- 25 آب 2026
- مقابلة خاصة
في رثاء أستاذي
بقلم : مالك زبلح*
تلقّيت مساء الاثنين الموافق الرابع والعشرين من آب 2026، اتصالاتٍ ورسائلَ عديدةً تحمل إليّ الخبر نفسه: "رحيل أستاذي، فنان فلسطين سليمان منصور" بدت كثرة الاتصالات كأنها محاولةٌ من الأصدقاء لتثبيت حقيقةٍ عجزتُ في اللحظة الأولى عن استيعابها، انتقلتُ بين الرسائل باحثاً عن صيغةٍ تخفف قسوة المعنى، لكن الكلماتِ جميعَها كانت تنتهي عند الغياب.
قرأتُ بعد ذلك كلمات أبنائه وهي تتصدر نعيه: "لقد كُتب الفصل الأخير". حملت العبارةُ وجعَ الأبناء الذين فقدوا أباهم ومصدر حبهم وقوتهم وملاذهم، وفتحت أمامي سؤالاً آخر: هل يستطيع الموت أن يكتب فصلاً أخيراً لفنانٍ ظل طوال حياته يفتح فصولاً جديدةً في الوعي الفلسطيني؟
عرفتُ سليمان منصور، كما عرفه كثيرون من أبناء جيلي، أولَ مرةٍ عبر لوحته «جمل المحامل». سبقت اللوحةُ لقاءَ صاحبها، واستقرت صورتُه في وعيي من خلال ذلك الرجل الذي يحمل القدس على ظهره، منحنياً تحت ثقلها، ومتمسكاً بها في الوقت نفسه. تعرّفتُ إليه لاحقاً فناناً يدير مركز الواسطي للفنون، ثم أستاذاً لي في جامعة القدس. ومع توالي اللقاءات واتساع معرفتي بتجربته، رأيته صانعاً للمعنى وحافظاً للذاكرة، يتجاوز أثره حدود الدرس المباشر إلى الطريقة التي نفهم بها علاقة الفن بالأرض والإنسان والتاريخ.
علّمتني أعماله أن اللوحة تستطيع حمل تاريخ شعبٍ، وأن الرمز البصري قد يتحول إلى جزءٍ من وجدان الناس، وأن الفنان قادرٌ على حماية الحكاية حين تتعرض الأرضُ والصورةُ والروايةُ لمحاولات المحو.
جاء رحيله وأنا أعبر واحداً من أثقل فصول حياتي؛ ففي الثالث والعشرين من تموز 2026 فقدتُ أمي الحبيبة والغالية، وفي الثاني من آب فقدتُ حفيدتها، ابنةَ أخي الحبيبة والرقيقة، ثم جاء الرابع والعشرون من آب حاملاً غياب سليمان منصور. تقاربت هذه التواريخ حتى بدا الحزنُ زمناً قائماً بذاته أعيش داخله. ومن قلب هذا الثقل أكتب عن أستاذي، أكثرَ إدراكاً بأن الإنسان يواصل حضوره فيما منحه للآخرين من حبٍ ومعرفةٍ وجمالٍ.
اللقاء الأخير على درب الغول
كان لقائي الأخير بسليمان منصور في الثامن عشر من آب 2024، في مركز يبوس الثقافي في القدس، خلال الأمسية المخصصة لإطلاق كتاب «على درب الغول»، بالتزامن مع عرض مجموعة من الملصقات المرتبطة بمسيرته الفنية، ولم أكن أعرف أنني أعيش لحظة ستصبح بعد ستة أيام لقائي الأخير به، أصغيت إليه وهو يستعيد محطات من حياته، ورأيته يتأمل طريقاً طويلاً قطعه بين الفن والوطن والتحولات التي عاشها الفلسطيني.
غادرت الندوة بعد أن أنهى سليمان حديثه، وقبل أن يبدأ توقيع الكتاب، لأداء واجب العزاء لصديق عزيز شاركني وجع فقد الأم، ذلك الوطن الأول. تركت ابني أنس في القاعة ليكتشف عن قرب حجم الوطن الذي تختزنه ملامح الفنان. ورغم المرض، بقي سليمان كما عرفه محبوه: (متواضعاً وكريماً وقريباً من الناس)، تقدّم أنس للسلام عليه، وعرّفه بنفسه وأخبره بأنني غادرت قبل قليل، فأرسل إليّ معه نسخة مُهدَاة وموقعة من الكتاب، كتب على صفحتها الأولى: "إلى الصديق مالك زبلح، مع أطيب تمنياتي"، ووضع توقيعه أسفل الكلمات.
