. بدأت تضربني وتخبّط بيّ بإجريها. كنت مريضة وبعد 3 أيام أخذوني. السوهيرت (السجّانة) مسكتني من راسي وضربتني كف. قدّمت شكوى ضدها. أخذوني للرملة، غرفة مهجورة وطفوا الضو، صرّخت. أخذوني ع زنزانة تحت الأرض، كلّها صراصير وحشرات وبقّ، بتخوّف، وفئران، وسخة جداً جداً، مسبّات كل الوقت وتهديدات. عيّطت كل الليل. كلّ جسمي ووجهي صراصير. علاماتها لليوم (بكاء ونحاب مرير).

رجّعوني عالمسكوبية؛ أغمي عليّ عدّة مرّات. مكيّف بارد جداً جداً. كل سفر البوسطة سيئ جداً ومرعب.

بعد 55 يوم أخذوني ع الدامون.

عتبانة على الزملاء الصحافيّين. ما عملوا ضجّة إعلاميّة وضغط لترويحي. الاعتقال على خلفية عملي الصحافي. الأمانة توصّل صوتي لكلّ صحافي حرّ. (وعدتها باطلاق حملة دولية عبرَ التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين من أجل إطلاق سراحها)

طلبت إيصال رسائل لأهلها؛ لأمها (كثير مشتاقة وبحكي للبنات عن المعمول يلّي بتعمليه، وأكثر موقف بيحي براسي لمّا كنت تكتبي لي القصائد وأقرأهن على الإذاعة وتطلعي ع الحيط وتسمعيني. إعزمي خطيبة أحمد على مقلوبة واحكيلها "هاي العزومة من فرح". إحكي لخواتي كلهن أنه بفجر 07.12 يصلوّا قيام الليل ويدعوا لي لأنّه صباحيّة المحكمة).

 أبو صالح روح الروح؛ (ألف مبروك وما تعمل العرس بدوني وكثير انبسطتلّك. مسامحيتك قبل ما أعرف من دار مين العروس. دير بالك على شام).

صابرين؛ (توأمي، أكثر حدا بشتاقلو وأكثر جدا بفكّر فيه بالسجن وأنّي ما بشوفها، بكاء مرير، نفسي أطلع ع شان أشوفها لأنها أكثر حدا بفهمني. ديري بالك على ناية وإيلين).

أماني؛ أمّي الثانية. بحسّ بكل صلاة بتدعيلي. من أول ما دخلت السجن ليلة ليلة بتيجيني بالحلم وبتحضنيني. ظلّي إحكي لمحمد وياسمين ع شان ما ينسوني).

 سلمي لي ع كل خوالي وعمامي وستّي فيروز حبيبة قلبي.

أبوي؛ (90 يوم بالمحاكم من بداية اعتقالي كنت بستنّى بكل جلسة ع شان أشوفك، بس ولا محكمة جيت، وهذا اشي كان كثير سيئ على نفسيّتي، بس رايحة التمس لك أعذار. بحبّك وادعيلي.)

سلامي للين وجمانة، مشتاقة لهن كثير ويستنوني. لين تسلّم على خالتو أمل.

وحين افترقنا قالت بعفويّة: "شو اسم خطيبة أحمد؟ من دار مين؟ ومين راح ع قراية الفاتحة؟ وينتا العرس؟ استنوني".

لك عزيزتي فرح أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون. 

الدامون/ حيفا تشرين الثاني 2025