- 29 آذار 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : تحسين يقين
كنت فتى في أوائل الثمانينيات حين علّق عمي الحاج راشد عبد الله، رحمه الله على خبر قرأته له "إجو يحذو الخيل قام الفار مدّ إيده"، وبالرغم أننا لم نكن بعد قد بدأنا بدراسة البلاغة، إلّا أنني فهمت ما قصده من استخدام المثل الشعبيّ، كتعلق ساخر على الخبر.
بالرغم من قدرته على القراءة، فقد طلب مني "عمي الحاج" بأن أقرأ له عناوين الصفحة الأولى من الجريدة، ربما لأن "نظارته" ليست معه؛ فراح الولد الذي كنته يقرأ العناوين التي لم تتغير مضامينها منذ بدأت أقرأ الصحف مبكرا والاستماع للإذاعة ومشاهدة التلفزيون. وحين وصلت: "القذافي يطالب بطرد الولايات المتحدة من الأمم المتحدة"، ابتسم "عمي الحاج" ساخرا، وقال فورا ذلك المثل الشعبيّ الساخر الملائم لهكذا حال.
تذكرت "أسلوب "عمي الحاج" بعد بضع سنوات حين بدأنا بتعلّم البلاغة العربية في آخر سنوات المدرسة، حين تعرفنا على المجاز، والاستعارة، ولعل استخدام "عمي الحاج" للمثل الشعبيّ، في هكذا تعليق يندرج تحت فرع من فروع الاستعارة، وهو الاستعارة التمثيلية، كما يحتمل ان يندرج تحت "الكناية"، وغي ذلك جدل. ثم لترافقني البلاغة التقليدية الى كلية الآداب، حين كنت أدرس الأدب العربي في مصر؛ فقد درسنا ما اصطلح عليه ب “أدب التوقيعات"، وهو "فن نثري عربي موجز وبليغ، تمثل في تعليقات الخلفاء، والوزراء، والأمراء، وبخاصة في العصر العباسي، على الشكاوى والرسائل المرفوعة إليهم. يتميز بالإيجاز الشديد، دقة العبارة، وقوة التأثير، حيث يُعد توقيعاً نهائياً ومباشراً يغني عن الرسائل الطويلة". وودت فيما بعد تتبّع هذا الأسلوب الذي جذبنا الى أهمية التكثيف اللغويّ.
وهكذا فقد وجدنا الفضيلة الوحيدة لبنيامين نتنياهو، وهو أنه بتصريحاته عن "دولته العظمى"، أعادنا الى ذكريات حياتنا وما تعلمناه في المدرسة والجامعة.
لا نقول سوى رحم الله القذافيّ بما له وهو قليل، وما عليه وهو كثير، مثله مثلهم، ولا تسألني يا صاح عنه ولا عنهم، ولكنني أذكر حين أضاف كلمة العظمى في آخر اسم الدولة الليبية، والتي صارت: الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى. وقد برر ذلك بأن الولايات المتحدة دولة عظمى وقد حاربت ليبيا عام 1986، ولم تهزمها، فإذن ليبيا أيضا دولة عظمى.
ثم تطوّر القذافيّ بعد 25 عاما، حين مزّق معمر القذافي ميثاق الأمم المتحدة احتجاجاً على هيمنة الدول الكبرى، في خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك عام 2009، منتقدا مجلس الأمن ووصفه بـ "مجلس الرعب"، ومطالباً بإصلاح جذري، ومحاكمة المسؤولين عن الحروب، وتعويضات لأفريقيا، معتبراً أن الأمم المتحدة فشلت في حفظ السلام."
لسنوات كان "عمي الحاج مصطفى" يطلب مني دوما كتابة عنوان ابن عمتي محمد الذي كان يعمل في ليبيا، على "مظروف الرسالة"، وأذكر انني كنت "أتفنن" وأنا أكتب اسم الدولة، ولكن بعد ذلك التاريخ صرت وحدي أضيف كلمة العظمى، قائلا لعمي الحاج مصطفى رحمه الله بسخرية الشاب الصغير المرح: صارت العظمى يا عمي، فيضحك كما كنا جميعا نضحك لتصريحات الزعيم كثير الجدل. وبالطبع لا أنا ولا عمي الحاج راشد ولا عمي الحاج مصطفى ولا أحد عاقلا كان أو غير ذلك آمن مرة بتلك الكلمات، وهو من سمى نفسه يوما بملك ملوك أفريقيا، وأمير المؤمنين.
واليوم يعيدنا رأس هرم دولة الاحتلال لهذه السخرية، حين ردد أكثر من مرة خلال الحرب على إيران بأنه دولته "تتحول إلى قوة عظمى إقليمية وفي بعض المجالات إلى قوة عالمية". وهو يذكرنا بحديثه هو بشكل خاص حين ردد برغبته بتطوير قدرات دولة الاحتلال الاعتماد على نفسها والتحول في العلاقة مع الولايات المتحدة إلى الشراكة الاستراتيجية. بمعنى: تقاسم الثروات والممتلكات في المنطقة، البترول بشكل خاص، أليست دولته هو دولة المستوطنة العسكرية القوية جدا؟
"مجنون أو (مغرور) يحكي وعاقل يسمع"، وفقا لعبارة أمي رحمها الله: "المثل يما ما خلاش إشي إلا جابه".
• دولة عظمى "حتة وحدة" يا بيبي!
• ...............................
ولم لا يطمح هذا الغازي بذلك، وهو يفهم أن حسم أمور تصنيف الدول يعود الى أسباب القوة العسكرية، وما يرتبط بها من تكنولوجيا متقدمة.
أتذكر سميح القاسم حين كتب "رسالة غزاة لا يقرؤون"، حيث يبدو أنهم زاهدون بقراءة التاريخ، وأنهم لا يرون إلّا قدرات "القوة" على البطش بالمدنيين:
"قذيفة تغير على حديقة"
إذن ليهنأ من يصف نفسه بالعظمة بما وصف، ولكن بينه وبين نفسه، حين يرقد للنوم خائفا يترقّب، يدرك جيدا، كما يذكر جنود الاحتلال بأن الوصف الحقيقيّ لدولتهم معروف جيدا، وقد آن التحرر من هذا الوهم كله، وهم يرون الدولة العظمى لم تعد تستحق حتى هذا الوصف، حيث بدأ العالم ليصير متعدد الأقطاب، ولا أحد سيضمن تحول العظيمة إلى دولة أقل عظمة.
العظيم لا يصف نفسه بالعظمة، ومعروفة طرق العظماء، والتي بأفعال دولة الاحتلال القبيحة، لن تكون منها. وهناك تراكم تاريخيّ وكتلة بشريّة منسجمة تنتمي لمكانها، يتوّج في لحظة تاريخية بلقب يليق.

