• 8 تشرين أول 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  الشيخ الباحث مازن. اهرام 

 بدأت الحكاية في بهو المشفى كلٌ ينتظر دوره لمعاينة  الطبيب وقد ازدحم المكان من خلال  المراجعين وكأن الساعة أبطئت فالوقت في الواقع ثابت لا يتغير، 

لكن ساعتنا النفسية الداخلية تتأثر بقوة بتركيزنا وعواطفنا. كلما راقبنا العقارب أكثر، كلما شعرنا أنها توقفت

شاركني في مقعدي أثناء انتظار دوري في المشفى سيدُ غزى الشيب مفرقه وبدا عليه الشحوب ولسان حاله ينبئ   إن غزا الشيب مفرقي فلا تظنن أن العمر قد باغتني ما الشيب إلا رشة ملح تعطي نكهة لحكمتي  وفي لحظة كبرياء ناعمة" يحمل في طياته تناقضاً جميلاً وعميقاً؛ فالكبرياء عادةً ما يرتبط بالقوة والصلابة، بينما "الناعمة" تضفي عليه لمسة من الرقة والهدوء والعاطفة الساكنة.

كانت لحيته كغابةٍ كستنائيةٍ في ليلةٍ مقمرة، تفيض بالوقار وتختزل تفاصيل الزمن على ملامحه. خيوطها الكثيفة تتدفق بانسيابٍ وهدوء على طول فكّه، كشلالٍ من الحبر الداكن الذي يخطّ في أسفل وجهه فصولاً من الهيبة والرجولة. لم تكن مجرد شعرٍ نابت، بل كانت هالةً تمنح ملامحه عمقاً غامضاً، وتضفي على صمته حكمةً تشبه حكمة الشيوخ، وعلى ابتسامته دفئاً يمتص قسوة الأيام. في تداخل خصلاتها، يلوح بريقٌ خفيف من الشيب ، كأنه خيوط فضية نسجها الفجر في أطراف الليل، ليروي قصة نضجٍ تجاوزت حدود سنواته. وحين يمرر أصابعه بين ثناياها وهو غارق في تفكيره، تبدو اللحية كدفتر ذكرياتٍ يقلب صفحاته بتمهل، حيث يتأرجح الضوء والظل بين شعيراتها، مانحاً وجهه هيبةً تفرض احترامها دون كلام، وتجعل من حضوره أثراً لا يُمحى في ذاكرة المكان. أدمنت أيام الزمان خيوطة هو العمر يمضي لا تكاد تحسه يلف بأثواب الصعود هبوطه

 تجاذبنا  أطراف الحديث ، وبدأ يحدثني عن ذالك الزمن الذي نشأ فيه وعاش في ايامه الذهبية حسب وصفه مقارنا إياه  بهذا  الزمن الذي نعيش فيه والذي وصفه بزمن العجائب
فقال لي:

 أتدري يا بني انني بين الحين والآخر أجدني مضطرا ومدفوعا بقوة للوقوف متأملا ومقارنا بين أمس ولّى وحاضر معاش، بين جيل مضى له خصائصه وميزاته و له سماته التي انفرد بها فأصبحت اليوم جزءا من التراث الذي نعتز به ونباهي، ونحنّ إلى ماض حافل بكثير من الإيجابيات والإنجازات.. ماض لعب فيه جيل الأجداد والآباء دورا فاعلا فبنوا وشيدوا على أسس قوية راسخة تشهد لهم بطول الباع ورسوخ القدم.. يدفعهم لذلك حرصهم على أن يحيا الأبناء والأحفاد حياة رغدة هانئة خلافا لمعاناة السلف. وبين جيل حاضر تنكّر معظمه للماضي وأدار له ظهره فغرّته الحياة الجديدة ببرقها الخلّب وزينتها الخادعة التي تروق للشباب وتستهويه وتشبع تطلعه وجريه وراء كل جديد

فمن فقد هويته ضاع تاريخه تمثل الهوية الثقافية والدينية واللغوية الوعاء الذي تُحفظ فيه إنجازات وتجارب الأجداد فغياب الهوية يجعل المجتمع عرضة للذوبان في ثقافات أخرى، مما يؤدي إلى نسيان إرثه الأصيل والوعي بالتاريخ (من خلال الهوية) هو الذي يمنح الشعوب القوة لبناء مستقبلها بثقة وثبات وسؤالي هل القدس هي القدس التي ترعرعنا بها وعِشنا بها بين حواريها وحارتها  وأذقتها وأحواشها رجالها ونسائها وأطفالها مساجدها  وكنائسها  ونسائم هوائها خيراتها وبركاتها !!!!

