- 30 آذار 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : المحامي حسن عبادي
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
كلمة لا بدّ منها؛ أتوجّه عادة إلى سلطة السجون بطلب زيارة بواسطة الناسوخ (الفاكس)، مع الاسم الرباعي ورقم هويّة الأسير/ الأسيرة، ويكون الرد عادةً خلال 48 ساعة، وصُدمت بالفترة الأخيرة بإبطال زيارة بعد الترتيب لها وتأكيد موعدها وتبيّن أنّ السبب يعود لشكوى/ اعتراض/ احتجاج محامي/ محامية الأسيرة بادعاء تمثيلها بالمحكمة ممّا يتسبّب لها بالألم والحُرقة. والله حرام/ عيب.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
أتقدم بشكوى لسلطة السجون حين أسمع بانتهاك خاص أو تنكيل بحقّ إحدى الأسيرات مباشرة بعد الزيارة واتابع الأمر؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت الصديقة الكاتبة (والأسيرة المحرّرة) إسراء عبوشي:" كل الشكر والتقدير لك، المحامي حسن العبادي، على جهودك الصادقة وزيارتك لأسيرات سجن الدامون. ما تقوم به يتجاوز حدود المهنة، ليصل إلى جوهر الرسالة الإنسانية التي تحتاجها هذه اللحظات. في وقتٍ يضيق فيه المكان، جئتَ لتوسّع الأمل، وتمنح القلوب نافذةً نحو الضوء. حضورك ليس زيارة عابرة، بل أثرٌ يبقى في النفوس، ويقول لهن إنهن لسن وحدهن. دمت صوتًا للحق، وسندًا ثابتًا في وجه القسوة، وخيط نورٍ لا ينقطع."
وعقّبت الصديقة جمانة العتبة (فلسطينيّة تسكن في ليبيا): "اختفت الشمس فجأة. فأكمل الديك أحلامه لسنوات... ومالت الأزهار لتنمو داخل جذورها في التراب... وقهر البشر الغياب فتربّى الأطفال في الظلال...
نهض حسن من قصص الجدّات، في رحلة بحث عن الشمس. فلكل زمان شاطر يجوب الأرجاء. حاول البحث في كل مكان فلم يجدها كعادتها مختبئة بين أغصان الزيتون ولا هي قابعة بين أجنحة الحمام. وعندما بحث عن حيائها خلف الجبال وجد الظلام قد كلل الألوان.
جلس حزينا وأسند ظهره الى بقايا سنديانة وتساءل... أين ذهبت الشمس؟ هل أنهكها الاحتراق لأرض تنتظر القمر كل ليلةِ سهر بعد عناء. أم أنها شعرت بالخيانة؟ فليس هناك مكان للحقيقة في ظل الإهانة.
كان الحزن بداخله يتوسع كقطرة الماء العطشى، حتى اختمرت القطرات فأصبحت كالجمر تحرق الوجنات على ضياع النور في هذه الحياة.
وعندما وصل صوت الدمع عنان السماء ظهر خيط ضوء رفيع من بعيد. نهض الشاطر حسن وأخذ يلهث راكضا نحو الشعاع، وما أن وصل الى مصدر الشعاع حتى انتابه الذهول. فالشعاع يأتي من مبنى عتيق مكبل بالأقفال... تحيطه الأسلاك الشائكة من كل مكان... فدخوله يتطلب جبّار من جبابرة كنعان.
ولأن الشاطر حسن كما الأساطير مجبول بتراب جبال الكرمل وهمته تقاس بصلابة عيبال وانسياب أنهار بيسان، استطاع بحنكته الدخول فوجد الشمس جالسة في المعتقل فرحة... ترسل أشعتها على شكل أقلام... تغلف الكلمات بقبلات النور وترسلها عبر القضبان..."
وعقّبت الأسيرة المحرّرة (ووالدة الأسرى نور الدين ومنير، وكنت قد زرتها في حينه بسجن الدامون) فلسطين سلامة: "الله يهونها عليهن وع جميع الأسرى يا رب. جزاك الله خيرا زيارتك للأسرى بمثابة روح جديدة وخطوة للحرية بارك الله فيك أستاذ حسن تعجز الكلمات عن الشكر والتقدير".
وعقّب الأسير المحرّر علي سمحة (زرته في حينه بسجن مجيدو): "فك الله قيد أسرانا، لا زلت أقول إن ما تقدمه للأسرى ليس زيارة عادية، بل رحلة مكوكية للخارج، وما تنقله على لسان الأسرى دقيق ومعبر وصادق، تكاد تحمل على ورقتك تعابير الوجوه، في هذه المرحلة المعقدة حفرت اسمك بماء الذهب، بوركت".
