- 2 تشرين الثاني 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب خليل احمد العسلي :
يسعدنا في شبكة " أخبار البلد" المقدسية أن تخصص حيزا من صفحاتها لشخصية مقدسية ابداعت في تسجيل القدس وحكايتها عبر عدستها وأصبحت صورها عنوانا آخر من عناوين الراوية المقدسية والان قررت ان تكتب لتعزيز هذا التوثيق في ابسط اسلوب ليصل لكل قارئ وعاشق للقدس اينما تواجد ، انه الناشط المجتمعي " منير عارف قليبو" .
كما هي شبكة اخبار البلد" المقدسية على مدار عشرات السنين فإنها نشرت وتنشر لكل قلم صادق في حب القدس المدينة التي لا مثيل لها في العالم ، ولدينا في الإرشيف عشرات ممن بدأوا مشوارهم الكتابي الثقافي على صفحات "أخبار البلد" والان وصل الى اعلى الاماكن الإعلامية في أهم المنصات والصحف العالمية.
فأهلا وسهلا بك ايها المقدسي الغيور
بقلم : منير عارف قليبو
كنت أتصفّح إعلانات أربع فعاليات ثقافية وتراثية فلسطينية في بلعين وبيت لحم وأريحا والقدس.
أول ما استوقفني كان التقويم: الفعاليات الأربع تقع كلها في ثلاثة أيام متتالية، وثلاث منها تنطلق في يوم الخميس نفسه، اثنتان منها في الساعة الثالثة عصراً بالتمام.
اثنتان من الفعاليات الأربع تحتفيان بالزيتون، في اليوم نفسه، وعلى بُعد عشرين كيلومتراً إحداهما من الأخرى. المزارع الذي يحمل زيته إلى إحداهما لن يستطيع حمله إلى الأخرى، والعائلة التي تقصد بيت لحم لن تكون في بلعين. نتنافس على الجمهور القليل نفسه، والصحافة نفسها، والخميس نفسه، ثم نتساءل لماذا جاء الحضور هزيلاً. فوجدتني أعود إلى سؤال طرحته مراراً: لماذا لا يزال ينقصنا تقويم وطني موحّد يشمل جميع فعالياتنا ومهرجاناتنا الثقافية؟
لكنني حين أمعنت النظر في الملصقات الأربعة، استوقفني أمر آخر.
الألوان جميلة، والتصاميم جذّابة، والصور مصقولة. أغصان الزيتون تتسلّل من زوايا ثلاثة منها. الخلفيات بلون الرَّقّ الباهت ذاته، وسلال الثمر اللامع ذاتها، والضوء الذهبي ذاته يسقط على الحجر العسلي ذاته. لم أستطع التخلّص من شعور بأنني أمام أربع نسخ من صورة واحدة، كأنّ يدا خفية كانت تعمل مع المؤسسات الأربع .
هل بدأنا نفقد متعة التفكير والإبداع، بعد أن صارت الآلات قادرة على أن تفكّر وتصمّم وتكتب نيابةً عنّا؟
الطاولة التي كنّا نجتمع حولها
أذكر زمناً كنّا نجلس فيه معاً ساعات طويلة نتناقش في فكرة ملصق، أو عنوان مهرجان، أو تصميم كُتيّب. يقترح أحدنا فكرة، فيعترض عليها آخر، ويرسم ثالث شيئاً على ظهر مغلّف، ثم يفاجئنا رابع بفكرة لم تخطر لأحد، فتنقلب النقاشات كلّها رأساً على عقب.
كنّا نتجادل ونتنافس ونجرّب، ونبحث عن الصورة غير المألوفة، أو الجملة الواحدة القادرة على أن تحمل روح المناسبة. كانت أدواتنا متواضعة، لكنّ خيالنا كان حيّاً. ولم تكن قيمة عملنا في جمال ما ننتجه فحسب، بل في الرحلة الفكرية والإبداعية التي أوصلتنا إليه.