يا بُني مُنذ ما ينوف على أربعون عاماً كنت مُعلماً أُدرس التاريخ 

لعلي ابوح بكلمات ضاق بها صدري فما يَضيقُ بِه الصدر، تَتّسِع لَه الورقة، وما يَعجَزُ عنه البَوح، يُجيدُه الحِبر فبعضُ الكلام نَجاة، وبعضُ الصمت هَلاك، وبينَهُما يولَدُ من الحَرف قلبٌ أخَفّ، وروحٌ أهدَأ

تحية إجلال وتقدير لك ولتاريخك العريق في مهنة التعليم السامية أيها المُعلم  

أربعين عاماً، أي في ثمانينيات القرن الماضي، كنت تبني عقولاً وتزرع في قلوب طلابك حب المعرفة وقصص الأمم وحضارات البشر.

 التعليم رسالة الأنبياء، والتاريخ هو مرآة الحاضر وبوصلة المستقبل

ثم أردف قائلاً

نقارن فنجد البون شاسعا والفرق كبيرا، فما كان مباحا بالأمس أصبح مستغربا ومستهجنا اليوم
شيء لا يكاد يصدّق، كان مجرد خيال فأضحى حقيقة ماثلة للعيان، وواقعا يؤخذ في الحسبان. ما نعيشه اليوم ما كان ليخطر لنا على بال، وربما ما كان جيلنا يجرؤ حتى على مجرد التفكير به لأنه ربما كان من المحرمات والمحظورات وحقلا مليئا بالألغام يقتضي السير فيه حذرا شديدا وانتباها كاملا.. وإلا فويل له تتناوشه السهام من كل جانب وتنثال عليه الأقاويل والاتهامات من كل حد ب وصوب، فيصبح مادة دسمة للتشهير والتنديد.
من كان يصدّق أن يطال التغيير كل شيء حتى الثوابت التي ترعرعت على التمسك بها الأجيال وكانت لديهم من المقدسات المنزهة عن كل شك أو تهمة!. لقد تغيرت الشعارات إلى حد يثير كثيرا من التساؤلات و يملأ النفس حسرات فتتعالى الزفرات والآهات مشبعة بالآلام مفرغة من الآمال.
كانت فلسطين قضية المسلمين الأولى ومحور ارتكاز علاقاتهم الدولية، وكانت من المقدسات التي لا يجرؤ أحد على المساس بها أو الاقتراب منها إلا أننا عشنا اليوم لنرى في الوقت الذي يعادي فيه أبناء وطنه وكأنهم لم يكونوا يوما مواطنين إخوة في وطن واحد منذ قرون عديدة تقاسموا السراء والضراءّ زمن عجيب اليس كذلك يا بني؟.

قلت: بلى! إنه زمن عجيب.

 واصل حديثه فقال: لقد تغيّرت المفاهيم وتبدلت الثوابت وانقلبت الأمور رأسا على عقب..

 ففي زماننا هذا الكرم إسراف وتبذير.. والبخل تعقل وتدبير.. والحكمة عجز وعيّ.. وطول اللسان فصاحة وبيان.. والحشمة تأخر ورجعية.. بينما العري موضة وتقدم. وطال التغيير المجتمع فتفككت عراه وتقطعت أوصاله، تراجعت روح الجماعة وسادت الأنانية وحب الذات.. كل يعمل لنفسه دونما اعتبار لأحد سواه.. وهذا شيء بدا واضحا لدى جيل اليوم الذي يقضي معظم وقته في التعامل مع سفاسف الأمور والضياع  بلا كلل أو ملل 

ومع متابعة الأفلام ومباريات الكرة، وهذه تجمعهم أحيانا وتفرقهم أحيانا أخرى.
جيل الأمس كان حلمه التعلم وتحقيق أسمى الغايات   ويرى أن ذلك قريب المنال وسيتحقق مهما كانت الصعوبات والعراقيل لكننا نرى أن النزعة الانفصالية هي الغالبة و السائدة وبات يجاهر بها أصحابها بلا خجل أو وجل وكأنها أصبحت هدفا وأملا يتطلعون إليه بشغف. تطغى هذه النزعة المقيتة على كثير من أقطار المعمورة !
وماذا ينتظر العقلاء والحكماء فيه؟ 

من أعجب ما يضحك الثكلى، ويثير السخرية في زمن العجائب، أن تتأمل في حالنا اليوم  

هذا هو الزمن الأغبر الذي نعيشه اليوم  حين لا يعود الظلم صادمًا، ولا الكذب عيبًا، ولا التبعية خيانة، ولا الفساد جريمة زمنٌ لا يُسأل فيه من سرق البلاد وأذلّ العباد، بل يُسأل فيه من تجرّأ على قول الحقيقة، ومن رفع صوته في وجه العبث، ومن رفض أن يبيع ضميره في سوق المصالح

زمن العجائب خائن  يحدثك  عن الوفاء  ولص يشرح  لك  معاني الشرف  

وظالم  يهددك بالدعاء زمان غريب الرخيص اصبح  يتظاهر بالعزة والخائن  يتحدث عن الوفاء  والمنافق يجادل في الصدق