تغيّرت دلالة الإهداء بعد رحيله فصار خط يده صوتاً مكتوباً أعود إليه، وصارت نسخة الكتاب مكاناً صغيراً يلتقي فيه الفنان بسيرته، ويلتقي فيه التلميذ بأستاذه مرة أخرى. يحمل عنوان «على درب الغول» دلالة تتجاوز تسمية كتاب سيرة فقد سار منصور في طريق أحاطت به وحوش الاحتلال والاقتلاع ومصادرة المكان، وواجهها بالصورة واللون والرمز، واصل مسيرته مؤمناً بحق الفلسطيني في إنتاج صورته بنفسه، وتقديم حكايته إلى العالم بلغته البصرية الخاصة.
كتابة بدأت ولم تكتمل
سبق اللقاء الأخير تواصل بيننا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أرسلت إلى سليمان منصور مسودة مقالي عن معالجته الفنية لجدار الفصل العنصري، وسألته عن صحته ورأيه فيما كتبت. أجابني ببساطته: "أهلين مالك، أنا منيح نسبيًا، نشكر الله"، ثم عبّر عن إعجابه بالمقال. احتفظت بهذه العبارة دون أن أتوقع أنها ستكون من كلماته الأخيرة إليّ. تكشف بساطتها جانبًا من شخصيته فخلف مكانته الكبيرة ومسيرته الممتدة عقودًا، بقي قريبًا في لغته، متواضعًا في حضوره، وقادرًا على منح تلميذه التقدير بكلمات قليلة.
نُشر المقال في العشرين من آب عبر شبكة «أخبار البلد»، قبل رحيله بأربعة أيام، بعنوان: - اتركه قبيحاً كما هو تناولت فيه الجدار بوصفه بنية قمعية ينبغي للفن أن يكشف حقيقتها ويحول دون تحوله إلى مشهد مألوف أو قابل للتجميل أدرك منصور أن تجميله قد يحجب وظيفته القائمة على الفصل والحصار ومصادرة الأرض والحركة، فأدخله إلى العمل محتفظًا بقبحه، وكاشفًا أثره في الإنسان والمكان والزمن. وقد كان ذلك امتدادًا لفلسفته التي جعلت العمل الفني أداةً لكشف بنية الاحتلال والدفاع عن المعنى الفلسطيني الحي.
وكتبت عن لوحته «عروس الوطن: لينا النابلسي» المنجزة عام 1976، في مقال «كيف تحولت لينا النابلسي من صورة ممنوعة إلى ذاكرة تحررية» قرأت فيها انتقال صورة لينا من الحظر والإخفاء إلى حضور تحرري يتجدد عبر الفن، ويقاوم إخراجها من السردية الفلسطينية.
وتناولت في نص «بين درويش ومنصور: قراءة في هذا البحر لي» عمله «البحر لي» المنجز عام 2016، بوصفه حوارًا بين قصيدة محمود درويش وفرشاة منصور. يصور العمل امرأة وفتاة وطفلًا يسيرون على الشاطئ، حاملين قلمًا وفرشاة وبندقية وغصن زيتون ومفتاح العودة، وفوقهم حمامة بيضاء. يجمع التكوين الثقافة والمقاومة والسلام والعودة، ويؤكد التمسك بالحقوق الفلسطينية.
ظل في جعبتي الكثير مما أردت كتابته. رحل قبل أن تنتهي الأسئلة، وبقيت أعمال تنتظر مني الاقتراب منها. فما كتبته لم يكن سوى بداية، وتجربته أوسع من النصوص التي حاولت قراءتها.
معجم سليمان منصور البصري لفلسطين
صاغ سليمان منصور من التجربة الفلسطينية لغةً بصريةً استطاعت عبور الحدود، استمد مفرداتها من الأرض والناس، القدس والزيتون والبرتقال، والمرأة الفلسطينية والثوب والتطريز، والقرية والبحر والحجر، والوجه الذي يجمع الحزن والكبرياء.
حملت هذه العناصر تاريخ المكان وحق الإنسان فيه، وأعاد منصور تشكيلها حتى غدت قادرة على مخاطبة الفلسطيني في وطنه ومنفاه، والوصول إلى مشاهدٍ ينتمي إلى ثقافة أخرى. جاءت عالمية تجربته من صدق ارتباطها ببيئتها، وقدرتها على نقل الخاص الفلسطيني إلى أفق إنساني أرحب.
تتجلى هذه القدرة في لوحته الأشهر «جمل المحامل». يظهر الرجل منحنياً تحت ثقل القدس التي يحملها على ظهره فيما يكشف انحناؤه عن عبء المدينة وقوة التمسك بها. يحميها بجسده ويواصل السير، فتختصر اللوحة علاقة الفلسطيني بالقدس بوصفها ذاكرةً ومسؤوليةً وكرامة بقاء.
غادرت «جمل المحامل» صالات العرض والمتاحف، ودخلت البيوت والمخيمات والمدارس والكتب والملصقات. رأى الناس فيها صورتهم وصورة وطنهم، فتحولت من عمل يحمل توقيع صاحبه إلى رمز جمعي يتداوله المجتمع ويعيد إنتاج معانيه، حقق منصور بذلك واحدة من أسمى وظائف الفن: أن يصبح العمل جزءاً من حياة الناس وطريقتهم في فهم أنفسهم.