أمّا اليوم، فبضعة أسطر تُكتب في تطبيق الذكاء الاصطناعي، أو رسالة قصيرة إلى شركة إعلامية، تكون كافية لإنتاج تصميم أنيق في دقائق، بألوان مبهرة، ووجوه بلا عيب، وصور تبدو احترافية. فأين ذهبت كل تلك النقاشات والخلافات والمحاولات الفاشلة التي كانت تلد الفكرة قبل أن تلد الإعلان؟
ليست المشكلة أنّ الآلات صارت مبدعة، بل أنّ البشر قد يكفّون عن محاولة الإبداع.
ترامٌ عند بوابة لا يمرّ بها
تأمّلوا ملصق القدس الذي وزعته مدرسة دار الاولاد في القدس . إنه يدعونا إلى جولة مشي من باب الخليل إلى المصرارة، جولة عن الكيفية التي عاشت بها المدينة على جانبَي الخط الذي قسمها. وإلى جانب الدعوة صورة لقطار خفيف ينساب عند أقدام بوابة عظيمة مسنّنة الأسوار، تتدفّق نحوها جموع السيّاح. على حدّ علمي لا وجود لمشهد كهذا: القطار الخفيف يسير في شارع يافا ويمرّ قرب السور عند باب العامود، لكنه لا يمرّ تحت باب الخليل.
إنها صورة جميلة لمكان لا وجود له. كلّ من سار من باب الخليل نزولاً إلى ماميلا يعرف أنّ لا ترام هناك، والبوابة في الصورة تبدو محيطة من أكثر من بوابة. لا أستطيع أن أجزم بأنّ آلة هي التي صنعتها، وربما عمل المنظّمون مع مصمّم فعلاً. لكنّ الصورة تحمل كل علامات ما وُلّد ولم يُرَ: معقولة، ذهبية، مزدحمة… وخاطئة.
لو تعلّق الأمر بعلامة تجارية، لكان حرجاً صغيراً. أمّا في جولة غايتها كلّها أن تعلّم الناس الجغرافيا الحقيقية لمدينة مقسّمة، فالأمر أكبر من ذلك. وفي القدس تحديداً، حيث يُنازَع حضورنا وأسماء شوارعنا وتاريخنا كل يوم، لا تكون الصورة المتخيَّلة لمدينتنا زينة بريئة. نحن الذين نقضي السنوات نؤكّد أنّ تراثنا حقيقي وموثّق، يجب أن نكون آخر من يزيّنه بالخيال.
ويلاحقني السؤال نفسه إلى ملصق أريحا: شابة في ثوب أسود مطرّز، وشاب أمام دولاب الفخّار، وكلاهما في كمال يكاد يكون مستحيلاً. من أيّ قرية هذا التطريز؟ الخليل؟ رام الله؟ بيت لحم؟ بيت دجن؟ كل غرزة في التطريز الفلسطيني كانت يوماً تقول من أين جاءت صاحبتها. أمّا الصورة التي تركّبها آلة فتستطيع أن تستعير شكل التطريز دون أن تنتمي إلى أيّ قرية. إنها ترتدي تراثنا زيّاً تنكّرياً، لا ذاكرة.
إنصافاً للآلة
لست ضدّ التكنولوجيا. أستخدمها وأقدّرها، وما زلت مفتوناً بما تستطيع فعله، بل إنني أستعين بها في كتابة هذه المقالة نفسها. والأمانة تقتضي أن أجادل نفسي قليلاً.
تشابه ملصقاتنا لم يبدأ مع الذكاء الاصطناعي. كانت لدينا قبله الصور الجاهزة، والقوالب المعلّبة، وثلاثة أغصان زيتون مرسومة تنتقل من مكتب إلى آخر. والأمسيات الطويلة حول الطاولة قتلتها أشياء أخرى أيضاً: مواعيد المانحين التي لا تترك سوى أسبوع بين الموافقة ويوم الافتتاح، وميزانيات فيها بند للضيافة وليس فيها بند لمصمّم، والإيقاع المرهق لمؤسسات تدير خمسة مشاريع بطاقم يكفي لاثنين. وبالنسبة لمركز ثقافي صغير في قرية مثل بلعين، قد تكون أداة تنتج ملصقاً لائقاً في ساعة هي الفارق بين أن تُعلَن الفعالية وألّا تُعلن أصلاً.
