• 16 حزيران 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : الباحث الشيخ مازن أهرام 

 

ان تحليل "اتفاقيات أبراهام" يتطلب تفكيكها إلى ثلاثة أبعاد أساسية: السياسي الجيوسياسي، الدبلوماسي القانوني، والديني العقدي. هذه الاتفاقيات أثارت وما زالت تثير جدلاً واسعاً نظراً لدمجها الرموز الدينية بالصفقات السياسية.

فيما يلي تحليل شامل يجيب عن كل تساؤلاتك بدقة وعمق:

1.⁠ ⁠الأصول، النشأة، والداعمون (الموافقون والرافضون)

 النشأة والأصول: ولدت الاتفاقيات في النصف الثاني من عام 2020 برعاية وهندسة مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتحديداً عبر مستشاره وجاره "جاريد كوشنر". الفلسفة السياسية خلفها كانت تعتمد مقاربة "خارج-داخل" (Outside-In)، أي تجاوز حل القضية الفلسطينية أولاً، والذهاب مباشرة لصنع سلام وتطبيع بين إسرائيل والدول العربية لخلق جبهة إقليمية جديدة.

 التسمية: اختير اسم "أبراهام" (نبي الله إبراهيم عليه السلام) كرمزية دينية تجمع بين اليهودية، الإسلام، والمسيحية، بهدف إضفاء شرعية ثقافية وتاريخية على تقارب سياسي محصّن برابطة "الأصل المشترك". 

2.⁠ ⁠الطموح الديني و"التعديلات الدينية المقترحة"

هناك خلط دائم في الفضاء الإعلامي بين "النصوص السياسية الرسمية للاتفاقية" وبين "المشاريع الفكرية الموازية" التي روجت لها مراكز أبحاث وجمعيات دينية دولية ومحلية.

 هل هناك "ديانة إبراهيمية جديدة" أو تعديلات لنصوص قرآنية/توراتية؟

لا توجد أي بنود سرية أو علنية تقترح دمج الأديان أو تعديل النصوص المقدسة (كالقرآن أو التوراة). المؤسسات الدينية الكبرى أكدت أن دمج العقائد مستحيل لاهوتياً.

 الطموح الفعلي خلف الرمزية: الطموح لم يكن دمج الأديان، بل استخدام "الإبراهيمية" كمنصة "دبلوماسية روحية" لتخفيف العداء الشعبي. الفكرة هي التركيز على القيم الأخلاقية المشتركة (كالتسامح والتعايش) لتبرير التعاون الاقتصادي والعسكري. وقد تجسد هذا في مشاريع رمزية بارزة مثل "بيت العائلة الإبراهيمية" في أبوظبي، والذي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً في مجمع واحد كرمز للتعايش المشترك دون خلط العقائد.

3.⁠ ⁠البنود النصية الرسمية للاتفاقيات

البنود الموقعة (مثل المعاهدة بين إسرائيل والإمارات) ركزت بالكامل على القانون الدولي والتعاون المدني، وأهم ما نصت عليه:

1.⁠ ⁠التطبيع الكامل: إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتبادل السفراء الدائمين، وفتح السفارات.

2.⁠ ⁠السيادة والأمن: اعتراف متبادل بالسيادة، والالتزام بمنع أي أنشطة إرهابية أو عدائية ضد الطرف الآخر من داخل أراضي الدولتين.

3.⁠ ⁠التعاون المشترك المتعدد: توقيع اتفاقيات ثنائية في قطاعات: الاستثمار، الطيران المدني، الرعاية الصحية، العلوم والتكنولوجيا، الطاقة، والسياحة.

4.⁠ ⁠حرية العبادة: نصت الديباجة على تشجيع الحوار بين الأديان والثقافات وتعزيز ثقافة السلام، وضمان وصول المسلمين للصلاة في المسجد الأقصى (وفق الرؤية المذكورة بالاتفاقية).

