- 5 آب 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : د. علي قليبو
ملخص:
تفكك هذه الدراسة تاريخ تشكل البنية العمرانية والإدارية والاجتماعية لمدينة القدس في أعقاب حرب القرم (1853–1856)، راصدة الانتقال الثقافي للمجتمع المقدسي من سياق "النص الفقهي الشامل؛ أي الشريعة وأحكامها" إلى سياق بيروقراطي تنظيمي مستحدث، حيث تتتبع المقالة تاريخ التشكل البنيوي للمقدسيين من العائلات العريقة القدم والمرتبطة بالفقه والشريعة والفكر الصوفي المستقرة داخل الأسوار متخذين المدارس والخانقاوات والزوايا الصوفية التاريخية منازلاً لهم، والتي وفدت إلى القدس مع الفتح العمري أو التحرير الأيوبي، وانتقال شريحة منها إلى القصور والمنازل خارج السور. يتبين للباحث في تاريخ القدس الاجتماعي أن هذه الشريحة من الموظفين الإداريين في البيروقراطية العلمانية العثمانية لم تفد من الخارج، بل هي جزء لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية للعائلات المقدسية العريقة القدم؛ حيث تتقاطع تفاصيلها الوقفية المتجسدة in وقفية الشيخ محمد بن شرف الدين الخليلي لعام 1726، لتكشف عن شبكة ممتدة من علاقات المصاهرة والنسب. ومن خلال الفحص الميداني لسجلات المحكمة الشرعية ودفاتر الطابو (الخاقاني)، يشير البحث إلى أن استلام هذه الشريحة زمام المنظومة الحديثة وإدارتها وانتفاعها من قانون الأراضي العثماني لعام 1858 وتأسيس البلدية عام 1863، قد اعتمد بنيوياً على إجراءات بيروقراطية قانونية لتسليع أراضي المشاع للقرى المحيطة، وتهميش العائلات التاريخية الممتدة منذ الفتح العمري والعهود الأيوبية والمملوكية، في وقت أتاح فيه هذا الانفراد المهني والتخصص الإداري لتلك الشريحة تحقيق عوائد مالية مستحدثة فاقت حجم رأس المال التقليدي القديم، مما وفر لها تدفقات ربحية وفيرة عززت مكانتها الجديدة. وتخلص الدراسة إلى كشف خلاصة معرفية كبرى تفيد بأن المجتمع الفلسطيني لم يعتنق العلمانية كخيار فكري وفلسفي داخلي، بل خضع لعلمانية إدارية وهيكلية قسرية فككت روابطه التقليدية لتسليع أرضه؛ مما أنتج "مفارقة وجودية" عاشها الأفنديات بين حداثتهم السلوكية الخاصة واستدعائهم للشعار والمقدسات الدينية كدرع إثني وقومي لحماية البقاء في مواجهة الاستعمار الإحلالي ونكوص الجنرال اللنبي عن عقود الحكر.
تعد الحقبة الممتدة بين نهاية حرب القرم (1856) ومطلع الانتداب البريطاني على فلسطين (1920) واحدة من أكثر المراحل التاريخية إقصاء في الأرشيف الثقافي العربي المعاصر. فالأدبيات التاريخية السائدة غالبا ما تقفز فوق هذه العقود الستة، لتختزل المجتمع الفلسطيني في القرن العشرين وكأنه انبثق طفرة ككتلة سياسية راديكالية تواجه الاستعمار، مغفلة المخاض الأنثروبولوجي الجذري والصامت الذي أعاد تشكيل وعي المدينة، وهيكلة بنيتها الاجتماعية، وإعادة إنتاج مفهومها عن الأرض، والسلطة، والمجال العام (مناع، 1999؛ Schölch, 1986). إن هذا الحجب المعرفي لا يمثل مجرد "سهو تاريخي"، بل هو "إقصاء بنيوي" مارسته البيروقراطية الاستعمارية اللاحقة لمحو استمرارية العائلات الوقفية العريقة وإدارتها المبكرة للمدينة (Pappé, 2010; Derrida, 1996; Foucault, 1972; Seikaly, 2016). وهو محو يهدف إلى إخفاء كيفية تحول هذا المجال الحضري في القدس من فضاء تحكمه "سلطة النص الفقهي" والمنظومة الوقفية، إلى فضاء خاضع لهيمنة البيروقراطية العلمانية وقوانين التنظيمات العثمانية المتأخرة (Habermas, 1989).