تكشف أعماله وعياً عميقاً بقوة الصورة، وإدراكاً بأن الصراع على فلسطين يشمل تمثيلها أيضاً: من يرسمها، وكيف تظهر، وأي معنى تحمله إلى العالم. لذلك ظل الفلسطيني في لوحاته حاضراً وفاعلاً وصاحب حق، حتى حين ثقل الجسد، وتهدد المكان، وحوصرت الطريق.
الخامة و بناء المجال الفني
امتد تجديد سليمان منصور من الصورة إلى مادتها، فخلال الانتفاضة الأولى ومع تصاعد الدعوات إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية اتجه مع رفاقه في جماعة «نحو التجريب والإبداع» إلى استخدام خامات محلية مثل الطين والحناء والقش، منح هذا الاختيار الخامة دلالة ثقافية وسياسية. دخل تراب فلسطين في جسد العمل، وصارت الأرض حاضرة في الفكرة والتكوين معاً، ربط منصور بين الشكل الفني والاعتماد على الذات وكشف أن مقاومة الاحتلال قد تبدأ من اختيار الفنان لأدواته وطريقة إنتاج عمله.
حافظت هذه التجارب على حيوية مسيرته، ومكّنته من التنقل بين الرسم والنحت والملصق والمواد الطبيعية مع احتفاظه بهويته الفنية، واصل البحث عن صيغ تستجيب لتحولات الواقع وتوسّع قدرة الفن على التعبير وإنتاج المعنى.
اتسع دوره من إنجاز أعماله إلى بناء المجال الذي يحتضن التجربة الفنية الفلسطينية، شارك في تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين ومركز الواسطي للفنون في القدس والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، وساعد في إيجاد مساحات تتيح للأجيال الجديدة أن تتعلم وتجرّب وتبحث عن لغتها الخاصة، وتكتسب مساهمته المؤسسية أهميتها في واقع واجهت فيه الثقافة الفلسطينية ضعف الموارد والبنية التنظيمية إلى جانب القيود السياسية والاستعمارية، ساعد منصور على تثبيت حضور الفن الفلسطيني ونقل خبرته إلى الطلبة والفنانين الشباب، وربط الممارسة الفردية بمسؤولية جماعية تجاه المجتمع، لهذا تتصل خسارة رحيله بمستويات متعددة من تجربته، صنع أعمالاً راسخة وفتح الطريق أمام آخرين وشارك في بناء مؤسسات تحمي المعرفة الفنية وتنقلها، ويُقاس إرثه بما أنجزه بنفسه، وبما أتاح للأجيال التالية أن تنجزه.
ما الذي يبقى بعد الرحيل؟
أستعيد اليوم أحد الحوارات التي شاركت فيها بحضور سليمان منصور، حين تناول الحديث الموت والخوف منه وما يتركه الرحيل وراءه. عبّر يومها، بحسب ما بقي في ذاكرتي من معنى كلامه، عن رغبته في أن يتمكن من الاطلاع على ما سيقوله الناس وما سيكتبونه عنه بعد غيابه، بدت الفكرة حينها أقرب إلى فضول إنساني تجاه صورته في عيون الآخرين، لكنها تعود اليوم بوقع مؤلم. ها نحن نكتب عنه، فيما يغيب القارئ الذي تمنينا أن تصل إليه كلماتنا، ولو أمكنه أن يطّلع على ما يُقال لرأى مقدار حضوره في حياة الناس ولعرف أن فلسطين التي رسمها أصبحت جزءاً من الطريقة التي يراها بها العالم.
أكتب هذه الكلمات تلميذاً تتبع تجربة أستاذه، وفناناً تعلّم أن العمل البصري يستطيع حماية الحكاية، وكاتباً بقي في جعبته الكثير مما أراد قوله، وأكتبها من داخل تجربة فقد شخصية ثقيلة جعلتني أعي أن الغياب لا يمحو ما زرعه الراحلون فينا وأن الوفاء يبدأ بصون ما منحوه لحياتنا من معنى.
أتقدم بأحر التعازي إلى أبنائه وعائلته ومحبيه وتلاميذه، وإلى الحركة الفنية والثقافية الفلسطينية والعربية، وإلى كل من رأى فلسطين بعينيه ومن خلال أعماله.
وداعاً سليمان منصور، ستبقى فلسطين التي حملتها إلى العالم شاهدة على جمالك وصدقك، وسيظل حضورك قائماً في اللوحات التي أنجزتها وفي الأجيال التي تعلمت منك وفي كل عين عرفت عبر فنك كيف ترى الأرض والإنسان والحق، كُتب الفصل الأخير في حياتك، أما ما تركته لنا فسيواصل كتابة فصوله في ذاكرة لا تعرف الرحيل.
* مالك زبلح كاتب وباحث وفنان بصري

