• 1 حزيران 2026
  • مقابلة خاصة

بقلم : تحسين يقين

سيطول تأثير المشهد الأخير، الذي يشكّل استخلاص الشقيقتين، من رحلتهما في الحياة، وليس مجرد رحلتهما الليلة فقط في البحث عن وسيلة غير قانونية لتبرير ما تؤمنان به من حقّ حصريّ لهما، بل لعلّ المضمون الإنسانيّ الصادق هو ما ينظم تلك الرحلتين وغيرهما من رحلات البشر. لعل تلك هي مقولة الفيلم كما سوف نرى، أو ما يمكن الاختتام به.

تجلس الشقيقتان بأريحية وقد مدّتا ساقيهما مقابل المدينة، بعد رحلة توتّر واكبت رحيل الأب، في إيحاء صادم ناقد لمنظومة المجتمع؛ فهما تنظران للمدينة بدون اكتراث، في حين تصدمنا دلالة القدم بوجه الجميع، الذي يعني التحدي، من خلال الاكتفاء بما صار لديهما من نفوذ (مفترض)، دون انتظار خلاص قادم من آخرين، أكانوا بشرا أقرباء أو نظما وقوانين.

لم يبتعد حرص الشقيقتين على تحقيق الحدّ الأعلى من ميراث الأب، وفق تبرير منطقيّ لمنظور العدالة، على الوعيّ على أن خلاصهما الذاتيّ لا يبتعد عن الخلاص الجمعيّ، لا لاهتمام حقيقيّ ينبع من داخلهما، بل بسبب ما يعيشانه من ليبرالية سوق منفلتة، ركزّت الثروات في عدد قليل من الأفراد، في ظل حصار الاحتلال، عبّرت عن ذلك عبارة الأخت لأختها، بأنه بالرغم من تحقيق هدف الحصول على معظم "التركة"، فإن ذلك لن يكون كاملا في ظل العيش تحت الاحتلال الكولينيالي: "أنا ولادي جد مش عارف أربيهم، وأخوي يا دوب بحكي معي، وإنت من العيد للعيد لنقعد مع بعض وكل ما نحكي كلمتين ندق ببعض، وأبوي تاركلك دفتر الشيكات، وعمره ما قالي اشي عنه، وهيو مات، البلد لكم واحد هم وولادهم ينهبوا فيها واحنا بنتفرج، وإسرائيل كمان شوي بتبطل تخلينا نطل براسنا برة رام الله، ال 80 ألف هي اللي راح تزبط حياتي؟". 

ثم ليتعمّق معنى الخلاص من الاحتلال في مشهد لاحق حين فوجئتا بتعطّل السير بسبب اشتباكات الشباب مع جنود الاحتلال على أطرف رام الله كما يبدو، حيث يسهّل راشقو الحجارة، الذين أشعلوا إطارات السيارات طريقهما، حتى لا تعلقان بينهما وبين جنود الاحتلال.

لقد كان الصدق الفنيّ هو سبب شدّ أعين الجمهور وآذانه، ومشاعره وأفكاره التي حفّزتها على مدار ساعة ونصف، المخرجة الفلسطينيّة ليلى عباس، من خلال الاتكاء على ما يدور في النفس، كون الخلاص الفرديّ لكلّ منهما، هو الدافع الحقيقيّ، بعد أن وجدتا أنفسهما معا، في ظل غياب السند الاجتماعيّ والاقتصاديّ، أو التهديد بفقدانه؛ فنورا التي وقع عليها العبء الأكبر في رعاية والدها المسنّ، والتي تبدو في أول الثلاثينيات، والتي تبادر إلى التخطيط لفكرتها بالاستحواذ على الميراث المالي، هي عاملة عزباء في محلّ تجميل، بظروف ضغط، يذهب معظم جهدها لمالكة المحلّ التي تهتمّ بزيادة الربح، في مجتمع يمرّ بتحولات اجتماعية، أثّرت على واقع المرأة النفسي والاجتماعي بشكل خاص، فصارت تلحّ على تجميل الجسد في ظل الانفتاح الاجتماعيّ، حيث أنه في ظل تسارع التشتت الشعوري والنفسيّ، تلجأ النساء الى ضمان من يمكن من جمال جسدي إرضاء للذكور من جهة، وللفوز في ظل تنافس النساء عليهم، والذي يعني فوزهن فوزا اقتصاديا، في ظل المعاناة الاقتصادية. لذلك فإنها تجد خلاصها يكمن في امتلاك محلّ لها، يضمن لها عدالة الدخل على قدر جهدها. في حين أن مريم التي استنكرت الفكرة في البداية، وجدت نفسها وجها لوجه، مع حالتها كمطلقة مستقبليّة، بعد أن وصلت علاقتها بزوجها الى الانفصال، في ظلّ تحدي تربية الأبناء من جهة، وتحدي التواصل الاجتماعيّ من جهة أخرى، في فترة التحولات الاجتماعية التي مرّت على فلسطين، خصوصا في المراكز المدينية، مثل مدينة رام الله التي تشكّل فضاء الفيلم. ولعلّ حرص الشقيقتين على خلاصهما الفرديّ يأتي في سياق غياب قدوة السير في طريق الخلاص العام-الوطني الذي لم يتحقّق. 