لقد ظهر تحول بنية المدينة وإدارتها من منحنى فقهي إلى بلدية تدار بيروقراطياً بقوانين مستحدثة منفصلة عن الفقه الإسلامي ملموساً في "الدفتر الخاقاني" (دفاتر الطابو العثماني) ومقارنته بسجلات محكمة القدس الشرعية للحقبة ذاتها، الذي يقدم الشاهد الأقوى على تبدل هذه الآليات؛ إذ لم يعد مجرد وثيقة لثبت الملكية العقارية العادية، بل غدا أداة سيادية سلطانية كبرى جسدت ذراع الدولة المباشرة في جرد الأراضي وربطها بالمركز في الأستانة، وهو ما انتزع وصاية تسجيل العقارات تاريخياً من سلطة المحاكم الشرعية المحلية. إن هذا التبدل البنيوي تمهد رسمياً مع مطلع عصر "التنظيمات" العثمانية، ولا سيما عقب صدور "الخط الهمايوني" وقانون الأراضي العثماني لعام 1858 في عهد السلطان عبد المجيد الأول؛ حيث فرض هذا القانون تسجيل الأراضي والمقاطعات بأسماء الأفراد، واضعاً أسس الملكية الخاصة المعاصرة، ومضعفاً في الوقت ذاته منظومة المشاع والوقف التقليدي لصالح البيروقراطية المركزية. وتأكد هذا التباين الجذري في العقود التالية لعهد السلطان عبد المجيد الأول بظهور مؤسسة البلدية وتكامل قوانينها الحضرية، ليرسخ هذا الكيان الإداري الجديد فصلاً مؤسساتياً موازياً وبديلاً عن الشرع الفقهي القديم، ومكرساً العلمانية الإدارية على أرض الواقع (Mundy and Smith, 2007; Schölch, 1986).)
لم تنفصل التيارات الفكرية والنفسية والاجتماعية لدى المقدسيين عن الانتشار العمراني في ضواحيها، بل واكبته خطوة بخطوة؛ فالقدس قبل منتصف القرن التاسع عشر كانت بمجملها داخل أسوارها التاريخية في ظل تراص ديموغرافي واجتماعي مكثف، حيث كان النمط السكني المهيمن هو "السكن العائلي المرتبط بأفراد الحامولة". وكان قصر الشيخ محمد الخليلي خارج باب الساهرة حدثاً استثنائياً في القرن الثامن عشر، وشاهداً مبكراً على تمدد العائلات الوقفية (محكمة القدس الشرعية، 1726؛ Qleibo, 2011). وخلا هذا الاستثناء، كانت الحياة داخل الصروح الأيوبية والمملوكية—سواء كانت مدرسة في السابق، أم خانقاه، أم زاوية، أم رباطاً—هي النسق السائد الذي يجسد نمط السكن لشريحة الشيوخ ورجال الدين والعلم، وذلك في إطار العائلة الممتدة، أي السبط العائلي؛ حيث تجاور أولاد العم في المنشأة الواحدة، ونجد بيوتاً متصلة عبر ساحة سماوية مع بقية الغرف—حيث انفرد كل ابن عم بغرفة منفصلة تدعى بيتاً، لتشير وتحدد هوية المتكلم بأنه ابن العم فلان من العائلة كذا، ومن "البيت" كذا؛ أي من منزل العائلة وابن فلان. وفي هذه المنازل وفي هذا الإطار المعيشي، حيث يتداخل الخاص بالعام، وحيث تتقارب جدران المنازل وتتقابل الأبواب والشبابيك، نسجت العلاقات الاجتماعية لتربط بين مختلف الأحياء والعائلات والطوائف بنسيج اجتماعي ديني متصل، ما بين مجاورين للأقصى متجذرين في الأوقاف الذرية المتوارثة، وما بين أروقة الكنائس والأديرة الملحقة بها، في إطار ديموغرافي وبنية اقتصادية تشارك المقدسيون من مسلمين ونصارى من خلالها كافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية (Doumani, 1995; Qleibo, 2018).
تتماوج تفاصيل هذا النسيج المادي والروحي الحي في الذاكرة المقدسية المعاصرة لتنسج أسطورة "أيام الخير"؛ حين عاش المجتمع في ظل تعايش إنساني وثيق، وتشارك في اقتصاد محلي مبني على التكافل والتكامل اليومي الفعلي. وتكشف السجلات الشرعية والمحاضر المحلية بدقة كيف صاغت هذه الأدوات التقليدية شبكات مادية واقتصادية واجتماعية نابضة بالحياة لأهل فلسطين، نائية عن جفاف القوانين الفوقية التي فرضتها المراكز البيروقراطية والاستعمارية اللاحقة؛ لتؤكد أن "النص الفقهي والمنظومة الوقفية" لم تكن مجرد أحكام مجردة، بل كانت الضامن الفعلي لـ "اقتصاد قيمي وإنساني مشترك" تعايش فيه المسلم والمسيحي في تفاصيل الحياة والإنتاج (Barthes, 1968; Doumani, 1995; مناع، 1999).
