- 27 حزيران 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : تحسين يقين
اهداء الى يوسف شاهين باقيا
• وين رايحين يا أستاذ؟
• وهل هناك مكان آخر نمضي إليه؟ شعب على أرضه المحتلة يمضي للتحرر واستئناف حياته باتجاه الحياة الفضلى.
تختفي النظم وتتبدل، يأتي الغزاة ويرحلون، لكن الباقية دوما هي الشعوب، لذلك فإن "الكتلة البشرية" هي السلام الماضي والأكثر نجاحا في دحر الغزاة، والمستبدين.
مرّ على فيلم "المصير" ليوسف شاهين ما يقرب من 29 عاما، وقد نجح الفيلم وقتها، ولكن كما حال أعمال فنية أخرى، فقد اشتهر منه أمران ظلا باقيين، الأول أغنية "علي صوتك بالغنا"، المأخوذة من مطلع الأغنية: "على صوتك بالغنا لسه الأغاني ممكنه" التي غناها الفنان محمد منير ولحنها كمال الطويل، وهي من تأليف كوثر مصطفى التي ألّفت أجمل الأغاني ذات الدلالات العميقة. أما الثاني فهي عبارة الفيلسوف ابن رشد "الأفكار لها أجنحة" التي قام الفيلم على روايته.
للنظام السياسي أن يحتمل النظام الثقافي، ولكن ليس على الأخير أن يحتمل الأول، وحين يتأسس النظام السياسي على أساس ديمقراطي يتم فيه ضمان فصل السلطات، فإن الكثير من إشكاليات الحكم تخفّ بل وتختفي، ذلك أن مجلس الشعب المختار يعبّر عن اختياراته؛ فخلاصة علاقة الحاكم بالمحكوم أن يحكم المحكوم من خلال اختيار حاكم. وكلمة حاكم تعني الحكم والحكمة معا، ذلك أن الحكم يتم من خلال امتلاك المعرفة والخبرة معا.
دوما كنت لا أساوي بين الاحتلال والاستبداد، ولكن ولما كان العمر يمنح معرفة، فقد صرت أكثر قناعة بأن ثمة علاقة بينهما، خصوصا ونحن نستقرئ التاريخ القديم والحديث، بل إن كتابا ومنهم غسان كنفاني قد فطن لهذه العلاقة مبكرا، بل ركّزت حركات التحرر الوطني على التحرر الاجتماعي والثقافي كبنية لازم للتحرر السياسي والوطني.
لم يبدأ التاريخ بنا، وللنظم هنا تاريخ طويل يمتد آلاف السنوات، وإن كنا نضع بالاعتبار وقوع بلادنا العربية تحت الحكم العثماني، التي تذكرنا بنمط الحكم العربي من القرن السابع للميلاد، متذكرين نظم حكم أصيلة كانت هنا، ونظم حكم لغزاة حكموا وأقاموا قرونا طويلة مثل الرومان، ثم لتقع بلادنا العربية تحت حكم الاستعمار الغربي، ويكون نصيبنا حكم البريطانيين والفرنسيين لمعظم بلادنا في الشام والعراق والجزيرة وشمال أفريقيا. وهو الحكم الغريب المستمر وإن أصبحت الولايات المتحدة شريكا قويا في الحكم. وهنا ونحن نستقرئ ما يلزمنا من تاريخ، سنجد أن فترة حكم ما بعد الاستقلال لم تأخذ مداها الكافي من الدمقرطة، بسبب النفوذ الباقي للدول الكبرى الحاكمة معا أو الحاكمة على انفراد. فإذا كان حال معظم بلادنا هكذا متأثرا بقوة الدول الكبيرة، فكيف هو حال الدول التي تقع تحت الاحتلال العسكري المباشر، وفي مقدمتها فلسطين المحتلة. لذلك أراني "شافقا ومشفقا" من هذا الحديث من منطلق ان الاهتمام الأول لنا هو تحقيق التحرر الوطنيّ بل والتحرر القوميّ.