وصفت الأخت الكبرى مريم بشكل "فضاء الطبيعة" التي غرز "إطار السيارة" فيها، والتي كانت تلتقي فيها أختها بصديقها ب الجورة"، التي لها معنى سلبيّ في اللهجة المحلية، بما يوحي بنقد شديد لحالة المجتمع في ظل التحوّلات.

اكتسب الفيلم صفة الفيلم العالميّ، لسبب جوهريّ، هو الصدق الفنيّ الذي منح الفيلم مصداقيّة الحضور والتأثر، بعيدا عن تكلّف الحديث حول الخلاص العام، كون الإنسان-والمشاهد، هو أيضا باحث آخر عن خلاصه. وتلك هي فلسفة المضمون، والتي أخذت المعنى، لتصيغه بشكل ذكيّ، من خلال الإيحاء بأن الخلاص الفرديّ لا يتحقّق إلى في ظل خلاص عام. بمعنى أنه في الوقت الذي عبّرت فيه المخرجة بصدق عما يشغل الفرد، فقد عبّرت عن الوعي الحقيقي، عما يشغل الفرد والمجموع معا، من خلال مسحة نقدية لمنظومة المجتمع، دون الوقوع في فخ النقد السياسيّ الحادّ لمنظومة الحكم القائمة.

الميراث

ازداد الاختلاف والتنازع الاجتماعيّ في الأسر النووية والممتدة وتسارع، كأثر من آثار التحولات التي عاشها المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة (فلسطين عام 1967) إثر اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993، فصار التفكير الماديّ يحظى بالأولوية، في ظل التحوّل الاقتصاديّ، ونشوء اقتصاد السوق المفتوح، الذي خلق فجوات اقتصادية، دفعت الوارثون للبحث عن حصصهم بشكل دقيق بعيدا عما كان يتمّ فيه مراضاة النساء بشكل خاصّ به.  

صار التفكير بالميراث يأخذ معنى جديدا، خصوصا لدى الشقيقتين نورا ومريم، وغيرهما، ممّن قمن برعاية الوالدين، في ظل غياب الأشقاء كليا أو نسبيا. تفاجأ نورا برحيل والدها، فتتحفظ على الخبر، كي تقوم ب "سحب المبلغ الماليّ من حساب الوالد، لتتقاسمه مع شقيقتها مريم، لإيمانها بأحقية المبلغ كاملا، حتى لا يأخذ الأخ المهاجر الى الولايات المتحدة حصته التي تعادل حصّتهما، وتفاجأ الشقيقتان بأن صرف مبلغ كبير يحتاج لإذن صاحب الشيك، والذي توفي قبل ساعات. وهنا يبدأ الفيلم بمسار تشويقي بوليسيّ للبحث عمّن يمكن أداء دور الوالد، بالرد على التلفون لإبداء الموافقة.

فحين الطلب من الخال، فإنه لا يقبل فقط، بل وبّخهما، كذلك الحال مع صديق نورا، التي تربطهما علاقة عاطفية بالرغم من تهديد الأخت مريم بكشف علاقتهما لزوجته.  

لم تكن الرحلة رحلة ليلية، بل كنا إزاء رحلة النفس وكشف بعض الأسرار، من ذلك التغيّر القيميّ لدى مريم، حين لجأت الى لغة التهديد، وهي التي علّقت على علاقة أختها بصديقها، بأن زوجها هو الآخر يفعل الفعل نفسه. وتزداد المفارقة سخرية، حين تعرف مريم أن ابنها استطاع إخفاء غيابه عن الأسرة، من خلال أداء صوت والده عندما كانت المدرسة تتصل بتلفون الأب. تتبادل الشقيقتان النظر، كأنهما، في ظل صدمة غياب الفتى عن المدرسة لأيام، فكرتا باستخدامه لأداء صوت جدّه، لكهما عدلتا عن تنفيذ الفكرة.

رحلة الشقيقتين داخلهما، ثم في اكتشافهما لبعضهما بعضا، ثم لاكتشاف آخرين مثل الصديق في العلاقة العاطفية، والأهم ما كشفتا داخلهما للآخرين غير المنزّهين؛ فخالهما الذي يستنكر عليهما الفعل قام بالسطو على حق أمهما وخالاتهما، كذلك الصديق الذي يستغل حاجة نورا للعلاقة البيضاء للفيلم العرب في ال عام 2025. ولم يكن من الصدفة افتتاح الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان لندن السينمائي الدولي.

إنه فيلم عربيّ، جدير بأن يعرض بدور العرض، وفي المواقع المختلفة، فيلم يعيد لنا الأمل باستعادة ألق العمل السينمائيّ العربيّ والعالميّ، في طرح قضايا الإنسان بلغة بسيطة صادقة وإخراج ذكيّ، يعرف ما يدور داخل المشاهدين؛ فلا يلومهم ولا يتهمهم، بل يتفهمهم، ويقودهم بذكاء الى توسيع العقل والصدر، باتجاه ما هو ضروريّ للخلاصين الفرديّ والعام.

ونختتم الحديث بذكر مفارقة مهمة، وهي أن فيلم ليلى عباس الأول ظهرا مكتملا، كأنها تذكرن ببيت الشاعر أبي العلاء المعريّ:

إني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم يأت به الأوائل