ومع صدور خط همايون المرتبط بالسماح ببيع الأراضي للأجانب وقانون الأراضي لعام 1858 وتأسيس بلدية القدس عام 1863، واكبت بعض العائلات المقدسية الثرية الانتشار العمراني الأجنبي وانتشروا في ضواحي القدس الشمالية، حيث كانت هذه الأراضي والمصايف—ككرم الشيخ، وكرم المفتي، وكرم العلمي، وأراضي عائلات الأنصاري والمؤقت والهدمي—ملكاً ثابتاً لهم منذ القرن الخامس عشر والعهود المملوكية والعثمانية اللاحقة؛ إذ تواترت شهادات وأسماء الرحالة في وصفها نذكر منهم: ابن بطوطة، والبلوي، والنابلسي، واللقيمي، مؤكدين أن المقدسيين يقيمون بها في المصايف، فاستحالت تلك الكروم إلى الأراضي وسط الكروم حيث بنوا منازلهم الكبيرة، متخذين من قصر الشيخ محمد الخليلي نموذجاً عمرانياً لها، لينتقل معها السبط العائلي والبنية الاجتماعية للعائلات الممتدة. وقد رافق هذا الانتشار العمراني المقدسي اتساع رقعة البناء والاستيطان الأجنبي بالقدس؛ حيث تم بناء النوتردام، والمطلع، والدومينيكان، وشميدت، وجوباط، وشنلّر، ومنتيفيوري بالنمط المعماري الغربي، أما منازل المقدسيين فلقد بنيت بالطراز العربي امتداداً للعمارة في داخل الأسوار لكن بصورة مستقلة تعكس قيم التمدن الصاعدة (سجلات محكمة القدس الشرعية؛ البلوي، 1337؛ اللقيمي، 1730؛ ابن بطوطة، 1325؛ النابلسي، 1690؛ Doumani, 1995; Kark and Oren-Nordheim, 2001; Qleibo, 2011, 2018; Schölch, 1986؛ مناع، 1999).
عكس هذا الانتقال المعماري والمكاني تمهيداً انتقال بنيوي أعمق في تكوين المجتمع؛ بدأ يتبلور مع انقسام تماسك العائلة الممتدة التي تشترك في المسكن الواحد داخل الأسوار، ممهداً—في عقود لاحقة بلغت ذروتها في عهد الانتداب—لظهور العائلة الحديثة واستقلالها السكني. غير أن بواكير هذا التحول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تجسدت في تلك المنازل المستقلة الضخمة، التي شيدت كنسخة مكررة لعمائر البلدة القديمة بغرفها المتناثرة وبلا واجهات هندسية مميزة. وشكل هذا المنزل المستقل المحاط بسوره الخاص قطعاً تدريجياً للارتباط اليومي والجمعي بحياة العائلات والحارة القديمة، وتجلت فيه ملامح السياسات الحضرية الجديدة؛ حيث تحول الفرد من كونه مرجعية تقليدية يعيش وسط أهله وأقاربه في منزله القديم، ليغدو "أفندياً" يقطن في ضاحية معمرة. وغدت علاقاته واجتماعاته تدار ببروتوكولات مدنية ودبلوماسية فرضها صعود النفوذ الأوروبي وتعاظم صلاته مع قناصل فرنسا وبريطانيا وبروسيا، سواء استقبلهم في مضافات منزله الضخم أو فاوضهم في دوائر المدينة الرسمية كالسرايا ومقر مجلس بلدية القدس الناشئ. أثمرت هذه التهيئة النفسية والمكانية في إعادة تشكيل وعي هذه الشريحة، وجعلتها أكثر تقبلاً لآليات التحديث الإداري والبيروقراطي (Hourani, يرتبط غموض هذه الفترة التاريخية وتعتيمها المعرفي بخبث اجتماعي مارسته الشريحة الانتهازية التي استأثرت بالوظائف الإدارية العليا في ظل المنظومة الاستعمارية البريطانية، فقللوا من شأن بقية العائلات، وتم تهميش أصحاب العديد من العائلات العريقة. ومن ناحية أخرى، عزز ذلك حقد طبقي واجتماعي، إلى جانب عجز معرفي بنيوي لدى كتاب فلسطينيين تعاموا عن أدوات التحليل المحلية؛ فعجزوا تماماً عن فهم التركيبة الاجتماعية الديموغرافية للمدينة، ليدفعهم هذا القصور الفكري إلى تبني قوالب خارجية صيرتهم مستشرقين في قراءتهم لتاريخهم، وهو ما بات يُعرف في النقد السوسيولوجي بـ "الاستشراق الداخلي الميكانيكي". وهكذا تم تشويه وطمس وحجب تاريخ القدس الاجتماعي ليتبدوا في أدبياتهم الباردة وكأن عائلتين هما الأصل والكل في المدينة، مبرزين صراعاً ثنائياً يذوب وينفي الوجود الوجاهي والثقافي لبقية البيوتات العريقة، ومختزلين النسيج المدني العريض في صراعات سياسية ضيقة (سعيد، 1978؛ تماري، 2005، 2008).
