• 4 نيسان 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : تحسين يقين

في الساعة التالية لما يسمى مجازا بوقف إطلاق النار، سيطلق الناس والساسة تنهيدات:

- وأخيرا!

- ......

ثمّ كل وما تأثر به، من لوح زجاج مكسور إلى مبنى ومنشأة وشارع، مدرسة وحديقة. ثم لتتابع الأسر حياتها: ما نقص من تموين، وانتظار قرار العودة إلى التعليم الوجاهي، وفتح المقاهي فهي فضاء للتعبير والاحتجاج، العودة الى الصلاة الجماعية، والى آخر الأعمال. ولكن للحكومات أعمال أخرى تتعلق بالعلاقات الداخلية في المجتمع الواحد والتحالفات الخارجية، والأهم البدء الفعلي بالإعداد للمزيد من التسلّح، هكذا فعلت الكثير من الدول قديما وحديثا، إلا من نجا من شهوة الحرب والدم.

من الطبيعيّ بعد الحرب التفكير بامتلاك قوة ردع تجعل الدول مترددة في شنّ حرب، أو البحث عن حلول حقيقية للقضاء على أسباب النزاع، ولكن في ظل منا نرى هنا وهناك، فليس هناك أسباب طبيعية لنزاع مؤقت، بل هي دوافع سيطرة وتحكم ونهب ثروات وفتح أسواق وتنافس تجاريّ واستعماريّ.

والمفارقة، أنه، في ظل اتفاقيات سلام تمّ عقدها، فقد واصلت الدول المتنازعة والمسالمة زيادة القدرات القتالية، والأكثر غرابة هو إجبار الدول الكبرى الدول الصغرى على شراء السلاح، في الوقت الذي تتنافس الدول العظمى في إهداء دولة الاحتلال المزيد من الأسلحة.

وهكذا، بعد أسابيع من الحرب على إيران، فإن المثل العربي هو الأكثر قدرة على وصف الحال. ولعلنا نعرف هذا المثل الجريء الذي يلائم هكذا حال؛ فتطرف المثل لغويا في تضمينه الألفاظ البذيئة، إنما مرجعه كل هذه البذاءة.

حصاد البيدر غريب، فما زال الأطراف المتعاركة على حالها، لم يكسب أحد المعركة، بل خسر الجميع، والفرق هناك من كانت خسائره أكثر. خسر المعتدي والمعتدى عليه، وخسرت الشعوب هوامش الأمان التي كانت سائدة من قبل.

فهل كان ساسة الولايات المتحدة بهذه السذاجة أم أن هناك ما هو غير منظور لنا، ونقول ما نقول ونحن جميعا نعرف أنه ما كان للولايات المتحدة فعل ما تفعله لولا توظيفه العامل الإيراني الذي تخوّف به الدول الشقيقة. والمؤلم، أن إيران هي من منحت الولايات المتحدة هذه الفائدة، وقد كان بالإمكان أن تتجنب إيران وجيرانها العرب ويلات الحرب والخسائر.

قلت من قبل، ويبدو أني كنت مخطئا: لا الولايات المتحدة معنية حقا بالحرب مع إيران كقوة إقليمية، يمكن أن تسبب ردود فعلها العسكرية حرجا لها، وكشفا لها أمام الدول الكبرى وبخاصة روسيا والصين. وقلنا إن إيران غير معنية بمحاربة الدولة العظمى. كما قلت إن دولة الاحتلال وإيران معبأتان بالأسلحة المتفجرة، لذلك لن تقدرا على فعل هذه المغامرة، لكن للحكومات والدول حساباتها المختلفة مع منطقنا نحن المواطنون.

- طيّ وبعدين!

- للحكومات ما تفعله، أو بالأحرى، ما تقطفه من سياسيا واقتصاديا.

- ونحن؟

- أيوا هيك الحكي المهم والأهم.

إذا ضمنا جميعا الصدق في السلوك السياسيّ، فيمكن للجيران حلّ المشاكل المفترضة، لأن الحقيقة أنهم جميعا عاشوا بسلام وتعاون. الجيران من الفرس والعرب، قوميتان عاشتا معظم التاريخ في سلام، أما ما استجدّ من تنازع مفترض بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فهو تنازع مصنوع. ما حدث في إيران له علاقة بها؛ فهو أمر داخليّ، وهو في العمق تمّ برضى الولايات المتحدة، بالرغم ما أوحى المشهد بغير ذلك. فارس ظلّت فارس بالرغم من تغيّر الوضع سياسيا قديما وحديثا مثلا، والسبب هو أنها بلاد عريقة لها حضارة إنسانية راسخة، فحتى لو تغيّر النظام السياسي اختيارا أو جبرا، فلن يتمّ تغيير إيران.

إيرانيا، آن الأوان أن تعيد الجمهورية الإسلامية بسياساتها، على أسس أكثر قوة، وهذا أمر ممكن، بحيث تتصالح في الرؤية، لبناء تعاون عربي فارسي، وعدم الاقتصار على بلاد محددة أو أحزاب ومنظمات محددة. ولا ضرورة للتحدث في التفاصيل، ويكفي أن ما تمّ من تحالفات مختارة لم يحقق الخير لأحد.

من الخير لإيران أن تهتم بالتماسك العربيّ، وتماسك الأقطار العربية داخليا، لأن ذلك يجنّبنا تدخل الاستعمار والتدخل الأجنبيّ؛ فلا معنى أن تحالف دولة كبيرة بعض الأشقاء، لأن ذلك سيكون أثره المزيد من التشظيّ.

وهنا، في ظل وجود علاقات عربية طيبة مع إيران، في ظل حسن نوايا، فسيمتدّ الخير نحو الدول المحيطة، فلا تضطر الهند مثلا الى تعاون قبيح مع دولة الاحتلال، بل إن وجود علاقات قوية هنا، سيساهم في تحقيق حلّ سياسيّ حقيقيّ. بمعنى صريح سيشكل التعاون العربي الإيراني في حلّ القضية الفلسطينية حلا مرضيا ولو في الحدود الدنيا.

عربيا، نستطيع متابعة العلاقات الوديّة القائمة أصلا بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج بشكل خاص، والعراق، بعيدا عن الوقوع في فخاخ الاستعمار، ومعروفة نتائج ذلك، فنحن نقطف جميعا ما نيتمّ على الأرض هنا.

نحن ندرك من قبل أهداف الاستعمار، فهو لا يحمينا فعلا، بل يضعنا تحت الحماية، والحماية المزعومة هي لون من ألوان الاستعمار، ونحن نعرف ذلك، وحتى نتخلّص من ذلك، فإنّ قطع الطريق على الاستعمار يبدأ من نفي مبررات التهديد، من خلال ممارسة السلام والتعاون.

وبعد، فلا تقف الحروب حقيقة إلا إذا امتلكنا إرادة التغيير، فبيت قصيد إنهاء الحرب هنا، قطع الطريق على تدخل الاستعمار، والحقيقة أن الدول الكبرى تستطيع أيضا التعاون.

وأختم هنا بضرورة عدم انتظار الشعوب لمن يعبث بأمانها ومصيرها، بل صار لزاما أن تتجه الشعوب للسلام الفعليّ الذي يحقق مصالحها، لا مجرد مصالح نخب تبحث عن مصالحها الخاصة.