• 1 تشرين الثاني 2026
  • من اسطنبول

 

 اسطنبول - أخبار البلد - في هذا الفصل العاشر من حكايات اسطنبول التي يكتبها الصحفي والكاتب ” جودت مناع“ وهي جزء من كتابه الذي يحمل عنوان  ” ظلال على البوسفور“ يربط بشكل كبير وممتع ما بين القدس واسطنبول بشكل يؤكد أن هاتين المدينتين لهما تاريخ متشابه وحكايات متشابكة :  

 واليكم الحكاية:

الصعود إلى التلة

بعد مغادرتي اليتيم الخشبي، لم أشعر أنني انتهيت من "بويوك أدا". كان في الجزيرة شيء يدفعني إلى مواصلة السير، كأنني على كوكب آخر. كل طريق فيها يفتح باباً على زمن آخر، هدوء ساحر وترقب. وكل تلة تخفي خلفها حكاية لم تُروَ بعد.

كان هدفي هذه المرة دير القديس جورج، القابع فوق أعلى تلة في الجزيرة.

بدأت الصعود في ساعات ما بعد الظهيرة. كان الطريق يتلوى بين أشجار الصنوبر والسرو، وتنساب رائحة الراتنج في الهواء مع كل خطوة. شيئاً فشيئاً أخذت أصوات الجزيرة تتراجع خلفي. ضجيج الميناء، حركة العربات، أصوات السياح والدراجات، كلها بدأت تبتعد، باستثناء أصوات النوارس المنتشرة خلف المراكب السياحية وفي مستوى أعلى في سماء الجزيرة أثناء عودتها من عرض البحر إلى استانبول. بين حين وآخر. حتى لم يعد يصلني سوى زقزقة طائر بين الأغصان، وحفيف الأوراق، ووقع أقدام الصاعدين معي.

لم يكن الطريق شاقاً بقدر ما كان طويلاً. وربما كان طوله هو الذي منحني تلك المساحة النادرة للتأمل والشغف تجاه تحولات الطبيعة وجمالها.

كلما ارتفعت، اتسع المشهد. البحر الذي تركته خلفي عند الميناء أخذ يظهر من بين الأشجار، ثم يتمدد شيئاً فشيئاً أمام العينين. وبعيداً، كانت إسطنبول تبدو كمدينة معلقة بين الماء والضباب الأبيض الخفيف؛ قباب ومآذن ومبانٍ متراصة، وسفن صغيرة تشق طريقها في مرمرة كأنها تعرف منذ قرون إلى أين تمضي.

توقفت أكثر من مرة لألتقط أنفاسي. وفي كل مرة كنت ألتفت إلى أسفل وأقدام التلال المسترخية على شاطئ مرمرة، فأرى المسافة التي قطعتها، وأفكر في المسافة التي ما زالت تنتظرني. لكن الجولة مثخنة بالاستشراق.

للحظات، شعرت أن الصعود ليس إلى دير فحسب. كان ثمة شيء في داخلي يصعد معي.

تذكرت طرقاً جبلية في فلسطين، تلك الطرق التي عرفتها في طفولتي وشبابي، حين كان الصعود إلى قرية معلقة على سفح جبل يعني أن عليك أن تقبل التعب وتتحداه قبل أن تصل إلى المشهد. وتذكرت كيف كان المرء، بعد صعود طويل، يتوقف ليلتقط أنفاسه، ثم يرفع رأسه فيرى البيوت من أعلى، والوديان الممتدة حولها، فيكتشف أن التعب لم يكن سوى ثمن صغير لرؤية الأشياء من زاوية أخرى.

هكذا كانت مواقع الأديرة في فلسطين.

ربما لهذا السبب أحب الإنسان التلال.

حين نكون في الأسفل، لا نرى إلا جزءاً صغيراً من العالم.

أما حين نصعد، فإن الصورة تتسع.

وهكذا كان طريق القديس جورج بالنسبة إليّ. كنت متشوقاً لرؤية الدير، لا لمجرد اكتشاف معالمه، بل لأستعيد من خلاله شيئاً من إحساس الأيام التي مضت، وأستحضر في وجداني مشاهد مألوفة من مدينتي بيت لحم، حيث تنتصب الأديرة على مساحات شاسعة فوق التلال، كأنها حراس لذاكرة المكان وشهود على تعاقب الأجيال.