وترتب على ذلك التعتيم والاختزال المعرفي نشر الفكرة والادعاءات الصهيونية الكبرى بأنها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"؛ فعندما قام أولئك الكتاب والمستشرقون باختزال مجتمع القدس بأكمله في عائلتين أو ثلاث وتذويب بقية النسيج المدني العريض، صوروا المجتمع الفلسطيني للمراقب الخارجي وللإدارة الاستعمارية وكأنه فضاء ديموغرافي فارغ، يفتقر إلى بنية اجتماعية متماسكة، ولا يضم سوى "أقلية" معزولة من الأعيان المتصارعين سياسياً، بدلاً من كونه مجتمعاً حضرياً عريقاً، حياً، ومتكاملاً بوقفياته ومصايفه وعائلاته الممتدة المترابطة بالمصاهرة والنسب منذ قرون. إذ تطلب استقرار هذا النفوذ المستحدث طمس ومحو الشرعية التاريخية لرجال الإفتاء والعلماء والعائلات العريقة—كالأنصاري، والمؤقت، والهدمي، والخليلي، وقليبو، ونسيبة إلى حد ما، وقطينة، والخطيب، وغيرهم—التي كانت تتولى المناصب العليا في المدينة وصياغة وجدانها. فقبل منتصف القرن التاسع عشر، كان النفوذ الحقيقي يستمد من سند العلم الديني والتصوف الشامل، حيث كانت العائلات المقدسية الكبرى تتنافس على كراسي التدريس وسدانتها في المسجد الأقصى والمدارس الوقفية التاريخية كالمدرسة البلدية والإسعردية. وفي تلك الحقبة، كان من يحمل العمامة والجبة، ويتقن حفظ المتون الفقهية الكلاسيكية، ويشرف على الزوايا الصوفية الممتدة هو من يقود مجتمع المدينة ويحدد معالم سيادتها المحلية (العسلي، د.ت.؛ الخالدي، 1997؛ تماري، 2008).
أدركت العائلات المقدسية بذكائها السياسي، بالتزامن مع انتقال السلطة العثمانية المركزية إلى عصر التنظيمات وتأسيس البلدية والمجالس المحلية، أن أدوات السلطة التقليدية والخطاب الفقهي القديم—أي الشريعة وأحكامها—لم يعودا مجديين بمفردهما في إدارة متصرفية القدس الناشئة المرتبطة مباشرة بالبيروقراطية المركزية في إسطنبول (مناع، 1999). وقاد هذا الإدراك إلى تحول بنيوي في بنية هذه الشريحة عبر التوجه نحو التعليم المدني؛ حيث أسست الدولة العثمانية شبكة تعليمية نظامية موازية للمنظومة الدينية القديمة، تمثلت في المدارس الرشدية والإعدادية، ولم يقتصر هذا التوجه على المؤسسات الحكومية، بل اندفعت العائلات الثرية نحو إلحاق أبنائهم وبناتهم بالمدارس والمعاهد الإرسالية والأجنبية الصاعدة في المدينة؛ كمدرسة الفرير، ومدرسة المطران، وكلية شميدت، ومدرسة جوباط، وغدت العلوم الحديثة كالحساب، والجغرافيا، والتاريخ، وإتقان اللغات الأوروبية الحية البديل المادي للمتون الفقهية الكلاسيكية وعلم الكلام، مما أثمر في صياغة وعي شريحة إدارية متعددة الثقافات (Cohn, 1996; مناع، 1999).
وتعمق هذا الانتقال حين أرسلت عائلات القدس أبناءها إلى العاصمة العثمانية وباريس ولندن لدراسة السياسة، والقانون الوضعي، والهندسة في معاهد رفيعة كالمدرسة الملكية الشاهانية، بالتوازي مع إلحاق بناتهم وأبنائهم بالمدارس التبشيرية الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية الصاعدة في المدينة. وعاد هؤلاء الأبناء برداء سلوكي جديد بالكامل، تمثل في الطربوش العثماني والبدلة الإفرنجية، متخلين عن العمامة والجبة التقليدية (Antonius, 1938).
