• 21 تشرين أول 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم : الباحث الشيخ مازن أهرام 

 

 جملة تراثية فلسطينية شهيرة تُقال للتحسر والاشتياق إلى الماضي والزمن الجميل عبارة دارجة ومثل شعبي يُستخدم بكثرة في المقالات التراثية، والقصص التي تتحدث عن البركة، والبساطة، والعملات القديمة (مثل القرش والتعريفة والمليم)

راح الزمان وراحت ايامه    والي مش تشاره يا ناره  

كان المقدسي إذا رحل عن مدينته   للعلم أو العمل ثمّ اشتاق إليها دعا الله أن يسقيها الغيث

 ثمّ صار النّاسُ إذا حنّوا إلى أيامٍ مضت، دعوا الله المغيث أن يسقيها أيضًا مجازًا 

فصاروا يقولون: سقى الله أيام زمان

معنى العبارة: "ساق الله" تعني طلب السُّقيا والرحمة من الله لتلك الأيام، أو تمنّي  عودتها واستحضار ذكرياتها الدافئة.

تفاصيل الماضي البسيط: ترتبط في الذاكرة الشعبية ، والبساطة في الحياة والناس 

 الشجن والأيام الخوالي مع أخي خليل الملهم النقار الذي عزف على قيثارة الأيام  يفتح باب قديم تفوح منه رائحة الطفولة، وتتحرك في قلبي مشاعر الشجن لأيام خلت، لكنها لم تغادر الوجدان قط  كل صفحة أكتبها اليوم من كتاب ماضينا، أنت عنوانها.

 أتذكر تفاصيل بيتنا القديم، طرقات الحارة، وجلساتنا التي كانت تمتد حتى يسرقنا النوم. يا لها من أيام خوالي، ويا لروعة تفاصيلها التي صاغت منا ما نحن عليه الآن. 

شكراً لأنك كنت دائماً ملهماً، وسنداً، ومخزن الذكريات الجميلة أرفع إليك القبعة 

تراتيل الحنين والأيام الخوالي كأننا نفتح كتاباً عتيقاً، تتصاعد منه رائحة الورق الأصفر وعبق السنين. في كل صفحة قصة، وفي كل سطر ملامح وجوه غابت، وأصوات ضحكات كانت تملأ الأركان ثم تلاشت في زحام العمر.

  أرجوحة الزمن: نعود بالذاكرة إلى الوراء، لا لنغير شيئاً، بل لنستدفئ ببرد أيام كانت أكثر بساطة وأشد صدقاً.

  شجن الغياب: يأخذنا الحنين إلى بيوت قديمة، وأزقة ضيقة شهدت ركضنا الطفولي، وإلى ليلٍ كان يجمعنا بمن رحلوا أو باعدت بيننا وبينهم دروب الحياة.

  الأيام الخوالي: لم تكن مجرد أوقات مضت، بل كانت مخزوناً من الأمان والطمأنينة، حيث كانت القلوب صافية، والهموم صغيرة تكفيها ابتسامة أو كلمة طيبة لتزول.

نكتب عن الماضي ليس رغبة في العيش فيه، بل تكريماً لتلك اللحظات التي صنعت منا ما نحن عليه اليوم، ولتبقى تلك الأيام الخوالي شمعة تضيء عتمة الحاضر كلما عصفت بنا الأيام. 

تتميز أيام الأعياد في القدس وعراقة حاراتها بذكريات جميلة وطقوس تراثية أصيلة تعكس روح المحبة والبهجة والإيثار رغم كل الظروف. 

مثلاً حكاية سلة العيد أو "هدية الخفاء" هي واحدة من أروع مظاهر التكافل الاجتماعي وجبر الخواطر في ثقافتنا ومجتمعنا المقدسي ، حيث تُجسد أسمى معاني الإنسانية والرحمة بالآخرين وحفظ كرامتهم التي تُعلق على  أبواب بعض البيوت ليلاً خوفاً من الإحراج وحفظ ماء الوجه تحوي على كسوة وملابس  وحلويات وبعض النقود  ....