فلسطينيا، يمكننا تذكّر حالنا سياسيا بعد عام 1948، ذلك أن فلسطين لم تحصل على الاستقلال (الاسمي) كما حصلت باقي الدول، حين خانت بريطانيا فلسطين التي كانت تحت انتدابها فسلمتها لمن ساهمت بتقويتهم عسكريا بنية الغزو. ثم في هذه الأثناء تمّ إجهاض أول حكومة فلسطينية، وهي حكومة عموم فلسطين، والتي أُعلن عن تشكيلها في 23 سبتمبر/أيلول 1948 بمدينة غزة، وذلك بهدف توفير مظلة سياسية وإدارية للفلسطينيين في أعقاب النكبة. لم تكد تولد حكومة فلسطين حتى تم وأدها. وهكذا فقد دخل ما تبقى من فلسطين ضمن النظام العربي الشقيق المجاور، وصولا إلى عام 1964، حين تمّ إنشاء منظمة التحرير، التي لم يمض على إنشائها عقد من السنوات حتى أصبحت الكيان المعنوي للشعب الفلسطيني خارج فلسطين؛ فكان ما يقرب العقد من السنوات، وصولا لاجتياح الاحتلال للبنان عام 1982، مميزا من حيث تبلور النظام السياسيّ الثوريّ، والذي صار لا بدّ من بحثه بشكل موضوعيّ، وهو مهما كانت توصيفاته القادمة من الاتجاهات المختلفة، فقد مثّل نوعا من الاستقلال الفريد، كونه يتعلق بالعمل الثوريّ، أما ما يتعلق بالجانب الديمقراطي، فإننا ونحن نتذكر عبارة أبو عمار المشهورة "ديمقراطية غابة البنادق" المعبّرة عن الوحدة الوطنية والمشاركة السياسية القائمة على الكفاح، فللباحثين والشاهدين مشروعية الحكم عليها، إلا أن عقد المجلس الوطني في دوراته، يعد شاهدا على ذلك الحراك الديمقراطيّ. إذن في المرحلة الثورية امتزج فيها القرار المستقل بالديمقراطية.
بعد مؤتمر مدريد عام 1991، وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993، امتزج نظام منظمة التحرير بالبنى القائمة داخل الوطن، فاقتربنا الى الحالة العربية السائدة، بل صرنا جزءا منها.
وهكذا تكوّنت لدينا سلطات الحكم الثلاث، ولكن هذا العمل الديمقراطي، كان ضمن محددات الظرف السياسيّ الذي اتفق أن يكون ما بين 3 و5 سنوات وصولا الى ما يعرف باتفاق الحل النهائي والدائم، لكن الفترة 5 سنوات تضاعفت فصارت الثلاثة عقود التي مرت، أي تضاعفت مرّات ومرّات. وليس هذا فحسب، بل فرّغت دولة الاحتلال ما تكون هامش من الحكم والإدارة.
في ظل "ما تبقى"، حيث راح الاحتلال يبيد قطاع غزة، ويقمع الضفة الغربية وينكّ هو والمستوطنون بها، يصبح الحديث عن الديمقراطية أمرا غريبا، ذلك أنه ونحن نعاني من الاحتلال، فللشعب الذي نثق به أن يعبّر عن رأيه، فهذا حقّ له، بل وواجب، وهنا من المفروض أن نكون معا نحن المحكومون جميعا من قبل الاحتلال، حكاما ومحكومين، جبهة واحدة، ترفض الاحتلال وتتضامن فيما بينها نحو تقصير عمر الاحتلال، والذي يكون بتقوية بقائنا هنا.
الرأي أمانة ومسؤولية، في ظل ثوابت وطنية وأخلاقية، ولها طرقها شفويا وكتابة؛ فسلطة الفكر الوطني هي السلطة الأولى لا "الرابعة" التي ظهرت منتصف القرن التاسع عشر، لسبب بسيط أنها الأكثر تأثيرا، فإذا فاقت في الدول المستقلة السلطات الثلاث، فما بالك في حالتنا تحت الاحتلال.
أما ضوابطها، فهي حين تشير البوصلة نحو فلسطين. وفقط فلسطين. ولأننا نثق في فطرة شعبنا فإننا لا نخاف الآراء، لأن ما ينفع الناس يمكث في طريقنا نحو فلسطين حرة مستقلة.

