• 12 تموز 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : تحسين يقين

 

ولدت قضية بلادنا في الحروب، واستمرت في ظلها وفي ظل النزاعات بمختلف مستوياتها، فلا الحروب توقف فعلا، ولا حلّت قضيتنا، ولنا أن نستقصي حالة العالم ومنطقتنا جزء منه، وصولا إلى ما نحن فيه، وبالرغم من ذلك، فما زال الاحتلال يعمل على إنهاء القضية لا لحلها فعليا، أكان ذلك من خلال الحروب أو السلام.

لقد بدأ احتلال قديما حروبه، كذلك كان يحاول الوصول الى تسويات معينة هنا، لا لأجل حلّ القضية الفلسطينية، بل لأجل نسفها، كيف لا يفعل ذلك وهو المسبب لها، والمخطط لنفي بلادنا منا ونفينا منها.

لا نختلف في مقاصد الحروب التي شنتها دولة الاحتلال علينا، والآن، وصلنا الى نتيجة صادمة لمن يظن أنه يمكن عقد معاهدات سلام وتطبيع معها، ألا وهي أن اتجاه الاحتلال نحو السلام ليس حقيقيا، بمعنى أنه اتجاه غير أصيل، بل هو استمرار للحرب، والمختلف في الأمر هو وقف الحرب على جبهات معينة، كي يستفرد الاحتلال بجبهات أخرى، وبخاصة هنا في فلسطين المحتلة، حيث تتعمّق الحرب على الشعب الفلسطيني الباقي على أرضه، ليس فقط في الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة، بل على الشعب الفلسطيني الباقي في فلسطين المحتلة عام 1948؛ فكل فلسطيني بالنسبة للاحتلال هو عدو يجب التعامل معه بطريقة ما.

كان من المفترض مثلا الوصول للحلّ، من خلال التفاوض السياسيّ، لكن يبدو أنه كان هناك تبييت لإطالة أمد التفاوض، الذي صار تفاوضا من أجل التفاوض، وهكذا ظهر المصطلح الجديد الذي وصف ذلك، ألا وهو إدارة الصراع لا حلّه.

إدارة الصراع تعني ديمومة الصراع، أي ديمومة الحرب المستترة وراء التفاوض، وهو يذكرنا بمضمون الإدارة بالأزمات، وهي ببساطة استمرار الحرب فعليا على الأرض والبشر، ولكن من خلال الإيحاء بأن الظرف هو ظرف سلام.

وهكذا انشغلنا بالوهم، فيما استمرّ الاحتلال في تفريغ قضايا الحلّ الدائم من مضامينها. وهي، للتذكير لمن نسي، أو تعريف لمن لا يعرف، هي القضايا التي تمّ الاتفاق على حلها من 3 الى 5 سنوات، وهي: القدس، اللاجئون، المستوطنات، الحدود والأمن، السيادة والمياه. وبالطبع كما نرى هي القضايا التي تشكّل جوهر الصراع. 

في فلسطين المحتلة، وبصراحة، لم نكن نثق بنوايا الاحتلال، فلم تمرّ سوى بضع سنوات، حتى بتنا نرى تعميق الاحتلال وتجذره، وحينما وصلنا الى عام 1999، وهو آخر الأعوام الخمسة المخصصة زمنيا للحلّ (3-5 سنوات)، لم نكن قد انتهينا من تطبيق الانسحابات من المناطق المسماة باء. وكانت تلك مفارقة صادمة، حيث ذهبنا الة مفاوضات عام 2000، بقصد الحلّ الدائم، ووقتها تساءلنا بسخرية: كيف سنصل لهذا الحلّ إذا كان تطبيق اتفاقية أوسلو لم يتمّ، فكيف بالحديث عن قضايا جوهرية عمل الاحتلال على تفريغها؟

لم يؤجل الاحتلال قضايا القدس، اللاجئون، المستوطنات، الحدود والأمن، السيادة والمياه، من أجل حلّها، بل من أجل عدم الحل الذي يعني تعميق الاحتلال.

والآن يتعمّق اكتشاف الاحتلال بعد هذه الحروب، والسلام، بأنه لم يحقق أهدافه؛ فما زال الشعب الفلسطيني على أرضه، في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي أريد لها أن تكون كانتونات معزولة، من أجل إلغاء فكرة دولة فلسطين، وما زال الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة متشبثا بالبقاء رغم العنصرية، وما زال الشعب الفلسطيني في الشتات متمسكا بحقّ العودة، والذي هو حقّ حصريّ مكفول دوليا.

حسب الجهاز المركزي للإحصاء، فإن عدد أبناء وبنات شعبنا في العالم بلغ نحو 15.5 مليون نسمة مع نهاية عام 2025. إن هذا العدد يستفزّ دولة الاحتلال، ذلك أن علاقة الشعب الفلسطيني بأرضه علاقة عضوية عميقة، وإن أقصى أماني الفلسطينيين هي العودة الى الوطن، في حين لم تعد دولة الاحتلال جاذبة للمستوطنين تماما، فقلا ندري عدد من انتقل الى خارجها، كذلك لم تعد هذه الدولة جاذبة لليهود لترك بلادهم التي عاشوا فيها، والهجرة الى دولة الاحتلال قلقة الوجود.

في كلّ يوم، يتعمّق لدى الجيل الجديد في الضفة الغربية وقطاع غزة، بأن البقاء هنا هو جوهر مقاومة الاحتلال. وهكذا فإن هذا الجيل راح يبحث عن أساليب العيش، مستفيدا من تحولات الحياة المعاصرة، من أجل توظيفها لتسهيل العيش، خاصة في العمل لتأمين دخول تكفي لتمويل حياتهم كأفراد وأسر صغيرة.

إن بطش الاحتلال بشعبنا في غزة والضفة، والتطرف في القتل والتدمير الى حدّ وصفه عالميا بالإبادة، يعني ان الاحتلال يضيق بوجود البشر هنا. لذلك، فإن الحديث عن حلول سلمية للمستقبل أمر مشكوك فيها موضوعيا من الجميع.

لقد أُعلن في منتصف عام 2026 عن إطلاق حزب "لكلنا مكان"، كحزب سياسي عربي يهودي مشترك في (إسرائيل)، بهدف إحداث تغيير سياسي وإسقاط الحكومة الحالية، والحزب بالطبع يخصّ فلسطينيي عام 1948 والمستوطنين اليهود، بهدف العيش المشترك بعيدا عن العنصرية، فهل سنشهد وعيا جديدا يتعلق بوجودنا جميعا؟ 

منظومة السلام والعدالة واحدة، فلن يتحقق شعار "لكلنا مكان" فعليا، في واقع نشهد فيه تغييبا لفلسطينيي عام 1967، بمعنى أن جوهر الفلسطينيين واحد، ولن يجدي إيجاد حلول لفلسطينيي عام 1948 دون إيجاد حلول للفلسطينيين في كل مكان، أي أن أي حلّ سياسي يجب ان يأخذ بالاعتبار حال 13 مليون ونصف المليون فلسطيني.

طريق السلام واضحة لمن يؤمن بالمشي فيها، أما من يختار الحرب، أو السلام (بقصد الحرب) فلن يقطف ثمار السلام.

أما نحن، فما زلنا قائمين هنا لا بفضل المنظمات الدولية، ولا الدولة العدوة والصديقة، بل بفضل إيمان البشر العاديّ والطبيعيّ بأن العيش المستقر لا يكون الا في الوطن، "فليس لنا إلا هذا الوطن"