وعقّبت الأسيرة المحرّرة رؤى ياسر: "الحرية حتمية السنة يلي عدت صار كمان قمعة لنفس السبب، كتابات قديمة أسيرة محررة كانت كاتبتها ع حيطة بغرفة 4، قمعوا غرفة 4 وانحرموا من الفورة لأيام... الله يكون معهم الجدعات ويخفف عنهم يعطيك العافية أستاذ حسن".
وعقّب الصديق سامح سمحة: "الأسر هو ليس فقط حرمان وألم وفراق هو نفق مظلم فيه البرد والوحشة، لكن مع كل هذه المشاعر وجودك أخي حسن يمثل للأسير دفئا كان مفقودا وطمأنينة كانت غير موجودة وضوء أضاء عتمة الزنزانة ونقلت مشاعر جياشة كانت موؤودة فأنت أصبحت بالنسبة لهم جسرا يحول ألمهم إلى أمل ويحول فراقهم إلى لقاء مع من يحبون من خلالك. أخي الحبيب حسن دمت مشعلا للحرية ودمت بألف خير".
"العامود الفقري للقسم"
زرت صباح الاثنين 08 كانون أول 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي ثانيةً بالأسيرة سماح بلال صوف حجاوي (مواليد 18.08.1999) من قلقيلية، الحبسِة الثالثة، معتقلة منذ 01.04.25.
أوصلتها سلامات الأهل وأخبار عبود وحمودة، وصغار العيلة.
وسلامات زهراء وأم شجاع وسرين للصبايا.
سماح بغرفة 5؛ برفقة حنان البرغوثي (اكتبوا الكتاب وما تستنّوها)، آية عقل، شاتيلا أبو عيادة، د. انتصار عواودة، بشرى قواريق، وماسة غزال [1].
فكرك ليش التقاعس وما في زيارات من المؤسسات للصبايا؟
الوضع في الدامون تصلّح شويّة، حتى القمعة الكبيرة يوم الجمعة 05.12، (كانت فورة قصيرة، نص ساعة، انتظرنا العدد الساعة ثلاثة ع شان نصلّي وننام، فجأة 3 قنابل صوت بالقسم، دخلوا كلّ السجّانين والمخابرات والإدارة واقتحموا غرف 5+6+7+8+9، ملحقناش نلبس، ركّعونا على بطوننا، بالغرفة خط أصفر لازم نكون جوّاتو، رشّوا علبة الغاز بوجهي ووجه آية وبشرى، عندي آزمة ومُتنا، كلبشونا لورا، أطلعونا بالضرب وركّعونا كلّنا بالساحة، كانت السجّانة (ل.) حاقدة، تمسك الصبيّة وتضرب رأسها بالأرض، رشّوا الغاز بوجه بنات محدّدات، قلبوا الغرف قلابة، والغاز مملّي الغرف، شلّحونا الشالات بالقوّة، ياسمين بدها ترفع شكوى، بعدها بتنزف من الكدمات. كلّ القمعة لأنّه مكتوب على خزانة الطوارئ "كتائب القسام حماس"، وتبيّن لاحقاً أنها كاتبتها أسيرة سابقة وموقّعة باسمها، عاقبوا القسم 7 أيام، الفورة ربع ساعة باليوم... شرحت لهم آية وفهموا غلطتهم وخفّفوا العقاب). وضع القسم رجع لأسوأ. تشديدات الخط الأصفر. صياح وتهديد وتحركش بالبنات.
في الدامون 50 أسيرة، ميس نزال من قلقيلية وصلت مبارح. معزولات عن العالم.
عملت فستان عرس، بنلبّسو للبنات لتغيير جو. بشبه أشياء برّا. الصبايا بقولولي "أنت العامود الفقري للقسم)".
طلبت إيصال سلامات ورسائل لأهالي الأسيرات، ولأهلها (أبوها وإمها، عبود وحمّودة، أنهار وفادية وعائشة وفاتن، وخالتها (كثير اشتقت لفنجان القهوة وندردش ونستغيب الكل)، ويامن (بحبّه، يدير باله ع حاله ودراسته، ويدير باله ع خدوده).
لك عزيزتي سماح أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.
الدامون/ حيفا كانون أول 2025
[1]تحررت ماسة غزال يوم 26.02.26
