- 13 نيسان 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : أ.د. زيدان عبدالكافي كفافي
"الهدف من كتابة هذه المقالة هو تقديم قصة مكان وليس سرد رحلة عائلية"
اقترحت ابنتي سارة على العائلة الذهاب في نزهة إلى مطل سد الملك طلال في يوم الجمعة هذا الموافق 10/ 4/ 2026م، وذكرني هذا التاريخ برحلة جامعية قام بها قسم التاريخ والآثار بالجامعة الأردنية يوم 9-10/ 4/ 1970م إلى الأزرق، وارتبطت الرحلتان بأزمة في كل منهما، ففي الأولى تعطلت حافلة الرحلة، وكانت الطريق ترابية. أما في رحلة اليوم، فتوجهنا إلى وجهتنا في منتصف النهار، وحيث أنني أعرف طبيعة طريق مطل سد الملك طلال، وأخاف من المرتفعات العالية جداً، انسحبت من قيادة السيارة وسلمتها لأم بشار، فهي التي تقود الأمر في البيت وخارجه. علماً أنني اقترحت عليهم الذهاب إلى مدينة جرش الأثرية حتى نعرف الأولاد على آثار بلادنا. لكن الطبيعة انتصرت على التاريخ، فسلمت أمري لله صاغراً.
تحركت السيارة واتفقنا مع ابني بشار أن نلتقي وإياه على الطريق أمام جامعة فيلادلفيا، وبالفعل التقينا في المكان نفسه ومن ثم تابعنا سيرنا للمطل. بقيت محافظاً على هدوئي حتى جسر جرش إذ انحرفنا إلى يمين الشارع ودخلنا شارعاً فرعياً، وبدأت السيارة التي تقوده تهم بصعود الطريق الواقفة عمودياً، فأغلقت عيني ودعيت لها ولنا بالوصول سالمين. سار بشار أمامنا ونحن نتبعه ويسير أمامه رهط من السيارات، ويتبعه عدد كبير آخر. وبدأنا نعبر أكواع الشارع الواحد تلو الآخر حتى دخلنا وسط حشد من السيارات لا نلوي على شيء. وبعد أن قطعنا مسافة لا بأس بها، بدأ الناس يلوحون بأيديهم وينادون الطريق مغلقة لا مكان لكم. وبدأت سيارات المتنزهين الواحد تلو الأخرى تنكص على عقبيها عائدة أدراجها إلى أماكن أخرى، فقلت في نفسي، لو كان هناك من يعلم الناس أن الأماكن مملوءة لماذا لا تذهبون إلى الجهة الأخرى من وادي الزرقاء...إلى السخنة وبيرين وغيرها من المناطق الجميلة في وادي الزرقاء.
بدأ بشار بتغيير اتجاه سيارته، كما تبعته أم بشار في الوقت نفسه، وكانت هناك زحمة كبيرة من السيارات، وكنت ترى السيارة تسير وسط شارع ضيق جداً تصطف السيارات على الجانبين فتضيف إلى الضيق ضيقاً. حمدت الله أننا خلصنا من هذه المحنة، فاقترحت عليهم الذهاب إلى متنزه دبين، فوافقوا مرغمين...مع طيبة خاطر. ما رأيته من زحام للناس والسيارات بحثاً عن مكان يجلسون إليه في المناطق يدفعني لأقترح على المستثمرين ضرورة التدخل وبناء استراحات سياحية في المنطقة، وتوسيع الشارع الواصل للإطلالة.