كان الشوق يأخذني إلى هناك، إلى تلك المدينة التي تسكن الذاكرة مهما ابتعدت بنا المسافات، حيث تمتزج الحجارة العتيقة بأجراس الكنائس، وتتعانق المآذن مع القباب، في مشهد ألفته العين واطمأن إليه القلب.

وفي قلب بيت لحم، تقف كنيسة المهد، حيث أبصر السيد المسيح النور، بواجهتها العريضة التي تمتد في مواجهة مسجد عمر بن الخطاب، في مشهد استثنائي تتجاور فيه رموز الإيمان، وتلتقي فيه الذاكرة الروحية بتاريخ المدينة وأهلها. كان ذلك المشهد، ولا يزال، أكثر من مجرد صورة معمارية؛ إنه تجسيد لروح التآخي والتجذر في الأرض، ولحكاية شعب فلسطيني جمعته آلام الوطن وآماله، مسلمين ومسيحيين، في مواجهة الاحتلال والدفاع عن هويته وكرامته وحقه في الحياة.

ولعل ما شدّني إلى دير القديس جورج في "بيوك أدة" لم يكن المكان وحده، بل ذلك الحنين الخفي الذي أعادني، ولو للحظات، إلى بيت لحم؛ إلى طفولتي وشبابي وذاكرتي، وإلى مشاهد ظلت محفورة في القلب، لا تمحوها الأيام ولا تبددها المسافات. فبعض الأماكن لا نزورها للمرة الأولى، بل نعود إليها بأرواحنا، حتى وإن كانت خطواتنا تطأ أرضاً أخرى.

لم يعد مجرد طريق يؤدي إلى دير قديم، بل صار طريقاً آخر إلى داخلي؛ طريقاً يجعلني أترك خلفي شيئاً من ضجيج العالم، وأصغي إلى أسئلة أكثر هدوءاً.

واصلت الصعود. وكانت الجزيرة، كلما ارتفعت، تبدو أقل شبهاً بالجزيرة التي عرفتها عند الميناء.

في فلسطين، ترك الفلسطينيون المسيحيون الأوائل آثارًا كثيرة فوق التلال وفي بطون الصحراء؛ أديرةً ومبانيَ قديمة تبدو كأنها معلقة بين الأرض والسماء، تحفظ في حجارتها شيئًا من حكايات الذين مرّوا من هنا قبل قرون.

فوق التلال المطلة على أريحا، إحدى أقدم مدن العالم، ينتصب دير قرنطل، شامخًا في عزلته، كأنه يراقب السهل الممتد تحته، ويستعيد بصمته حكايات العابرين.

وفي الصحراء الشرقية، بعيدًا عن ضوضاء بيت لحم، شُيّد دير مار سابا، ذلك المكان المنعزل الذي ارتبط بتقاليد رهبانية قديمة، حتى إن النساء مُنعن تاريخيًا من دخوله. وقصر النبي موسى  في منفى الأغوارعلى طرق القدس أريحا.

كنت أتأمل هذه الأمكنة وأفكر في أن الأديان، على اختلافها، لم تترك وراءها الكتب والصلوات وحدها، بل تركت أيضًا حجارةً وأقواسًا وأديرةً ومساجدَ وطرقًا قديمة على امتداد سبعة آلاف سنة وفقا للتاريخ المتكئ على جينات أبنائه الفلسطينيين، كأن الماضي تعمّد أن يترك للحاضر علاماتٍ يهتدي بها.

ولعل أجمل ما في هذه الآثار أنها لا تطلب من أحد أن يصدق حكايتها؛ يكفي أن يصعد إليها. ويتوقف أمامها. ويتأملها بصمت باحثاً عن نسغ الأرض في الوجود.

يصعد شابٌ الجبل، أو يمشي ساعات في الصحراء، بحثًا عن أثر قدمٍ تركها أحد الأجداد. يضع يده على حجرٍ أكلته الرياح، ويتخيل يدًا أخرى لامسته قبل مئات السنين. عندها لا يعود التاريخ كتابًا بعيدًا، بل قريباً.

