• 2 تشرين الثاني 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : نافذ عسيلة

لم تكن كلمات سمو الأمير الحسن بن طلال، بأن الأردن لن يكون لقمة سائغة، وكلمة الأقليات يجب شطبها، خلال كلمته في بيت عزاء شهداء الأردن بديوان الكرك في دابوق، مجرد مواساة في مناسبة حزينة، بل حملت رسالة وطنية وإنسانية عميقة أكدت وحدة المجتمع الأردني ورسوخ الروابط التاريخية بين المسلمين والمسيحيين. لقد لامستني كلماته بما استحضرته من معاني الأخوة والتآخي التي نشأنا عليها في بلاد الشام، حيث لم يكن الاختلاف في الدين يوما حاجزا بين أبناء المجتمع الواحد، بل جمعتهم الأرض واللغة والتاريخ والجيرة والمصير المشترك.

وتأكيد سموه أن ما يجمع المسلمين والمسيحيين العرب واحد منذ أيام الغساسنة والمناذرة، يعيد التذكير بأن المسيحيين العرب جزء أصيل من تاريخ المنطقة وحضارتها، وشركاء في بناء مجتمعاتها والدفاع عن أرضها وصون هويتها، في مسيرة طويلة من التعايش والتعاون والانتماء العربي المشترك.

ومن هنا تكتسب هذه الرسالة أهميتها، خصوصا في زمن تتزايد فيه محاولات إثارة الانقسامات الدينية والطائفية، وتصوير التنوع باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية. أشعر بالقلق كلما سمعت خطابا يسعى إلى زرع الحواجز بين أبناء المجتمع الواحد، متناسيا أن التنوع مصدر غنى وقوة، وأن تماسك الأوطان لا يقوم على تشابه أبنائها، بل على احترام اختلافاتهم وصون حقوقهم وكرامتهم. أما تأكيد سموه أن الأردن لن يكون لقمة سائغة لمن يريد النيل منه، فيحمل رسالة تتجاوز القوة العسكرية والسياسية، لتؤكد أن مناعة الأردن الحقيقية تكمن في وحدته الداخلية وتماسك شعبه، وفي حماية هويته الوطنية من الفتنة والانقسام. فالأوطان لا تحميها الحدود وحدها، بل يحميها شعور مواطنيها بالمساواة في الحقوق والواجبات والانتماء، وإيمانهم بأن مصيرهم واحد مهما اختلفت معتقداتهم وخلفياتهم.

ولعل أكثر ما استوقفني في حديث الأمير الحسن دعوته إلى شطب كلمة الأقليات من القاموس الأردني. فهي دعوة تحمل معنى وطنيا وإنسانيا عميقا، وتدعو إلى مراجعة استخدام مصطلح قد يتحول من وصف عددي إلى تصنيف اجتماعي وسياسي يميز بين المواطنين، ويضع بعضهم في موقع مختلف عن بقية أبناء الوطن.

فالمسيحي الأردني ليس ضيفا على وطنه، ولا يحتاج إلى شهادة من أحد لإثبات انتمائه، كما أن المسلم لا يملك حصة أكبر في الوطن بسبب اختلاف العقيدة. فكلاهما مواطن كامل الحقوق والواجبات، تجمعهما الأرض والتاريخ والذاكرة والمستقبل. ومن المؤلم أن يشعر أي إنسان بأنه مطالب بإثبات أصالته أو ولائه أو أحقيته في وطن ولد فيه وعاش فيه أجداده. فالمواطنة لا تقاس بالدين، ولا تتفاوت قيمتها باختلاف المعتقد، بل تقوم على المساواة والانتماء والشراكة في بناء الوطن.

وفي الأردن، لا تزال هذه الشراكة حاضرة في المدن والقرى والعشائر والعائلات، وفي تفاصيل الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية والوطنية. فكم من بيت مسلم فتح أبوابه لجاره المسيحي، وكم من عائلة مسيحية شاركت جيرانها المسلمين أفراحهم وأحزانهم. إنها مواقف إنسانية تؤكد أن المحبة والتضامن لا يسألان عن دين الإنسان قبل تقديم العون له. والكرك، التي احتضنت بيت العزاء، تختزن في ذاكرتها الاجتماعية تاريخا من التعدد والتآخي والتكافل بين أبنائها.

ومن منظور مقدسي عايش التعدد الديني والاجتماعي في القدس، أجد في هذه الرسالة صدى يتجاوز حدود المملكة الأردنية الهاشمية ليشمل بلاد الشام بأسرها. فالقدس، مثل الكرك وسائر المدن العربية، عرفت المسلمين والمسيحيين شركاء في المكان والذاكرة والحياة اليومية. وقد عايشت في أزقتها وشوارعها مشاهد إنسانية تؤكد أن ما يجمع الناس أكبر مما يفرقهم، وأن الجيرة والمودة والاحترام المتبادل تصنع روابط راسخة يصعب على الخلافات أن تمحوها. لقد علمتنا القدس أن المآذن وأجراس الكنائس ليست أصواتا متعارضة، بل هي جزء من هوية مدينة عاشت قرونا على التنوع الديني والثقافي. وما زلت أرى في تداخل صوت المؤذن مع قرع أجراس الكنائس صورة تختصر روح القدس وخصوصيتها الإنسانية، مدينة لا يمكن فهم تاريخها أو صون هويتها دون حماية جميع أبنائها ومقدساتها، وضمان حقهم في العيش بكرامة وأمان.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية ليست مسألة دينية فحسب، بل مسؤولية إنسانية ووطنية وأخلاقية، ترتبط بصون كرامة الإنسان وحقه في العبادة والحياة الآمنة، بعيدا عن التمييز والإقصاء.

إن رسالة الأمير الحسن بن طلال تستحق ألا تبقى كلمات تقال في مناسبة عزاء، بل أن تتحول إلى ثقافة وطنية راسخة تنعكس في التعليم والإعلام والخطاب الديني والسياسات العامة، وفي تربية الأجيال على أن الاختلاف الديني لا يلغي وحدة المجتمع، وأن المواطنة لا تتجزأ. كما تقع على عاتق الكتاب والمثقفين والمواطنين مسؤولية الدفاع عن هذه القيم بالكلمة والموقف والممارسة، حتى تنشأ الأجيال القادمة وهي ترى في المسلم والمسيحي شريكين متساويين في بناء الوطن، لا جماعتين تفصل بينهما الحواجز والتسميات. فالأردن الذي يعتز بعروبته وتاريخه لا يحتاج إلى تصنيف أبنائه بين أكثرية وأقلية، بل إلى ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة التي يتساوى فيها الجميع، مع احترام التنوع وصون خصوصية كل مكون، وعدم السماح بتحويل الاختلاف إلى ذريعة للتمييز أو الانتقاص من الحقوق.

وفي النهاية، أرى في كلمات الأمير الحسن رسالة تتجاوز حدود المناسبة، وتذكرنا بأن قوة الأوطان تكمن في احتضان جميع أبنائها، وفي العدل والمساواة والاحترام المتبادل، لا في إقصاء أي مكون أو التقليل من شأنه. وسيبقى الأردن قويا ما دام أبناؤه يدركون أن كرامة المسيحي من كرامة المسلم، وأن حماية حقوق أحدهما هي حماية للوطن بأسره. الأردن وطن لا أقليات فيه، بل مواطنون متساوون، وتاريخ عربي مشترك، وذاكرة واحدة، ومصير يجمع أبناءه.