أدارت سيارتا أم بشار وبشار رأسيهما، واتجهتا باتجاه متنزه دبين حتى وصلتا المدخل ودفعنا ما ترتب علينا (دخولية) ووجدنا مكاناً فسيحاً جميلاً، فقررنا الجلوس فيه لسويعات، نذهب بعدها لتناول الغداء في أحد المطاعم. فردنا أنفسنا، وما نحمل من أغراض، وأخذ أصحاب الأراجيل يسمعوننا صوت الماء وفقاقيع الهواء. جلست على كرسي صغير، وجلت بنظري في الغابة فلم أجد إلاّ ذكرى أول زيارة لي لهذا المتنزه وكانت في عام 1975م، حين كنا نعمل في حفرية جرش التي أشرف عليها طويل العمر الأستاذ الدكتور عاصم البرغوثي، وكان حينها أستاذاً في الجامعة الأردنية. طبعاً بدأت المقارنة في ذهني، إذ أذكر (على الرغم من تقدم العمر) أنه تواجد في المتنزه حين زيارتنا في عام 1975م مجموعة من الأرمن، وهم من أقارب وأصدقاء المصور سركيس لبيجان (أبو حنا)، وكان حينها زميلنا في الجامعة الأردنية. بطبيعة الحال، استضافتنا المجموعة، فأكلنا من أكلهم الطيب. يختلف منتزه اليوم عن الماضي بوجود شارع مسفلت يؤدي إلى مدخله، وكانت المنطقة التي جلسنا بها نظيفة بعض الشيء. لكن جاورتا في المكان مجموعة من الناس الفضلاء، وقد أسمعونا من الأغاني ما يريدون أن يسمعوا، على أي حال طرب عليها من معي، أما أنا فتمنيت سماع أم كلثوم، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ. ومحمد عبد الوهاب، وبطبيعة الحال فيروز. أختلف الزمان فاختلف الطرب، للعمر أحكام. كما كانت أيامنا السعيدة تملأها أغاني الفيس بريسلي، والبيتلز، وأما "المكارينا" فلم نعرف منها سوا "المعكرونة".
بعد أن قضينا حوالي ثلاث ساعات تم التشاور على أي مطعم نذهب لتناول الغداء، فتم التوافق على مطعم لم آكل فيه من قبل اسمه "خيل وليل". وبطبيعة الحال، وعوضاً عن صعود الشارع الصاعد، بدأت السيارتان تهبطان الواحدة تلو الأخرى، ويسير بالاتجاه المعاكس سيارات لا نهاية لعددها أسمع أنين صوتها من صعوبة الصعود، وأنا أرأف على حال ركابها لأنهم لن يجدوا مكاناً لهم لكي يراقبوا غروب الشمس من مطل سد الملك طلال. على أي حال دخلت سيارتنا في الشارع الرئيسي الذي يربط بين العاصمة عمان بجرش، ومنها إلى إربد، ورأينا صفوفاً من السيارات (كأنها مربوطة بخيط)، وكأن أهل العاصمة عمان قرروا الارتحال منها إلى شمالي البلاد. إلى أين يذهب هذا السيل من السيارات؟ وصلت بنا السيارة إلى موقع اسمه "جبل أبو الثواب" قرب جامعة فيلادلفيا وهو موقع أثري عثرنا فيه على مباني وبقايا أثرية يعود أقدمها لأكثر من سبعة آلاف عام حيث قضيت ردحاً من الزمان (1985-1990م) أبحث في ترابه.
عندما وصلت الموقع، درت بناظري حوله، فوجدت أن الجرافات لم تبق منه سوى الذكرى التي احتفظ بها في رأسي، وقد حل محلة جسراً كبيراً، وكازية. بحثت عن "عين رأس الميتة"، فوجدت أن هناك من اشترى المكان وبنى لنفسه مزرعة وبيت. وللمعلومة كان هناك في المنطقة مقبرة للأتراك العثمانيين، الذين سكنوا بلدة الرمان، لكنها اختفت مع الزمان. امتلأت المنطقة بالبيوت والمزارع والمطاعم الراقية. وصلنا المطعم وقد بني على مرتفع يشرف على وادي، أعتقد أنه يمر ببلدة "السليحي". موقع المطعم ترى منه جبال عجلون في الأفق، يسبقها مجرى نهر الزرقاء، ولا تنسوا وادي الرمان
يصب وادي الرمان في وادي الزرقاء الذي يهدي مياهه لنهر الأردن الواصل بين ضفتيه وأهليه. أعرف أن الزمان لن يقف، لكن هذا التغير بالمكان والسكان بعد نصف قرن، ماذا سيحصل بعد مرور نصف قرن آخر في المنطقة؟ لا يعلم إلاّ الله، وأدعو لكم بطول العمر أيها الأحباء.