عندما رافقتُ جدي إلى القرية، بعد عشرين عاماً من طرده منها، تسلّقنا التلة المؤدية إليها. كان يمشي أمامي بخطوات بطيئة، كأن الطريق يعرفه أكثر مما يعرفه هو الآن، لكنه كان بشير إلى أماكن تم نسفها بالديناميت لإخفاء الحقيقة وإلباسها الاستيطان الشنيع. وكلما قطعنا بضعة أمتار باتجاه المكان الذي كان يقوم فيه بيته، كنت أسأله:

— كم بقي لنا حتى نصل إلى البيت؟

فيجيبني دون أن يلتفت:

— اقتربنا.

كنت أصدّقه، وأمضي خلفه.

وبعد دقائق، وجدنا أنفسنا واقفين في المكان الذي كان ينبغي أن يكون فيه البيت.

لكن البيت لم يكن هناك.

لم يكن هناك سوى كومة من الحجارة؛ بقايا جدران تناثرت فوق الأرض بعد أن نسفها الإرهابيون الصهاينة بالديناميت. وبين الحجارة، كان التراب يحتفظ ببقايا المكان، فيما شقّت الأعشاب طريقها من بين الركام، خضراءَ عنيدة، كأنها لم تكن تعرف أن هذا المكان شهد يوماً انفجاراً وموتاً وغياباً.

وقفت أتأملها.

كان ثمة شيء غريب في ذلك المشهد: تاريخ ظل جامداً عشرين عاماً، وحياة تتجدد كل ربيع. كأن الأعشاب كانت تقول إن الزمن، مهما حاول الإنسان أن يوقفه، يواصل طريقه. وكأنها، بخروجها من بين الحجارة، تبعث شيئاً من الأمل في قلب كل من يعود إلى المكان بعد غياب طويل.

في تلك اللحظة، خطر لي سؤال لم أجد له جواباً:

هل تشبه زيارة دير القديس جورج في "بيوك آدا" زيارة بيت مناع في قرية زكريا؟

ربما يجمع الزيارتين شيء واحد: الوصول إلى مكان لا يكون مجرد مكان. مكانٌ تحمل أرضه أكثر مما تستطيع العين أن تراه، وتستيقظ عنده ذاكرة لا تحتاج إلى الكلمات.

لكن الانتظار كان مختلفاً.

في زكريا، احتاج جدي إلى عشرين عاماً كي يعود. عشرون عاماً بين الطرد والعودة، بين بيتٍ كان يعرفه حجراً حجراً، وبيتٍ لم يجد منه عند رجوعه إلا حجارة.

أما في "بيوك آدا"، فلم يكن الانتظار من النوع نفسه. كان دير القديس جورج مفتوحاً للزائر، ولم تكن هناك عشرون سنة تفصل بين الرغبة في الوصول والوصول نفسه.

ولم تكن المشاعر واحدة أيضاً.

في زكريا، كان الصعود نحو البيت مواجهةً مع فقدٍ ندفع ثمناً لاستعادته؛ مواجهةً مع أرض بقيت، بينما غاب البيت وأهله وذاكرة المكان كما كانت.

أما في بيوك آدا، فكان الصعود يأخذ معنى آخر؛ مواجهةً مع الطبيعة، ومع الطريق، ومع ذلك الشعور الذي ينتاب الإنسان حين يبتعد عن ضجيج العالم ويقترب من مكانٍ يفرض عليه الصمت.

ومع ذلك، ظل ثمة خيط خفي يصل الزيارتين.

في كلتيهما كان الوصول يعني أكثر من الوصول.

كان يعني أن تطأ قدماك مكاناً سبق أن وطأته الذاكرة، وأن تقف أمام شيء لا تستطيع أن تستعيده كما كان، مهما طال النظر إليه.

لكنني لم أكن أعرف، وأنا أقف إلى جانب جدي بين أطلال بيته، أن بعض الزيارات لا تنتهي حين يغادر المرء المكان.

تبقى الزيارة في داخله.

