- 5 آب 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : الشيخ مازن اهرام
ليس في الدنيا مصيبةٌ تماثل فقد الأم، فهي الحضن الأول، والأمان الذي لا يعوض، والبركة التي تملأ البيوت، والدعاء الذي يسبق أبناءه إلى السماء. وبرحيلها لا يغيب شخص فحسب، بل يغيب عالمٌ كامل من الرحمة والسكينة والحنان
حين سمعت تلك الكلمات شعرت وكأن الأرض قد اهتزت من تحت قدمي،
"توقف قلبها"
شريط طويل من الذكريات؛ مرّت في خاطري كل لحظة عشتها معها، وكل ضمة احتوتني، وكل ابتسامة أضاءت أيامي، وحتى نظرات العتاب التي لم تكن إلا وجهاً آخر من وجوه حبها العظيم. ولكنها سنة الله في
خلقه، قال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
برحيلها غادرت رائحة البركة منزلنا، وحلّ مكانها صمت ثقيل تعبق فيه رائحة الفقد والألم. أصبح كل شيء في البيت يفتقدها؛ مصحفها الكبير ما زال مفتوحاً ينتظر أن تمتد إليه يداها الطاهرتان، وكرسيها الذي اعتادت الجلوس عليه يقف شاهداً على غيابها، وكأنهما لا يعلمان أنها انتقلت إلى رحمة الله، وأننا نسأل الله أن يكون مجلسها في جنات الفردوس، على الأرائك، لا همّ فيها ولا نصب.
لقد فقدنا الصدر الحنون الذي كنا نسند إليه رؤوسنا، وفقدنا اليد التي كانت تبارك أيامنا، والعين التي كانت تحرسنا بدعائها، وفقدنا من كانت تحبنا أكثر من نفسها. غابت كما يغيب القمر في تمامه، وانطفأت شمعة الدار، وسكتت مآذن الحنان. كانت وطنًا يسع قلوبنا، ودعاءً لا ينقطع، وأمانًا إذا خفنا، ودفئًا إذا اشتد برد الحياة.
يعزّ عليّ أن أكتب في رثاء أمي، وما أقسى الكلمات حين تُكتب بمداد الدموع. رحلت تلك الحنون، وتركتنا نصارع قسوة الحياة ومرارتها. أصبح البيت مظلماً، لا لأن الأنوار انطفأت، بل لأن نورها غاب
الصمت يلف أرجاء المكان، فلا أسمع صوتها، ولا أراها في سريرها، وكأن لسان حالها يردد قول الله تعالى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
ولئن مضى يوم على رحيلها، فما زال جرح الفقد غضاً لم يلتئم، وما زالت الدموع تجدّد عهدها كل صباح. صورتها، وصوتها، وابتسامتها، وحنانها، ما تزال تسكن كل زاوية من زوايا المنزل، وكأنها لم تغادره إلا لتعود بعد قليل.
ولا تغيب عن ذاكرتي آخر اللحظات التي جمعتني بها في المستشفى. كانت على سريرها الأبيض، أقرأ في عينيها دمعة تكاد تمزق قلبي. كنت أخفي دموعي حتى لا تزيدها ألماً، وأمسح تلك الدمعة برفق لعلها لا تشعر بها. كنت أسعد حين أساعدها على السير خطوات قليلة، متعلقة بالأمل في أن تستعيد عافيتها، وأن تعود إلى بيتها الذي أحبته، وإلى أبنائها وأحفادها الذين كانوا سر سعادتها. لكنها إرادة الله، ولا راد لقضائه.
كانت أمي عاشقة لأحفادها، تغمرهم بحنانها، وتداعبهم
"اتركوا لي أحفادي"قائلة
كانوا ثمرة قلبها، وكانت سعادتها الحقيقية أن تراهم حولها يملؤون البيت حياة وضحكات.
أما حكايتها، فهي حكاية وطن لا يغيب عن الذاكرة. ولدت في يافا، عروس البحر، عام. 1930م،
وكانت كلما تحدثت عنها، عادت شابة يملأ الفرح عينيها. كانت تصف بيت جدّي، وأشجار البرتقال، ورائحة البحر، وسوق العطارة الذي كان يعمل فيه والدها بجوار القلعة، والمسجد الذي يجتمع فيه الجيران للصلاة، وسكة الحديد، والأعياد، والمدرسة، ومواسم الخير، حتى كنا نشعر أننا نعيش تلك الأيام معها لحظة بلحظة.
ومن حي العجمي خرجت عروساً عام 1945 يزفها الأهل والأحباب في هودج يجره حصانان أدهميين، متجهة إلى بيت المقدس لتبدأ رحلة جديدة مع والدي. عاشت معه أكثر من ثلاثين عاماً زوجة صالحة وفية، وأماً مثالية، وكانا مثالاً للحب الصادق والاحترام المتبادل، حتى خُيّل إلينا أنهما بقيا عروسين طوال حياتهما.
ثم جاءت الليلة التي اختطف فيها الموت والدي، فحملت أمي وحدها أمانة الأسرة وهي ما تزال في ريعان شبابها. خمسون عاماً كاملة ظلت تظللنا بجناحيها، تسهر على تربيتنا، وتتحمل المشقة بصبر المؤمنين، حتى اشتد عودنا، وهيأت لنا حياة كريمة، ولم نشعر يوماً أنها أثقلتها مسؤوليات الحياة أو أنهكها التعب.
وكانت، كلما اجتمعنا حولها، تسافر بنا إلى يافا، وتحكي عن أهلها، وعن بيوت المدينة، وعن البرتقال الذي كان يزين طرقاتها، وعن التهجير القسري الذي مزق العائلة وشتت أفرادها في المنافي. كانت تحكي بلسان من عاش الألم، لكنها كانت تزرع في نفوسنا الأمل، وتورثنا حب الوطن والوفاء له، فكانت الذاكرة عندها رسالة، وكانت الحكاية جزءاً من الهوية.
واليوم، بعد رحيلها، أدركت أكثر من أي وقت مضى أن الأم ليست فرداً من الأسرة، بل هي الأسرة كلها. هي القلب الذي إذا توقف، اضطربت الحياة من بعدها تؤلف القلوب، وتمنح البيت روحه.
لقد رحلت أمي، فرحل معها وطن صغير كان يسكن قلوبنا، ورحل جبل من الصبر، وبحر من الحنان، ومدرسة في الإخلاص والوفاء والعطاء. وستبقى ذكراها نبراساً ينير حياتنا، ودعاؤها زاداً نعيش به ما بقي من العمر.
رحمك الله يا أمي رحمة واسعة، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجزاك عنا خير الجزاء، وجمعنا بك في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ونسأل الله العلي القدير أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يسكنها الفردوس الأعلى، وأن يجعل ما قدمته من حب وتربية وإحسان في ميزان حسناتها، وأن يلهم أبناءها وأحفادها الصبر والسلوان،
وإنا لله وإنا إليه راجعون