لم يكن هذا التحول سطحياً يقتصر على اللباس الخارجي، بل تغلغل عبر قنوات تلك المدارس والبعثات ليعيد هندسة تفاصيل المحيط المنزلي لهذه المنازل؛ حيث شهدت أواخر الحقبة العثمانية دخول الأثاث الغربي بما فيه آلات البيانو التي وضعت جنباً إلى جنب مع العود الأصيل لتزين ردهات الاستقبال كرموز للتمدن الجديد. غير أن هذا التحول المادي بلغ ذروته الاجتماعية في عهد الانتداب البريطاني مع تبلور البنية المدنية الحديثة للعائلات، والتي تبنت الخصوصية والسلوك العائلي المستقل عبر إعادة تقسيم المسكن؛ فتعددت غرف النوم بخصوصيتها، واستبدل ارتياد الحمام العام بالمغتسلات الخاصة داخل البيت، وتحول نمط تناول الطعام المشترك بإنشاء غرف سفرة مستقلة تعلوها طاولات الطعام المعاصرة. أعادت هذه التحولات السلوكية والمادية صياغة ذهنية هذه الشريحة وعلاقاتها الأسرية واليومية (قليبو، د.ت.؛ Qleibo, 2011). وصار معيار النفوذ والتوظيف الإداري في المتصرفية أو البلدية قريناً بالشهادة المدنية، والكفاءة البيروقراطية الخالصة، وإتقان اللغتين التركية والفرنسية، ومن بعدها الإنجليزية (Cohn, 1996)، فتراجع دور الشيخ الفقهي إلى أروقة المحكمة لم يكن هذا التحول سطحياً يقتصر على اللباس الخارجي، بل تغلغل عبر قنوات تلك المدارس والبعثات ليعيد هندسة تفاصيل المحيط المنزلي لهذه المنازل؛ حيث شهدت أواخر الحقبة العثمانية دخول الأثاث الغربي بما فيه آلات البيانو التي وضعت جنباً إلى جنب مع العود الأصيل لتزين ردهات الاستقبال كرموز للتمدن الجديد. غير أن هذا التحول المادي بلغ ذروته الاجتماعية في عهد الانتداب البريطاني مع تبلور البنية المدنية الحديثة للعائلات، والتي تبنت الخصوصية والسلوك العائلي المستقل عبر إعادة تقسيم المسكن؛ فتعددت غرف النوم بخصوصيتها، واستبدل ارتياد الحمام العام بالمغتسلات الخاصة داخل البيت، وتحول نمط تناول الطعام المشترك بإنشاء غرف سفرة مستقلة تعلوها طاولات الطعام المعاصرة. أعادت هذه التحولات السلوكية والمادية صياغة ذهنية هذه الشريحة وعلاقاتها الأسرية واليومية (قليبو، د.ت.؛ Qleibo, 2011). وصار معيار النفوذ والتوظيف الإداري في المتصرفية أو البلدية قريناً بالشهادة المدنية، والكفاءة البيروقراطية الخالصة، وإتقان اللغتين التركية والفرنسية، ومن بعدها الإنجليزية (Cohn, 1996)، فتراجع دور الشيخ الفقهي إلى أروقة المحكمة الشرعية (Khalidi, 1997).
رافق هذا التغير البنيوي تحويل الأراضي إلى سلع ذات قيمة تجارية مرتبطة بحركة السوق، وأصول عقارية قابلة للبيع والرهن والتحكير (Owen, 1981). وتجلى هذا التحول العقاري الناشئ عبر هندسة قانونية معقدة مع البعثات والكنائس الأجنبية، استغلت فيها عائلات القدس وشريحة الموظفين منظومة الفقه التقليدية كأداة للالتفاف وشرعنة تسييل الأراضي؛ وظهر ذلك في تطويع عقد "الحكر"—وهو الإيجار طويل الأمد الممتد لتسعة وتسعين عاماً—كحيلة معرفية وقانونية لخصخصة الملكيات وتمرير صفقات السوق (سجلات محكمة القدس الشرعية؛ Doumani, 1995؛ الحوت، 1981). وشيدت البعثات الغربية فوق التلال الإستراتيجية في شمال القدس النزل والمستشفيات؛ كمستشفى المطلع، والمستشفى الفرنسي، ومستشفى العيون "سان جون"، والنزل النمساوي "الهوسبيس". ورغم أن هذا التوجه حقق ريعاً مالياً ضخماً لهذه العائلات عزز من مكانتها، إلا أنه أسهم في الوقت ذاته في تثبيت موطئ قدم دائم للمصالح والقوى الاستعمارية في بنية المدينة (سجلات محكمة القدس الشرعية؛ Doumani, 1995؛ الحوت، 1981؛ Owen, 1981).