ربما لهذا بقيت زكريا تسكنني كلما تذكرت جدي.

وربما لهذا أيضاً، حين انتهت الرحلة، لم يكن الموت بعيداً عنه.

توفي جدي بعد تلك الزيارة.

وكأن الرجل الذي انتظر عشرين عاماً كي يعود إلى بيته، لم يكن يحتاج، بعد أن رآه، إلى انتظار شيء آخر.

  الخيوط المعلقة بين السماء والأرض

قبل أن أصل إلى القمة، بدأت ألاحظ شيئاً غريباً على جانبي الطريق.

خيوط بيضاء طويلة تمتد بين الأشجار، وأخرى تلتف حول الأغصان والشجيرات والصخور. بعضها قصير لا يكاد يُرى، وبعضها يمتد لمسافات طويلة بمحاذاة الطريق الصاعد إلى الدير.

في البداية لم أفهم معناها.

وقفت أتأمل أحدها، ثم رأيت زواراً يصعدون وهم يمسكون بخيوط طويلة في أيديهم، وكأن كل واحد منهم يحمل معه أمنية لا يريد أن يتركها في الطريق.

عرفت لاحقاً أن هذا مرتبط بتقليد قديم ارتبط بالصعود إلى دير القديس جورج، حيث يأتي الزوار، خصوصاً في بعض المناسبات، وهم يحملون خيوطاً أو أشرطة يتركونها على امتداد الطريق أو عند الوصول.

هذه التقاليد تعيد إلى ذاكرتي مشهداً مألوفاً من حياة أبناء شعبنا المسيحيين في فلسطين، خلال عيد القديس الخضر، مار جرجس، أو «جورجيوس». ففي هذه المناسبة، يحملون الشموع بأيديهم، ويمضون سيراً على الأقدام قاصدين الكنيسة التي تحمل اسم القديس في بلدة الخضر، تلك البلدة الفلسطينية التي تسكنها أغلبية مسلمة، وكأن الطريق إلى الكنيسة يتحول، في حد ذاته، إلى طقس من طقوس الوفاء والإيمان والرجاء.

وعندما يصلون إلى باحة الكنيسة، يتوقفون قليلاً لالتقاط أنفاسهم، ثم يرسمون إشارة الصليب بأصابعهم على جباههم وصدورهم، في حركة تختصر الكثير من الخشوع والارتباط بالمقدس. غير أن اللافت في هذا المشهد أن المسيرة لم تعد حكراً على المسيحيين الفلسطينيين؛ فقد أصبحت تقليداً تشارك فيه أيضاً عائلات مسلمة، تقطع المسافات نفسها، مدفوعة بما تحمله هذه المناسبة من معانٍ خاصة في وجدانها لإضائة الشموع في الكنيسة.

ولطالما أثار هذا المشهد في نفسي تساؤلات حول تلك المساحة الرحبة التي يلتقي فيها الإيمان الشعبي، وتتجاوز فيها المحبة حدود الاختلاف الديني. فما الذي يدفع عائلة مسلمة وكنت في طفولتي واحداً منها إلى مشاركة جيرانها المسيحيين هذه الرحلة؟ أهو التوارث الاجتماعي، أم الإيمان ببركة القديس، أم ذلك الشعور العميق بأن المقدس لا تحيط به دائماً الحدود التي ترسمها العقائد؟ ربما تجتمع هذه المعاني كلها، وربما ثمة سر آخر لا تستطيع الكلمات الإحاطة به. قد يكون الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني خلال النكبة عام 1948.

لكن ما يبدو لي واضحاً هو أن هذه العادة تحمل دلالة تتجاوز طقوس الزيارة ذاتها؛ إنها تعبير عن ذاكرة مشتركة، وعن ألفة نسجتها الحياة اليومية بين أبناء الأرض الواحدة. ففي فلسطين، لم يكن الجوار بين المسجد والكنيسة مجرد تقارب جغرافي، بل كان، في كثير من الأحيان، علاقة إنسانية تشكلت عبر الأجيال، وتعمقت بالمشاركة في الأفراح والأحزان والنكبة، وبالإحساس المشترك بالانتماء إلى المكان. وربما كانت هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا تجد طريقها دائماً إلى كتب التاريخ، أصدق تعبير عن روح فلسطين وتنوعها الإنساني.

هلى الطريقق إلى الدير لم يكن المشهد بالنسبة إليّ مجرد طقس ديني. شدني فيه شيء إنساني أكثر عمقاً. تأملت الوجوه التي كانت تصعد. شاب يمضي صامتاً. امرأة مسنة تتكئ على عصا. زوجان يمسكان بيد طفل صغير. سائح يتوقف لالتقاط صورة. وزائر يبدو أن المكان بالنسبة إليه ليس موقعاً سياحياً، بل محطة في حياته.

كان لكل واحد منهم سبب مختلف للصعود، لكنهم كانوا جميعاً يحملون شيئاً غير مرئي. أمنية. دعاء. رجاء. بلا شموع خلافاً لتقاليد الفلسطينيين.

خوفاً يريدون أن يتركوه خلفهم.

فكرت أن الإنسان، مهما اختلفت لغته ودينه ووطنه، يحتاج في لحظة ما إلى أن يضع أمله في مكان يتجاوز قدرته الشخصية.

ربما لهذا اخترع البشر الطقوس. ليس لأنهم يملكون يقيناً بأن المعجزة ستحدث، وإنما لأنهم لا يريدون أن يعيشوا من دون أمل. ورجاءً للتخلص من الظلم.

تأملت الخيوط مرة أخرى. كانت تمتد بين الأرض والسماء، بين يد الإنسان وما يتمنى. وفجأة بدا لي أنها تشبه شيئاً أعرفه جيداً. تشبه الخيط الرفيع الذي يمسك به الإنسان حين يشعر أن العالم من حوله أكبر من قدرته على الاحتمال.

نحن جميعاً نمد خيوطاً غير مرئية نحو شيء ما. نحو الله. نحو الوطن. نحو من نحب. نحو من نحب. نحو الماضي. أو حتى نحو مستقبل لا نعرف إن كنا سنصل إليه. ولعل أجمل ما في هذا التقليد أن الخيط نفسه لا يحمل المعجزة. الإنسان هو الذي يمنحه معناها.

واصلت الصعود، وأنا أفكر في تلك الخيوط التي تركها أصحابها خلفهم، وفي كمّ الأمنيات التي يمكن أن تختبئ في طريق واحد.

 

فوق الجزيرة... حيث يلتقي البحر بالسماء

عندما وصلت إلى القمة، كان دير القديس جورج يقف في هدوء فوق التلة، كأنه يعرف أن الصمت هنا جزء من هيبته.

لم يكن البناء ضخماً ولا فخماً إذا ما قورن بقصور إسطنبول وكنائسها ومساجدها، لكنه كان يمتلك شيئاً آخر: انسجاماً كاملاً مع المكان. بدا كأنه لم يُبنَ فوق الجبل، بل خرج منه.

توقفت أمامه لبعض الوقت، ثم تقدمت نحو المكان الذي ينكشف منه البحر. هناك فقط فهمت لماذا كان على الإنسان أن يصعد كل هذا الطريق.

كان المشهد واسعاً إلى درجة يصعب معها أن تستوعبه العين دفعة واحدة. جزر الأمراء متناثرة فوق مياه مرمرة، والجزر البعيدة تبدو كأنها تسبح في زرقة لا نهاية لها. وفي الأفق ظهرت إسطنبول، مدينة القارتين، بقبابها ومآذنها وأبراجها وسفنها التي لا تتوقف عن الحركة.

وقفت طويلاً. لم أكن أبحث عن صورة ألتقطها بهاتفي. كنت أريد أن أحتفظ بالصورة في عيني.

سألت نفسي:

كم من البشر وقفوا هنا قبلي؟

رهبان. بحارة. مسافرون. عشاق. منفيون. أناس جاءوا بحثاً عن البركة، وآخرون جاءوا بدافع الفضول.

ربما وقف كل واحد منهم في المكان نفسه، ورأى البحر نفسه، لكنه لم يرَ الشيء نفسه.

