• 7 أيلول 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : المطران عطا الله حنا*

فلسطين تشيّع شهداءها في المغير، كما في غيرها من الأماكن، والدماء الفلسطينية تُسفك في كل يوم، وكأنه محكوم على الفلسطيني أن يعيش في ظل حالة دائمة من الاضطهاد والاستهداف والمظالم المروعة التي لا يمكن وصفها بالكلمات.

غزة تعيش نكبة مستمرة ومتواصلة، وقد صرّح أحد المسؤولين الإسرائيليين مؤخراً بأن الحل الوحيد لمسألة غزة هو تهجير الفلسطينيين من هناك. وقد سمع العالم بأسره هذه التصريحات العنصرية، ولكن، ويا للأسف، لم نسمع ردوداً ترتقي إلى مستوى هذه الهمجية والعدوانية غير المسبوقة.

يجب أن يعلم هذا المسؤول الإسرائيلي، كما غيره من المسؤولين في عالمنا، بأن الحل لا يمكن أن يكون من خلال تهجير الفلسطينيين، بل من خلال حل عادل لقضيتهم، لكي يعيشوا بأمن وأمان وسلام في وطنهم، مثل باقي شعوب العالم.

إن تهجير الفلسطينيين من غزة ليس هو الحل، بل الحل الحقيقي هو إغاثة أهلنا هناك، ومعالجة تبعات حرب الإبادة، والبدء بإعادة الإعمار، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة والضرورية من أجل أن تعود الحياة إلى غزة، هذه الحياة التي توقفت بسبب حرب همجية، وهي حرب إبادة بامتياز فُرضت على شعبنا هناك. وأهل القطاع هم الذين يدفعون فاتورة باهظة من دمائهم ومن حياتهم ومن حريتهم، بسبب هذه الحرب التي فُرضت عليهم، والتي نعلم جيداً من الذي فرضها، ومن الذي بررها، ومن الذي دعمها، إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة الكارثية والمأساوية، والتي يبدو أنها الأكثر كارثية ومأساوية في التاريخ البشري الحديث.

في غزة، في كل يوم، هنالك شهداء، وهنالك قصف وتدمير واستهداف لكل شيء حي، بما في ذلك الأطفال. وما ذنب الأطفال في غزة لكي يعيشوا في ظل هذه الأوضاع المأساوية؟ وقد قُتل منهم من قُتل، ناهيك عن الأيتام ومبتوري الأطراف والمآسي والكوارث التي لا عدّ لها ولا حصر.

أما الضفة الغربية، فتعيش حرب إبادة من نوع مختلف، حيث المستوطنون يصولون ويجولون في كل مكان، والبوابات الحديدية تحيط بالضفة الغربية وتفصل بين المحافظات والمدن والمخيمات والقرى، حيث أصبح الانتقال من مكان إلى مكان في الضفة الغربية مسألة في غاية الخطورة.

المستوطنون مدعومون من سلطات الاحتلال، بل لا بل هي التي توجههم، وهي التي تقول لهم ماذا يجب أن يفعلوا، حيث سرقة الأراضي تتم في وضح النهار، والاستيلاء على أرزاق الفلسطيني، بما في ذلك المواشي.

في الضفة الغربية، كل شيء فلسطيني مستهدف ومستباح، وكأننا أمام سياسة ممنهجة هدفها التهجير الطوعي، حيث إن الفلسطينيين المحاصرين والممنوعين من حرية التنقل، والذين نُهبت أرزاقهم، فإن الخيارات أمامهم محدودة، ومنها مسألة الرحيل وترك هذه الأرض إلى أماكن أخرى أكثر أمناً وأماناً.

يريدون للفلسطيني أن يترك أرضه ويغادر وطنه. ففي عام 1948 كانت النكبة وكان التهجير القسري، أما اليوم فنحن أمام حالة تهجير من نوع آخر، حيث يُراد إفراغ فلسطين من أهلها وناسها لكي يستولي المستوطنون على ما تبقى من أراضٍ وعقارات.

إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هو مستقبل الفلسطينيين في ظل هذه الأوضاع؟

لا يمكننا أن نعطي صورة وردية لما هو آتٍ، ولكن ما نعرفه أن الفلسطيني يبقى فلسطينياً في كل الظروف والأحوال، والذين نُكبوا وهُجّروا عام 1948 ما زالوا ينادون بحق العودة. فالفلسطيني، مهما ظُلم واستُهدف واضطُهد، يبقى متشبثاً بحقوقه وأرضه وهويته وانتمائه لوطن جريح، لا بد أن ينعم في وقت من الأوقات بمستقبل أفضل.

نعلم جيداً أن الشرور، مهما كثرت وتعاظمت، لا يمكن أن تبقى وتستديم، فكل شر في هذا العالم له بداية وله نهاية.

نقول للمسؤول الإسرائيلي الذي قال بأن الحل هو ترحيل الفلسطينيين، كما نقول لكل من صمتوا أمام هذا التصريح الخطير، بأن الفلسطيني في بلده ليس لعبة شطرنج، وقضيته هي قضية عادلة وثابتة لا تسقط بالتقادم. ومن ينكر وجود الشعب الفلسطيني وينادي بترحيل الفلسطينيين من أرضهم، إنما لا يسعى من أجل حل، بل من أجل تكريس المظالم والاضطهاد والاستهداف الذي يتعرض له الفلسطيني.

الفلسطينيون يتعرضون لمؤامرات ومشاريع هادفة لتصفية قضيتهم، ولربما فإن المرحلة التي نعيشها هي الأكثر خطورة، ولذلك وجب على الفلسطينيين أولاً وبالدرجة الأولى أن يرتبوا أوضاعهم الداخلية، ويرتبوا بيتهم الداخلي، لكي يكون قوياً وأبياً ومنيعاً أمام المؤامرات ومشاريع تصفية القضية.

مشكلتنا ليست فقط الاحتلال الذي نعلم جيداً ما يريد، فمشكلتنا هي أيضاً في واقعنا الفلسطيني الذي يحتاج إلى كثير من الإصلاح والتغيير، كما أن الحال العربي يحتاج أيضاً إلى إصلاح وترتيب، بحيث تكون البوصلة دوماً في الاتجاه الصحيح، وهي نحو القدس وقيامتها وأقصاها وتاريخها وتراثها وعدالة قضية شعبنا الفلسطيني.

أقول للأحرار في عالمنا، وما أكثرهم، بأنه من واجبكم الإنساني والأخلاقي ألا تتركوا فلسطين وشعبها وحدهم ليواجهوا هؤلاء الجلادين والقتلة والمجرمين.

كونوا مع فلسطين، واضغطوا على حكوماتكم ورؤسائكم لكي يكونوا أكثر عدلاً وإنصافاً، ولكي يعملوا من أجل رفع الظلم عن شعبنا. إن احترام حقوق الشعب الفلسطيني هو مفتاح السلام، ومن ينكرون وجود فلسطين ويسعون لشطب هذا الاسم الجميل، إنما لا يريدون السلام ولا يسعون إليه، بل يريدون الإمعان في سياسات القمع والإجرام والتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

إن مشاهد تشييع جثامين الشهداء في كل يوم يجب أن تحرك الضمائر الحية في كل مكان.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يجب أن تستمر الإبادة لكي يشعر العالم بآلام الفلسطينيين وأوجاعهم؟ وهل يجب أن نبقى في حالة إبادة لكي يتحرك العالم، الذي كان من المفترض أن يتحرك منذ زمن بعيد؟

الفلسطينيون دفعوا أثماناً باهظة بسبب حرب الإبادة، وما زالوا يدفعون هذه الأثمان. فاعملوا على وقف حرب الإبادة، فالإبادة ليست قدراً لا يمكن وقفه، وهذا واجب إنساني وأخلاقي يجب أن يتحلى به كل إنسان عاقل ومسؤول في هذا العالم. وآن لهذا النزيف أن يتوقف.

*رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس