- 29 آب 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : المطران عطا الله حنا *
لقد تعرضت الكنيسة عبر تاريخها المجيد، منذ ألفي عام وحتى اليوم، إلى اضطهاد واستهداف وبأساليب متنوعة ومختلفة، معهودة وغير معهودة.
أما اليوم، فهنالك أعداء للكنيسة يلبسون الثوب المسيحي، وتارة يقولون إنهم مبشرون، وتارة يقولون إنهم ناشرون لتعاليم الإنجيل، ولكن في الواقع لا علاقة لهم بكل هذا، فهم أعداء للكنيسة من الداخل، وعدو الداخل هو أخطر من عدو الخارج، لأنه عدو يسعى لتشويه قيم الإيمان ونشر الكراهية والعنصرية والتحريض على الطائفية باسم الدين.
ليس كل من اعتلى منبرًا وبشّر بالمسيحية هو كذلك، وما أكثر المبشرين الكذبة، وهي ظاهرة انتشرت في الآونة الأخيرة بسبب كثرة وسائل التواصل الاجتماعي.
من حيث المبدأ، لسنا رافضين لوجود مبشرين بالمسيحية، فالإنجيل المقدس يقول: «ويل لي إن لم أبشر». ولكن مشكلتنا الحقيقية اليوم تكمن في وجود ظاهرة المبشرين الدجالين والكذبة الذين يلبسون الثوب المسيحي زورًا وبهتانًا، ولكنهم في الواقع مرتبطون بأجندات ومشاريع معادية للمسيحية، وهدفها ضرب الكنيسة وقيم الإيمان من الداخل.
أقول بأن أعداء الداخل هم أكثر خطورة من أي عدو آخر، لأنهم يظهرون وكأنهم مسيحيون حريصون على الإيمان المسيحي. وكيف يمكن أن يكون المرء مسيحيًا في الوقت الذي فيه يحرّض على الكراهية والعنصرية؟
نعم، يجب أن ننشر قيم الإيمان، وأن نبشر بالمسيحية القويمة التي تحثنا على الرحمة والمحبة والإنسانية والانحياز لكل إنسان مظلوم ومتألم ومعذب.
هنالك ظاهرة خطيرة، وهي وجود من يطلقون على أنفسهم زورًا وبهتانًا مسمى «المسيحية الصهيونية». وما أود أن أقوله هو أنه لا يوجد هنالك شيء اسمه مسيحية صهيونية. أن تكون مسيحيًا فهذا شيء، وأن تكون صهيونيًا فهذا شيء آخر، أما المزج بين المسيحية والصهيونية فهو أمر في غاية الخطورة، وهو مسيء لقيم الإنجيل ورسالته وتعاليم السيد المسيح السامية والمقدسة.
لا يوجد في قاموسنا المسيحي والكنسي طائفة اسمها «مسيحية صهيونية»، فإما أن تكون مسيحيًا متحليًا بقيم الإنسانية والمحبة والتسامح، أو أن تكون صهيونيًا، وكلنا نعرف ما هي الصهيونية التي كانت سببًا في كثير من النكبات والنكسات والمظالم التي تعرض لها شعبنا الفلسطيني.
إن من يتعرف على أدبيات هذه المجموعة يمكنه أن يكتشف بأنها أدبيات لا علاقة لها بالمسيحية، فهؤلاء يفسرون العهد القديم كما يحلو لهم، ويفسرونه بطريقة تنسجم مع الأطماع الصهيونية والسياسات الإسرائيلية.
أعتقد بأن الكنائس المسيحية كافة يجب أن ترفض وأن تلفظ ما يقوم به هؤلاء المتصهينون، الذين يدّعون الانتماء للمسيحية زورًا وبهتانًا. وأعتقد بأن هنالك مبشرين كذبة بالمسيحية موجودين في عالمنا، مرتبطين بهذه الجماعة، لدرجة أن كلمة فلسطين تستفزهم، وهم لا يريدون أن يسمعوا شيئًا عن فلسطين بناءً على تعليمات أسيادهم.
أن تكون مسيحيًا، هذا يعني أن سيدك هو الرب يسوع المسيح، وليس أي جهة سياسية في عالمنا، ومنهم هؤلاء المتصهينون.
أن تكون معاديًا للصهيونية فهذا ليس معاداة للسامية. فنحن لا نكره اليهود ولا نكره الشعب اليهودي، كما أننا لا نكره أي إنسان في هذا العالم بناءً على خلفيته الدينية أو العرقية أو الثقافية، ولكننا في الوقت ذاته نرفض محاولات تشويه الإيمان المسيحي وتجييره لخدمة أجندات سياسية لا علاقة لها بالقيم المسيحية.
إن قداسة البابا شنوده، وفي إحدى زياراته لأمريكا، قال بأن هؤلاء المتصهينين ليسوا قادرين على التمييز ما بين وعد الله ووعد بلفور، فوعد الله شيء ووعد بلفور شيء آخر، ووعود الله لن تتحقق بالاحتلال والقمع والظلم، فهذه ممارسات غير إنسانية لا يمكنها أن تنسجم مع أي قيمة أخلاقية أو روحية نبيلة.
أعتقد بأن هذا التيار، والذين يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون صهاينة، هم أعداء حقيقيون للكنيسة، وعندما يأتون إلى الأرض المقدسة لا يزورون كنيسة القيامة ولا يزورون كنيسة المهد في بيت لحم، فهذه مواقع لا تعني لهم شيئًا، كما أنهم يتجنبون لقاء المرجعيات المسيحية الدينية الفلسطينية، لأنهم لا يريدون أن يدخلوا في سجالات ونقاشات دينية مع أصحاب الحق وأصحاب القضية العادلة.