فالبحر لا يعطي صورته ذاتها لكل من ينظر إليه. من ينتظر العودة يراه طريقاً. ومن يعيش المنفى قد يراه فاصلاً بينه وبين وطنه. ومن يبحث عن المستقبل يراه بداية. أما أنا، فقد رأيت الزمن.

رأيت الإمبراطوريات وهي تعبر من هنا وتختفي. رأيت المدن تغير أسماءها، والحدود تتبدل، والرايات ترتفع ثم تسقط. ورأيت البحر يبقى.

البحر لا يسأل من كان الحاكم، ولا من امتلك الأرض، ولا من رسم الحدود. يمر فوق كل ذلك بصمت.

في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أقف أمام منظر طبيعي فحسب، بل أمام كتاب مفتوح لا صفحات له.

كل موجة فيه تحمل زمناً. وكل سفينة تعبره تبدو كأنها فصل جديد.

تذكرت فلسطين.

تذكرت كيف يمكن لمكان صغير أن يحمل تاريخاً أكبر من مساحته، وكيف يمكن لتلة أو بيت أو شجرة أن تصبح شاهداً على أجيال كاملة.

وللحظة، شعرت أن المسافة بين "بيوك أدا" وفلسطين أقل مما تبدو على الخريطة. ففي الحالتين، هناك المكان الذي يبقى، والإنسان الذي يتغير. هناك الذاكرة التي تقاوم النسيان. وهناك الزمن الذي يمضي فوق الجميع.

جلست لبعض الوقت دون أن أقول شيئاً. لم أكن بحاجة إلى الكلام. كان البحر يتكلم نيابة عني.

النزول

عندما بدأت رحلة النزول، كانت الشمس تميل نحو الغروب. أخذ الضوء الذهبي ينساب فوق البحر والتلال والبيوت الخشبية المنتشرة أسفل الجزيرة. بدت الأشجار أكثر هدوءاً، والبيوت أكثر دفئاً، والطريق الذي صعدته قبل ساعات مختلفاً الآن؛ كأنني أراه للمرة الأولى.

كان دير القديس جورج خلفي، واقفاً فوق القمة في صمته القديم. لكن شيئاً منه ظل معي. لم أعد أفكر في الدير باعتباره معلماً تاريخياً فقط، ولا في الخيوط باعتبارها جزءاً من طقس ديني.

كنت أفكر في الإنسان. في ذلك الكائن الذي يمشي مسافات طويلة من أجل أمنية. الذي يصعد تلة لأنه يريد أن يصدق أن شيئاً ما يمكن أن يتغير. الذي يترك خيطاً على شجرة، أو دعاءً في مكان مقدس، أو دمعة في صمت، ثم يعود إلى حياته محملاً بشيء لا يستطيع أن يشرحه.

ربما لا يحتاج الإنسان دائماً إلى معجزة. أحياناً يكفيه أن يشعر بأن أمنيته لم تُترك وحيدة. وأنا أنزل التلة، أدركت أن الطريق الذي صعدته لم يكن طريقاً إلى الدير وحده.

كان طريقاً إلى معنى قديم يسكن الإنسان منذ أن عرف الخوف والأمل. أن نرفع أعيننا إلى السماء حين تضيق بنا الأرض. أن نترك خلفنا شيئاً من أثقالنا. ثم نواصل السير. ربما لهذا بقيت أماكن مثل دير القديس جورج حية عبر القرون. ليس لأنها أوقفت الزمن، بل لأنها جعلت أجيالاً متعاقبة تتوقف للحظة أمامه، وتنظر إلى البحر، ثم إلى السماء، وتسأل السؤال نفسه الذي لم يجد الإنسان له جواباً نهائياً منذ فجر التاريخ:

ماذا يبقى منا حين نمضي؟

واصلت النزول. وكانت الجزيرة تستعيد أصواتها شيئاً فشيئاً. أما أنا، فكنت أحمل معي من التلة أكثر من صورة جميلة. كنت أحمل خيطاً غير مرئي، يصل بين المكان والذاكرة، بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وأمنياته التي يصرّ، رغم كل شيء، على أن يرفعها نحو السماء.