الآلة إذن ليست المتّهمة. إنها مرآة، تعكس ما نطلبه منها، وتكشف، وهذا هو المقلق، كم قلّ ما صرنا نطلبه من أنفسنا. المصمّم الموهوب قادر على إنجاز عمل استثنائي بهذه الأدوات. والفرق الحقيقي هو بين من يستخدم التكنولوجيا ليمنح فكرته الأصيلة حياة، ومن ينتظر من التكنولوجيا أن تمنحه الفكرة.
أين الفنان الفلسطيني؟
لهذا يزداد القلق ثقلاً حين نتحدّث عن الثقافة والتراث والهوية. كيف نحتفي بالتطريز الفلسطيني والفخّار وشجرة الزيتون والقدس نفسها، ونحن نترك لآلة أن تتخيّل كيف تبدو؟
أين المصمّم الشاب من أريحا؟ أين الرسّام والخطّاط والمصوّر والحِرَفي الذين يعرفون هذه التفاصيل لأنهم كبروا بينها؟ نحن لا نفتقر إلى الصور الحقيقية. لدينا أرشيفات مليئة بصور قرانا ومواسم قطافنا وشوارعنا، التقطها فلسطينيون على مدى عقود، وقد أمضيت أنا نفسي خمسة عشر عاماً أصوّر هذه الأرض، وأنا واحد من كثيرين. قاطف الزيتون الحقيقي في بلعين، والفخّاري الحقيقي في الخليل، والسور الحقيقي عند باب الخليل، كلّهم هناك ينتظرون من يصوّرهم، وكلفتهم أقلّ بكثير من قيمة خيالنا.
والمفارقة أننا، إذ نوفّر الوقت والمال، نخاطر بخسارة ما هو أثمن بكثير: عادة تدريب عقولنا على التخيّل السؤال والنقد والتجريب. أخشى مستقبلاً تحمل فيه مهرجاناتنا أسماء مختلفة وهوية بصرية واحدة، وتكون فيه مقالاتنا مكتوبة بجمال لكن بلا صوت شخصي، و خطاباتنا بليغة لكنها منفصلة عن التجربة المعيشة، ونحتفي فيه بالإبداع دون أن نكون قد شاركنا في صنع شيء.
تعلّمت عبر السنين أنّ الإبداع نادراً ما يولد من جواب سريع. إنه يولد من سؤال صعب، ومحاولة فاشلة، وخلاف في الرأي، أو من جماعة من الناس حول طاولة يتحدّى بعضهم بعضاً ليفكّروا على نحو مختلف. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يولّد ألف صورة في دقائق، لكن لا ينبغي أبداً أن يسلبنا الرغبة في أن نتخيّل الصورة الألف وواحدة بأنفسنا.
ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مؤسساتنا الثقافية ومدارسنا وجامعاتنا وشركاتنا الإعلامية ليس:
هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل: كيف نستخدمه دون أن نتخلّى عن عقولنا وخيالنا وهويتنا الإبداعية؟
ودعوني أختم باعتراف أجده طريفاً بعض الشيء.
هذه المقالة أيضاً كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. أعطيته مسودّتي وأربعة ملصقات، وطلبت منه أن يحرّر ويوسّع، وأن يجادلني. ففعل. نبّهني إلى الترام الذي لا ينبغي أن يكون هناك، وأصرّ على أنّ الآلة ليست وحدها التي تلام . لكنّ الفكرة، والقلق، وذكريات تلك الأمسيات الطويلة حول الطاولة، والأسئلة… كلّها بدأت منّي، لا من الآلة.
وهذا تحديداً، في رأيي، هو الفارق الذي يجب أن نحافظ عليه.
فلندع الآلات تساعدنا على الإبداع… لكن لا ندعها أبداً تعيش متعة الإبداع بدلاً منّا.