لم يكن هذا التحول ساحة لتنافس عائلي حاد، بل أظهر علاقة تكاملية وثيقة وأدواراً موزعة بدقة لإدارة هذا العبور المؤسساتي وحفظ مكانة العائلات. فتولت شرائح عائلية إدارة الواجهة التنظيمية والعقارية للمتصرفية، موظفين حضورهم الاجتماعي خارج الأسوار للدخول في تلك الهندسة العقارية المعقدة مع البعثات الأجنبية عبر عقود الحكر والاستبدال. وفي المقابل، برزت شريحة تكنوقراطية لم تعتمد بالضرورة على الموروث الديني والشرعي التقليدي، بل برع أفرادها في مجالات التجارة والمساحة والهندسة الحديثة، وقادوا عمليات المسح والتخطيط العمراني لبلدية ومتصرفية القدس؛ فلم تكن صيرورة التعامل مع العقارات في نهجهم العملي مجرد فكرة نظرية، بل جرت عبر إجراءات تنفيذية دقيقة وظفت فيها أدوات المساحة وتقنيات الهندسة لتنظيم الأراضي وتقسيم المشاع إلى قطع مفرزة متفاوتة الأحجام، بهدف تسهيل عرضها وتداولها السريع في السوق الناشئ، متبنين خطاً براغماتياً يرى في التحديث البيروقراطي للمدينة—حتى تحت مظلة الانتداب البريطاني لاحقاً—السبيل للحفاظ على النفوذ وإدارة المال العام (Kark and Oren-Nordheim, 2001؛ مناع، 1999). وتكامل هذا الثنائي الإداري والعقاري مع دور شريحة قانونية تخصصت في القوانين الوضعية والمالمحاكم النظامية الناشئة، فكانوا هم المهندسين القانونيين الذين يدققون ويصيغون عقود الحكر والاستبدال من جهة، ويمارسون وعياً سياسياً وبرلمانياً مبكراً تحت قبة مجلس المبعوثان العثماني لفضح ثغرات الطابو والتسجيل التي كان يستغلها السماسرة والبعثات الأجنبية من جهة أخرى (Khalidi, 1997). أثمرت هذه التبعية التبادلية والتعاون البنيوي في صياغة جبهة موحدة، استطاعت تطويع القوانين المستحدثة والبيروقراطية العلمانية العثمانية دون التضحية برأسمالها الرمزي أو مكانتها التقليدية في توجيه شؤون المدينة (Mundy and Smith, 2007). إلا أن استلام هذه الشريحة التكنوقراطية زمام المنظومة الحديثة اعتمد بنيوياً على تهميش وطمس العائلات التقليدية العريقة، والتي كانت تستمد شرعيتها التاريخية من العهود العمرية والأنماط الأيوبية والمملوكية والعثمانية المبكرة حتى حرب القرم. وجرى عزل هؤلاء عزلاً ممنهجاً من مناصبهم المرتبطة بالشريعة والفقه والمنظومة الصوفية، والتقليل عمداً من شأن المرجعيات التقليدية والزوايا والتكايا لتجريدها من نفوذها المادي والاجتماعي، وحصر تسيير شؤون المدينة في يد قلة بيروقراطية مستحدثة (Doumani, 1995; Hourani, 1968).
لم تكن هذه الجبهة العائلية وليدة تحالف سياسي عابر، بل تأسست بنيوياً على شبكة قرابة ومصاهرة ونظام نسب صهر مصالح هذه العائلات من الداخل وعزز استقرارها التاريخي. ويتضح هذا التلاحم السوسيولوجي في تقاطع ملكياتها وعلاقاتها الإرثية في الحجة التأسيسية الشاملة لـ "وقفية الشيخ محمد بن شرف الدين الخليلي عام 1726"؛ إذ يكشف نظام المصاهرة والنسب المدون في السجلات الشرعية كيف وظفت هذه البيوتات زيجاتها لتحصين الثروة العقارية ومنع تفتيتها، محولة الأوقاف الذرية وجداول السهام المتوارثة إلى درع سلالي مادي وروحي يحمي عين الأرض ويصون ديمومة النفوذ (Doumani, 1995؛ محكمة القدس الشرعية، 1726). وبذلك، تلاحمت صلة الدم بالسيادة البيروقراطية الحديثة؛ فبينما كانت هذه الشريحة تدير آليات التحديث الإداري في البلدية والمتصرفية، كانت شبكة المصاهرة التقليدية المرتكزة على أصول الأوقاف العتيقة تضمن إبقاء القيادة ومفاصلها الاقتصادية حكراً على هذه البيوتات، نائية بها عن التلاشي أمام البنى الإدارية المستحدثة للدولة العثمانية المتأخرة (Mundy and Smith, 2007).
يشير هذا التشريحُ الأنثروبولوجي والقانوني في تقاسم الأدوار بين الأقطاب المقدسية الثلاثة عن آلية التحوّل التدريجي لوعي المدينة؛ حيث فكك قانون 1858 البنية الاقتصادية الروحية عبر تحويل العقار المَحْبَس والأرض المشاع إلى سلع عقارية مرتبطة بحركة السوق. وتلاقت عقود الحِكْر لآل الحسيني، مع تكنوقراطية الهندسة البراغماتية وإجراءات التقسيم العقاري لآل النشاشيبي، والصياغات القضائية والوعي البرلماني لآل الخالدي، لتشكل مجتمعةً الأدوات القانونية الإدارية التي أدارت هذا التحوّل التاريخي، وحوّلت بنية القدس من محيطٍ قيميٍّ وروحيٍّ تقليديٍّ مرتبط بالبقاء، إلى أصول رأسمالية وتجارية خاضعة للتداول والسياسات البيروقراطية الحديثة (Doumani, 1995; Hourani, 1968).
