- 28 تموز 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : سعادة مصطفى أرشيد
إلى الجنوب من نابلس وعلى بعد بضعة كيلومترات منها، تقع قرية تلّ الوادعة التي تشتهر بالتين ومنتجات الألبان ذات الجودة العالية. منذ أيام، داهمها المستوطنون المدجّجون بالسلاح الذي وزّعته عليهم وزارة الأمن الداخلي وحرّضتهم على التحرّش بالفلسطينيين والاعتداء عليهم؛ وهذا ما حصل منذ أيام في تلك القرية؛ إذ أطلق المستوطنون النار وأصابوا عدداً من المواطنين، مما دفع أحد الشبان لاختطاف سلاح أحد المستوطنين وإطلاق النار وقتل اثنين منهم قبل أن يُستشهد.
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي كان يوضّب حقائب السفر في طريقه لواشنطن والتي سيصلها اليوم الثلاثاء، سارع فور الحادثة بدفع قوات إضافية من الجيش وقطعان المستوطنين إلى الضفة الغربية في محاولة لإشعالها، وهي التي تخلو من السلاح المقاتل وتعتمد في مقاومتها على الصمود والصبر في مواجهة الخطط المعلنة والواردة في برنامج الحكومة، تلك الخطب التي تتحدّث صراحة على أنّ كلّ الضفة الغربيّة هي أرض “إسرائيل”، لا بل هي الأساس في الرواية التوراتية المزعومة، كما أنها الأساس في الرؤية الأمنية للدولة، وبناءً عليه يجب ضمّها للدولة، وكمقدمة لذلك يجب ملؤها بالمستوطنات وتهجير أهلها لينضمّوا إلى ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا في الحروب السابقة.
يذهب كثير من التحليلات السياسية للقول إنّ هذه السياسة هي خاصة ببنيامين نتنياهو وأركان حكومته من المتطرفين أمثال بتسلئيل سموتريتش وبن غفير، وأنّ هذا الأداء مرتبط بالانتخابات المقبلة في نهاية تشرين الأول القريب؛ فهذا من شأنه توفير مزيد من الأصوات الانتخابية لمصلحتهم، حيث إنّ الدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية هما رأس المال السياسي في دولة الاحتلال والصوت الذهبي في الصندوق الانتخابي. وهذا الأمر، وإنْ كان صحيحاً، إلا أنّه ليس السبب الأول والوحيد لذلك.
هكذا يجري سباق محموم أخذ يتسارع منذ أن أصبحت حكومة تصريف أعمال بانتظار الانتخابات القريبة لإقامة أكبر عدد ممكن من المستوطنات ومصادرة أكبر مساحة ممكنة من الأرض التي يتمّ اختيار مواقعها بناءً على تقديرات الجيش وأجهزة الأمن باعتبارها مناطق استراتيجية ونقاط تحكم للسيطرة تستطيع تقطيع أوصال الضفة الغربية وجعل مواطنيها يعيشون في معازل صغيرة الدخول إليها أو الخروج منها لن يكون أمراً سهلاً، وذلك لدفعهم للرحيل من خلال ضغط يومي متواصل وحرب أعصاب. فحسب إحصائيات رسمية إسرائيلية (وهي مجال تبجح الحكومة)، فإنه تمّ إخلاء 118 تجمعاً زراعياً ورعوياً فلسطينياً في هذه السنة، في مقابل أنه تمّ إقامة وإنشاء 122 تجمعاً زراعياً ورعوياً يهودياً مكانها، وشقّت لهم الحكومة طرقاً خاصة بطول 232 كيلومتراً تمرّ من أراضٍ خاصة مملوكة لمواطنين فلسطينيين بلغت تكلفتها 125 مليون شيكل جديد (قرابة الأربعين مليون دولار).
وقد سلف القول إنّ هذا سبباً من أسباب حكومة الاحتلال والمستوطنين للحصول على مزيد من الأصوات الانتخابية، لكنه يبقى السبب الثاني، أما السبب الأول فهو في إجماع مجتمع التوحّش على هذا البرنامج المتوحّش، وهو ليس بجديد، وإنما يعود إلى ما قبل إنشاء دولتهم مروراً بالفترة التي قاد فيها حزب العمل الذي يصنف بالاعتدال الدولة. وهذا ما عاد بالتذكير بخطاب قديم تأسيسي لوزير الدفاع الأشهر والأسبق موشي دايان قال فيه: “هذا قدرنا وهذا خيارنا، يجب أن نبقى مستعدّين ومسلحين وأقوياء وقساة لا نرحم، وإنْ أفلت السيف من أيدينا فسوف تنتهي حياتنا”. وقد وجد هذا الخطاب التأسيسيّ تعبيراته الجديدة في تصريحات وزير الدفاع ورئيس الأركان: “لن نسمح لأعدائنا في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) برفع رؤوسهم”، وهذا ما عاد لمقارنته عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ بأن وصفه بأنه التعبير الأدق والأكثر أصالة على تفكير الدولة العميقة في تل أبيب.
يجري كلّ ذلك وسط الانشغال بمجريات الحرب الأميركية الإيرانية، ووسط إهمال النظام العربي لما يجري في فلسطين، وهذا يشمل النظام الفلسطيني الرسمي الذي يتبنى بعض أركانه الرواية الإسرائيلية. فإلى متى يُترك الفلسطيني وحيداً…؟