4.⁠ ⁠هل يقبل بها الأحبار والمسلمون والمسيحيون؟ (الموقف الديني)

الموقف الديني منقسم بشكل حاد وعميق جداً بين طوائف الأديان الثلاثة:

أ. الموقف الإسلامي:

 المؤسسات الرسمية في دول التطبيع: (مثل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي) أيدت الاتفاقيات واعتبرتها من باب "الصلح السياسي" الذي يدخل في صلاحيات ولي الأمر لتحقيق مصالح الدولة وبناء التعايش.

 المؤسسات المستقلة والمعارضة: (مثل الأزهر الشريف في مصر، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) رفضوا بشدة مصطلح "الدين الإبراهيمي"، واعتبروا أن التوظيف السياسي للاسم يهدف لتذويب القضية الفلسطينية وتبرير الاحتلال، مؤكدين أن التعايش الإنساني لا يتطلب خلط المفاهيم العقدية أو التنازل عن الحقوق التاريخية.

ب. الموقف اليهودي (الأحبار والربانيم):

 التيار الصهيوني الديني والحريديم (الأرثوذكس): يرحبون بالاتفاقيات لأنها تمنح إسرائيل اعترافاً عربياً دون الحاجة للتنازل عن أي جزء من "أرض إسرائيل الكاملة" أو تفكيك المستوطنات في الضفة الغربية.

 أحبار التيار المحافظ والإصلاحي (خاصة في أمريكا): يرحبون بها كخطوة للسلام، لكن جزءاً كبيراً منهم يحذر من أن تجاوز المسار الفلسطيني لن يحل الصراع الداخلي على المدى الطويل.

ج. الموقف المسيحي:

 المسيحيون الإنجيليون (في أمريكا): من أشد الداعمين للاتفاقيات؛ حيث تنطلق رؤيتهم العقائدية ("الصهيونية المسيحية") من أن تجميع اليهود في المنطقة ودعم إسرائيل يمهد لنبوءات دينية مستقبلية تخصهم.

 الكنائس الشرقية (في القدس والعالم العربي): تنظر للاتفاقيات بحذر شديد أو رفض، وترى أن أي سلام يتجاوز الحقوق الفلسطينية العادلة وحماية الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس (Status Quo) هو سلام منقوص ولن يؤدي لتعايش حقيقي للأقليات المسيحية في المنطقة.

5.⁠ ⁠أين وصلت الاتفاقيات وهل تنجح؟ (الأفق الحالي)

 على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي: حققت الاتفاقيات قفزات ضخمة، لا سيما بين الإمارات وإسرائيل؛ حيث نما التبادل التجاري بمليارات الدولارات وتنشطت حركة الطيران والسياحة والاستثمارات التكنولوجية بشكل غير مسبوق في تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية.

 الهزات الاستراتيجية: واجهت الاتفاقيات اختبارها القاسي والأكبر عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب المستمرة في قطاع غزة والمنطقة. هذه الأحداث جمدت المساعي لتوسيع الاتفاقيات (مثل مسار التطبيع المحتمل مع السعودية) وأحدثت فجوة هائلة بين المستويين الرسمي والشعبي.

 الأفق والنجاح: الاتفاقيات ثبتت على المستوى الدبلوماسي الرسمي ولم تُقطع العلاقات رغم الحرب، ما يعكس متانة المصالح الجيوسياسية للدول الموقعة. لكن على المستوى الشعبي والثقافي، تراجعت فرص "التعايش الشعبي الشامل" بشكل حاد؛ إذ أظهرت الحروب الأخيرة أن الشارع العربي ما زال يربط السلام الحقيقي بحل عادل وجذري للقضية الفلسطينية، مما يجعل "اتفاقيات أبراهام" حتى الآن بمثابة "سلام نخب ومصالح استراتيجية" أكثر من كونها اندماجاً شعبياً أو دينياً حقيقياً