ترفع دراسة هذه الحقبة التاريخية الستار عن الغموض والتعتيم المعرفي الذي يكتنف الجذور الحقيقية لمخاض التحديث في فلسطين، وتكشف تاريخ تشكل البنية عن تبدل مركب أعاد هندسة وعي المدينة وبنيتها. ويتضح للمتأمل أن المجتمع الفلسطيني لم يعتنق العلمانية كخيار فكري وفلسفي ناتج عن حركة تنويرية داخلية، بل خضع لعلمانية إدارية وهيكلية قسرية فرضتها التنظيمات العثمانية المتأخرة، والتي تكاملت لاحقاً مع البنية القانونية للانتداب البريطاني؛ وهي علمانية بيروقراطية وإدارية فككت روابط المجتمع التقليدية لتسليع أرضه وتسييلها، محجمة القضاء الشرعي، ومحولة حمى الوقف والمشاع إلى أصول خاضعة لحركة السوق (Schölch, 1986).
وترتب على ذلك التعتيم والاختزال المعرفي نشر الفكرة والادعاءات الصهيونية الكبرى بأنها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"؛ فعندما قام أولئك الكتاب والمستشرقون باختزال مجتمع القدس بأكمله في عائلتين أو ثلاث وتذويب بقية النسيج المدني العريض، صوروا المجتمع الفلسطيني للمراقب الخارجي وللإدارة الاستعمارية وكأنه فضاء ديموغرافي فارغ، يفتقر إلى بنية اجتماعية متماسكة، ولا يضم سوى "أقلية" معزولة من الأعيان المتصارعين سياسياً، بدلاً من كونه مجتمعاً حضرياً عريقاً، حياً، ومتكاملاً بوقفياته ومصايفه وعائلاته الممتدة المترابطة بالمصاهرة والنسب منذ قرون. إذ تطلب استقرار هذا النفوذ المستحدث طمس ومحو الشرعية التاريخية لرجال الإفتاء والعلماء والعائلات العريقة—كالأنصاري، والمؤقت، والهدمي، والخليلي، وقليبو، ونسيبة إلى حد ما، وقطينة، والخطيب، وغيرهم—التي كانت تتولى المناصب العليا في المدينة وصياغة وجدانها. فقبل منتصف القرن التاسع عشر، كان النفوذ الحقيقي يستمد من سند العلم الديني والتصوف الشامل، حيث كانت العائلات المقدسية الكبرى تتنافس على كراسي التدريس وسدانتها في المسجد الأقصى والمدارس الوقفية التاريخية كالمدرسة البلدية والإسعردية. وفي تلك الحقبة، كان من يحمل العمامة والجبة، ويتقن حفظ المتون الفقهية الكلاسيكية، ويشرف على الزوايا الصوفية الممتدة هو من يقود مجتمع المدينة ويحدد معالم سيادتها المحلية (العسلي، د.ت.؛ الخالدي، 1997؛ تماري, 2008).
لقد قاد هذا التحول التاريخي الجذري والإداري القسري إلى نوع من المفارقة الوجودية والمكانية الحادة في بنية العائلات؛ حيث عاش الأفنديات هذه المفارقة بين حداثتهم السلوكية الخاصة والظروف المحيطة بهم. ففي أنماط حياتهم اليومية، وتعليمهم المدني في معاهد إسطنبول وباريس ولندن، وسلوكهم الإداري في البلدية والمتصرفية، فضلاً عن منازلهم المستقلة خارج الأسوار وتأثيثها بالبيانو وغرف السفرة والخصوصية العائلية المستقلة، كانوا يمارسون الحداثة العلمانية في تفاصيل حياتهم (Stoler, 2009). غير أنهم، في خضم معركتهم السياسية لحماية وجودهم الديموغرافي وصون سيادتهم على الأرض ضد المشروع الاستيطاني الإحلالي ونكوص ألنبي عن عقود الحكر، اضطروا لاستدعاء الشعار الديني والشعائري—كالمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وأروقة كنيسة القيامة، وموسم النبي موسى—بوصفها الأدوات الرمزية والوجدانية القادرة على تعبئة الشارع وتوحيد طاقاته (Mattار، 1988; Swedenburg, 1995; قليبو، د.ت.؛ Qleibo, 2011). واقترن بهذه المفارقة الأنثروبولوجية انتقال الدين في الوعي الفلسطيني المعاصر من تشريع مادي كلي ناظم لتفاصيل المعاملات والأسواق أزاحته البيروقراطية العلمانية، ليصبح درعاً إثنياً وهوية وطنية وقومية لحماية الأرض والوجود ضد الاستعمار الإحلالي ونكوص الجنرال ألنبي؛ وهي المفارقة الوجودية التي حوّلت الدين من سياقه القانوني والإجرائي القديم إلى سياق سياسي وقومي مستعص يحمي البقاء التاريخي الكلي (Asad, 2003; Khalidi, 1997). وبناءً على ذلك، فإن ما يتراءى للعيان اليوم على أنه صراع ديني وجودي محض على مدينة القدس، هو في حقيقته البنيوية العميقة إرث معقد لمعركة سياسية وعقارية وقانونية حديثة جداً؛ ولدت وتوطدت فصولها وإفرازاتها التنظيمية في ردهات ومحاكم متصرفية القدس وبلديتها عقب حرب القرم.
- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله (1325م). رحلة ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
- البلوي، خالد بن عيسى (1337م). تاج المفرق في تحلية علماء المشرق (وصف خطط القدس ومصايفها التاريخية).
- الحوت، بيان نويهض (1981). القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917-1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- سجلات محكمة القدس الشرعية. الحجة التأسيسية الشاملة لوقفية الشيخ محمد بن شرف الدين الخليلي لعام 1726م (وتشمل دفاتر الطابو الخاقاني، حجج الحكر، صكوك الاستبدال، وسجلات الملكية العقارية لعائلات الأنصاري، والمؤقت، والهدمي، والخليلي، وقليبو، ونسيبة، وقطينة، والخطيب، والعلمي).
- العسلي، كامل (د.ت.). معاهد العلم في بيت المقدس. عمان: جمعية عمال المطابع التعاونية.
- العسلي، كامل (د.ت.). أجدادنا في أكناف بيت المقدس. عمان: دار الشروق.
- اللقيمي، مصطفى أسعد (1730م). موانح الأنس برحلتي لوادي القدس (شهادات موثقة حول إقامة المقدسيين في المصايف وبروج الكروم).
- مناع، عادل (1999). تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني، 1700-1918: قراءة جديدة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- النابلسي، عبد الغني بن إسماعيل (1690م). الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية.
ثانياً: المراجع الأجنبية (Foreign References)
- Antonius, George (1938). The Arab Awakening: The Story of the Arab National Movement. London: Hamish Hamilton.
- Asad, Talal (2003). Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford: Stanford University Press.
- Barthes, Roland (1968). The Death of the Author. Aspen, No. 5-6.
- Bloch, Marc (1961). Feudal Society. Chicago: University of Chicago Press.
- Cohn, Bernard S. (1996). Colonialism and Its Forms of Knowledge: The British in India. Princeton: Princeton University Press.
- Derrida, Jacques (1996). Archive Fever: A Freudian Impression. Chicago: University of Chicago Press.
- Doumani, Beshara (1995). Rediscovering Palestine: Merchants and Peasants in Jabal Nablus, 1700–1900. Berkeley: University of California Press.
- Foucault, Michel (1972). The Archaeology of Knowledge. New York: Pantheon Books.
- Hourani, Albert (1968). Ottoman Reform and the Politics of Notables. In: The Beginnings of Modernization in the Middle East, Chicago: University of Chicago Press.
- Kark, Ruth and Oren-Nordheim, Michal (2001). Jerusalem and Its Environs: Quarters, Neighborhoods, Villages, 1800–1948. Detroit: Wayne State University Press.
- Khalidi, Rashid (1997). Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York: Columbia University Press.
- Mattar, Philip (1988). The Mufti of Jerusalem: Al-Hajj Amin al-Husayni and the Palestinian National Movement. New York: Columbia University Press.
- Mundy, Martha and Smith, Richard Saumarez (2007). Governing Property, Making the Modern State: Law, Administration and Production in Ottoman Syria. London: I.B. Tauris.
- Pappé, Ilan (2010). The Rise and Fall of a Palestinian Dynasty: The Husaynis, 1700–1948. Berkeley: University of California Press.
- Qleibo, Ali (2011). Jerusalem Architectural Heritage: The Ottoman Period. Jerusalem: Al-Quds University.
- Qleibo, Ali (2018). Jerusalem: Anthropological and Social Studies Outside the Walls. Jerusalem: Field Monographs & Research.
- Schölch, Alexander (1986). Palestine in Transformation, 1856–1882: Studies in Social, Economic and Political Development. Washington, D.C.: Institute for Palestine Studies.
- Seikaly, May (2016). Haifa: Transformation of an Arab Society 1918-1939. London: I.B. Tauris.
- Stoler, Ann Laura (2009). Along the Archival Grain: Epistemic Anxieties and Colonial Common Sense. Princeton: Princeton University Press.
- Swedenburg, Ted (1995). Memories of Revolt: The 1936–1939 Rebellion and the Palestinian National Past. Minneapolis: University of California Press.
- Tamari, Salim (2005). Mountain Against the Sea: Essays on Palestinian Society and Culture. Berkeley: University of California Press.
- Tamari, Salim (2008). Year of the Locust: A Soldier's Diary and the Erasure of Palestine's Ottoman Past. Berkeley: University of California Press.