 المنطق أن تكون حياتنا كريمة أمنة  يشوبها رغد العيش وأن نتقبل الرأي الآخر فاختلاف الرأي لا  يفسد في الود قضية منطق سليم ورأي سديد  وأن يستطيع الأطراف نقاش وُدي يقبلها العقل والمنطق،

لكن يراها البعض بمنظار أسود  فأضحت  مرفوضة بكلتا الحالتين لأنها كانت غير واقعية وبادعاءات واهية وباطلة ربما نُسجت  وكتبت بحروف غربية ولكن لم تصاغ بعقول عربية إما أن ترفض وإما أن لا تقبل وإما أن لا ينظر إليها من الأساس .وتخاطب بلغة إن لم تكن معي فأنت ضدي إن لم تقبل  ما أرغب به فأنت ند لي وإن لم تكف عن ما يزعجني سأقطع وصالك 

زمنٌ تُقلب فيه الموازين، فيُتَّهم الشريف لأنه شريف، ويُحارب الصادق لأنه صادق، ويُكافأ المنافق لأنه أتقن ارتداء الأقنعة.زمنٌ أصبح فيه السكوت حكمة عند البعض، والخوف تعقّلًا، والانحناء فضيلة، حتى غدت الكلمة الحرة تهمة تستوجب المحاكمة.في هذا الزمن الأغبر لا يخاف اللص من جريمته، بل يخاف المظلوم من المطالبة بحقه ولا يرتبك الفاسد من فساده، بل يرتبك الأحرار من بطش الفاسد إنه زمنٌ تُدفن فيه الحقائق تحت ركام الدعاية، وتُشوَّه فيه الوجوه النبيلة،

 ويُرفع فيه أصحاب المصالح على أكتاف البسطاء.لكن التاريخ لم ينصف الظالم يومًا، ولم يمنح البقاء للباطل مهما تجبّر. فالحق قد يتأخر، لكنه لا يموت، والعدل قد يغيب، لكنه لا يضيع. وما بين ضجيج الباطل وصمت المقهورين، تبقى كلمة الحق نورًا عصيًا على الانطفاء، وشاهدًا على أن في الأمة رجالًا لم يبعثروا ضمائرهم في مهب الريح.فإذا كان هذا زمن الأغبرة الكثيفة، فإن الفجر لا بد آتٍ، وحين تهدأ العواصف وتنقشع الغشاوة، سيُسأل الجميع أين كنتم عندما كان الحق يُذبح على مرأى من الناس ومن الذي سرق البلاد وأذل العباد؟

ومن الذي صمت وهو يعلم؟ ومن الذي قال كلمة الحق ودفع ثمنها؟

عندها فقط، يسقط القناع، ويعرف الناس أن الأوطان لا تهزمها المؤامرات بقدر ما يهزمها الصمت عن الظلم والاعتياد على الباطل

المنافقون في هذه الأرض بارعون، لا يتقاعدون
يتلونون حسب درجة الإضاءة إذا سطع ضوءك، صفّقوا لك حتى يُصابوا بخشونة في أكفهم، خفت، أنكروا معرفتك، بل لعنوا يوم دخلت فيه حياتهم

أما الصادق، فغالبًا ما يُساق إلى زاوية النسيان، لا لأنه فشل، بل لأنه رفض أن يرفع صوته في حفل الزيف، ولأنه اختار الصمت على أن يكون بوقًا لمهرجان النفاق.

يا سادة، إن التاريخ لا يحفظ أسماء المتملقين، بل يدوّن أولئك الذين وقفوا حين جلس الجميع،
الذين مشوا عكس التيار، لا بحثًا عن الشهرة، بل حفاظًا على المعنى.

نحن اليوم لا نفتقد الشجعان، بل نفتقد الذاكرة،
فذاكرتنا قصيرة، لا تحتفظ إلا بصورة من جلس، ولا تعترف بمن وقف ثم غاب بصمت وما أسوأ أن يتحوّل الوطن إلى مسرح، تتبدّل فيه الأدوار، وتبقى الكراسي نفسها، والجمهور يصفّق، لا لمن يستحق،

بل لمن لا يزال واقفًا

نهض المعلم من مقعده وقال لقد تشافيْتُ من علتي وغادر المكان ولم يعقب وكأن حديثه برء ودواء كانت كلماته قوية وصادقة لدرجة أنها تحولت إلى دواء شافه بالفعل في تلك اللحظة 

(أثر  التفاؤل والكلمة الطيبة) كلام المعلم وحديثه للآخرين كان في حد ذاته شفاءً ودواءً لمن يستمع إليه، فكأنه أدى رسالته وشفى عقول أو نفوس مستمعيه ثم غادر

    أن ترحل وأنت لا تزال تحب، وأن تصمت وأنت تملك ألف كلمة، وأن تترفع عن الإساءة لا لأنك لا تستطيع الرد، بل لأن يديك أطهر من أن تتسخ برذاذ المعارك الصغيرة. إنه السلام الداخلي الذي يهمس لك: "أنت تكفي، وإن لم يدركوا قيمتك".