آه ما أجمل  أفراح الأمهات  والصبيان والبنات وجبر الخواطر على الله 

هذه العادة الجميلة تعكس قلوباً نقيّة تُعطي باليمين ما لا تعلمه الشمال، لتدخل الفرحة على قلوب الأطفال والأمهات دون أن تجرح مشاعرهم أو تُشعرهم بالمنّة، مصداقاً للبيت الشعري الجميل

إن فرحة طفل يرتدي ثوباً جديداً في العيد، أو أمٍّ دمعت عينها فرحاً لسترة أطفالها، هي الأثر الحقيقي المستدام الذي يتركه العطاء الخفي. "وجبر الخواطر على الله"، فمن جَبَرَ جُبِر، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء.

الأسواق العتيقة  زينة المنازل والحارات روائح الكعك: كانت رائحة كعك العيد والمعمول المحشو بالتمر أو الفستق تنبعث من  كل بيت، حيث تتبادل الجارّات صواني الكعك ويجتمع الأطفال لحملها إلى أفران البلدة القديمة الساخنة التي تظل تعمل حتى ساعات الفجر.  

"ساق الله على أيام زمان" بتحمل معها حنين دافي لزمن البساطة والجمال الطبيعي العفوي

أذكر يوم العيد  والعيدية تخشخش في الجيبة عشر قروش والقرش ينطح القرش الأخوة وأولاد الجيران واللمة الحلوة  وبعد صلاة العيد  يلا يا شباب على ساحة باب الأسباط الزفة الحلوة  والمرجوحة بتعريفة  والدورة زيها

خلي بالك  الخيل  والحمير واللفة بقرش  و الدور لمين  يا أولاد  والحج كروم يقبض  وابنه يسوق الدورة 

 والباعة  والأهازيج و العم  أبو على ساند ظهرة  لسور القدس  وأمامه طبلية  خشبية  وضع عليها  (قازان) عبارة عن  برميل ملئي بالمخللات المشكلة بالألوان  الجميلة

يُسقى الناس ماء المخلل بالطاسة النحاسية  وينادي يلا بتعريفة لحق قبل ما نفد وتروح عليك 

والعودة للبيت  بعد العصرية  ننفض الغبار عن ملابس العيد ونلمع  الحذاء الذي ناله  نصيبه من تعب الركض واللعب، لنجلس أخيرًا ونروي أحداث يوم  حافل للعائلة  ثم نجتمع على مائدة الطعام ناهيك عن  خروف العيد 

وما أن تنتهي أيام العيد تبدأ العودة إلى المدرسة والانتقال من أجواء بهجة العيد والراحة إلى أجواء الجد والنشاط والالتزام بالمدرسة والاستعداد لاستقبال المعلمين 

الإنسان مكون من حكايات توارثها عبر الأباء والأجداد 

 التراث المقدسي أحد الركائز الأساسية التي تُجسِّد هوية المقدسي وتحفظ الذاكرة  التاريخية والثقافية والاجتماعية  عبر العصور و يشمل أيضًا الحكايات، والأساليب الفنية، والقيم الاجتماعية التي تجسّدت في شتى الأطر  الحياتية .

كل إنسان مقدسي يولد حكاءً وفي أعماقه تذخر رواية وقصة وأحداث قديمة في بيئته  ومسكنه  وتجد في القصص وسيلة لتعريف الناس بالثقافات المختلفة والعادات والتقاليد الخاصة بكل مجتمع، وإذابة بعض الاختلافات، فالحكايا كلها متشابهة، ولكن تختلف ببعض التفاصيل.

عندما  نسير الخطى في أزقة البلدة  القديمة ترجع  بنا الذاكرة حكاية وُلدت  أحداثها بين حواريها وحاراتها ساق الله عيشة زمان والايام الهنية على بساطه كل شي كان وعيشه 

كان الجمال نابع من الراحة النفسية، والبساطة، واللمات الحلوة اللي ما بتعوضها كل مستحضرات التجميل الحديثة