أتمنى أن يتراجع نفوذ هؤلاء المتصهينين الذين يدّعون الانتماء للمسيحية زورًا وبهتانًا أمام هذا الكم الهائل من المآسي والمظالم والدماء البريئة المسفوكة.
كيف يمكن لإنسان عنده ضمير وأحاسيس أن يكون غير مبالٍ أمام مأساة شعب فُرضت عليه حرب إبادة، وهو يتعرض للتنكيل والاستهداف في كافة تفاصيل حياته؟
أقول لهؤلاء المتصهينين: عودوا إلى رشدكم وإلى إنسانيتكم وإلى إنجيلكم وإلى قيم المسيحية الحقة، وابتعدوا عن هذا الضلال الذي أنتم غارقون فيه، حيث ينطبق عليكم ما قيل في الكتاب المقدس: «لهم آذان ولا يسمعون، ولهم عيون ولا يبصرون».
نريدكم أن تسمعوا الحقيقة وأن تعاينوا النور الحقيقي. فليس أمرًا مستحيلًا أن يعود التائهون والضالون إلى رشدهم. فبولس الرسول كان في وقت من الأوقات عدوًا لدودًا للمسيحية، ولكن الرب أنار له الطريق، وهو في طريقه إلى دمشق، فتحول من شاول الطرسوسي إلى بولس الرسول العظيم، لا بل هامة الرسل.
ليس أمرًا مستحيلًا أن يتحول أعداء المسيحية إلى مبشرين حقيقيين بها، ولكن هذا بحاجة إلى أن يدخل النور الحقيقي إلى حياتهم، فيكتشفوا أن المسيح الحقيقي هو ليس الذي يبارك الظلم والقمع والاستبداد، بل هو الذي يقف إلى جانب كل إنسان مظلوم ومتألم ومعذب.
المسيحيون الصهاينة، كما يطلقون على أنفسهم، يعيشون حالة ضلال، وهم يشوهون المسيحية من خلال انحيازهم للظالمين والمستبدين والمحتلين، ونحن، واستنادًا إلى قيم إيماننا، لا ندعو بالشر حتى لأعدائنا، بل ندعو من أجل هداية وعودة الضالين إلى رشدهم. إن هذا التيار المتصهين يحتاج إلى صلاتنا ودعائنا أكثر من أي وقت مضى، وكما أضاء الرب النور لشاول وهو في طريقه إلى دمشق وتحول إلى هامة الرسل بولس، نتمنى أن ينير النور الإلهي عقول وضمائر هؤلاء الضالين، لكي يعودوا إلى رشدهم، ولكي يكتشفوا أن الطريق إلى السلام لا يمكن أن يمر إلا عبر فلسطين ورفع الظلم عن شعبها وإنسانها، لكي ينعم هذا الشعب المظلوم بعدالة طال انتظارها.
ونحن إذ نكرم في هذه الأيام أمنا العذراء البتول في تذكار رقادها الشريف، فإننا نطلب شفاعتها وبركاتها وأدعيتها، ونصلي بحرارة في هذا اليوم المبارك من أجل أن يرفع الرب الإله الظلم عن شعبنا.
ففي القدس، هنالك طريق الآلام، تذكرنا بمن سار في هذه الطريق وصولًا إلى الجلجلة والقيامة والانتصار على الموت.
إن شعبنا اليوم يسير في طريق الجلجلة، ولكن طريق الجلجلة لا بد أن تكون لها نهاية، ومسيرة الآلام لا بد أن تكون لها نهاية أيضًا، ونهايتها هي الانتصار على الموت والانتصار على الظلمات وتحقيق العدالة والسلام الحقيقي.
يارب، نصلي في هذا اليوم المبارك من أجل كل التائهين والضائعين في هذا العالم والذين فقدوا بوصلتهم، ولكي يعودوا إلى إنسانيتهم، ولكي يكتشفوا أيضًا بأنه لكي تكون مسيحيًا حقيقيًا، يجب أن تكون منحازًا لكل إنسان مظلوم ومتألم ومعذب، وأن تكون مع الظالم والمحتل والمستبد، هذا يعني أنك لست مسيحيًا، حتى وإن ادعيت بهذا. فالمسيحية ليست شعارات، بل هي قيم وإنسانية وأخلاق ومحبة ورحمة لا حدود لها.
المسيحي الحقيقي هو الذي يعيش الفرح مع الفرحين، ويعيش الألم مع المتألمين، ونحن اليوم نعيش الألم مع أهلنا في غزة وفي الضفة، وفي هذه البقعة المباركة من هذا العالم التي تنزف دمًا، وأتمنى أن يتوقف نزيفها قريبًا وسريعًا، لكي ينعم إنسان هذه الديار بالحرية والأمن والأمان والسلام الحقيقي.
فلسطين موجودة حتى وإن أنكر البعض وجودها، وستبقى هذه الأرض بقعة مباركة ومقدسة، حاضنة لأهم المقدسات، فهي أرض الميلاد والتجسد والفداء والقيامة والنور.
نسألك يا رب أن تنعم على أرضنا بسلام حقيقي، وأن تجعل حكام هذا العالم أكثر عدلًا وإنسانية، لكي يعملوا لأجل سلام نتوق إليه جميعًا ونصلي من أجل تحقيقه في هذه الديار.
*رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

