- 11 آب 2026
- ثقافيات
موسكو - اخبار البلد - كتب المراسل الخاص :
في بداية الشهر الحالي تم افتتاح المعرض الفني الروسي الدولي رقم 224 بعنوان «فلسطين في قلوبنا» في مكتبة إيسترا التي تحمل اسم الكاتب الروسي العظيم، أ. ب. تشيخوف، والتي تحتفل هذا العام بذكرى مرور 115 عاماً على تأسيسها.
هذا المعرض الذي تم تنظيمه من قبل الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية (الجمعية الفلسطينية)، والذي لم يكن مجرد عرضاً لأعمال فنية، بل تحولاً ثقافياً عميقاً يكشف عن الصلة الممتدة عبر العصور بين الشعبين الروسي والفلسطيني.
يقدم المعرض رحلة فنية خاصة للأرض المقدسة، حيث تُعتبر كل لوحة كلمة في حوار مشترك عن الذاكرة والإيمان والكرامة البشرية. وتجسد الوحدة الروحية التي امتدت لاكثر من الف عام من التاريخ المشترك حيث جذور القرابة الروحية بين روسيا وفلسطين تعود إلى عصر اعتناق روسيا المسيحية في عام 988. ومنذ ذلك الحين، كانت فلسطين — أرض حدوث الأحداث الإنجيلية — مركزاً مقدساً للشعب الروسي، ومقياساً للقيم الأخلاقية، ومصدراً للإلهام الديني.
وقد انعكست هذه الصلة الروحية ليس فقط في الحياة الكنسية، بل في الوعي الشعبي أيضاً ، كما يشير أندريه ميخائيلوفيتش كريلوف، المستشار العام لمدينة موسكو، وعضو فرع موسكو في الجمعية الفلسطينية، والأمين العام للمعرض، والذي قال ان التعبير الروسي القديم منذ قرون، حين يسأل الروس بعضهم البعض للتعرف من أي مدينة أو بلدة أو مقاطعة ينحدر زميله، فيسألون بعضهم بعضاً: «أين فلسطينك؟» وهذا متواصل في التقاليد الروسية من جيل إلى جيل، ويعني بذلك الوطن الصغير، المدينة أو القرية أو المدينة الصغيرة التي ينشأ منها الإنسان.
وفي هذا السؤال معنى عميق: فلسطين تحيا في نفس كل روسي كرمز للجذور، كصورة للأرض التي جاءت منها الكلمة عن الحب والرحمة.
ويستحق الاهتمام على وجه الخصوص إسهام أندريه ميخائيلوفيتش كريلوف وجهوده الكبيرة في دعم وتواصل هذا المعرض: فخلال الخمس سنوات الماضية، قام بتنظيم ومتابعة معارض متخصصة في الموضوع الفلسطيني بشكل دؤوب، وتُنظَّم هذه المعارض في موسكو وضواحيها، وبلغ عددها حتى الآن في موسكو وضواحيها فقط أكثر من 60 معرضاً.
وعلى الرغم من هذا الحجم الكبير من العمل، يشعر أندريه ميخائيلوفيتش بأنه ما زال شاباً ومليئاً بالقوة — رغم أنه سيحتفل بعيد ميلاده الـ80 في 1 سبتمبر المقبل 2026. إن طاقته وإخلاصه للعمل يُعدان مثالاً بارزاً على كيفية تجاوز الحواجز العمرية بفعل الحماس الصادق، والمواصلة في العمل الإيجابي لصالح الحوار الثقافي. وتؤكد صفته كعضو في فرع موسكو بالجمعية الفلسطينية على انغماسه العميق في المهمة الاجتماعية والتربوية للجمعية، التي تهدف إلى تعزيز الصلات بين الشعوب وحفظ الذاكرة التاريخية.
أحد أبرز تجليات هذه الوحدة الروحية هو دير القدس الجديد في إيسترا، الذي بُني في القرن السابع عشر حسب مشروع البطريرك نيكون كأيقونة مكانية للأرض المقدسة. فقد تم تصميم المجموعات المعمارية للدير ومحيطه بطريقة متعمدة لترجع إلى المواقع المقدسة الفلسطينية: تم إعادة إنشاء الأسماء والأشكال والطرق، مما ربط رمزياً ضواحي موسكو بمدينة القدس.
وقد مر الدير بأزمات شديدة: في أيام الحرب العالمية الثانية، تم تدميره تقريباً بالكامل، لكنه تم إعادة تأهيله بجهود المرممين وأصدقاء الخير إلى ما كان عليه من العظمة الأصلية. وهذا الأمر نفسه يمثل مجازاً لصلة لا تنقطع: حتى متى تُمحَى الشهادات المادية بالزمن أو الحرب، تبقى الذاكرة الروحية حية وتتجدد.
تكتسب المعرض أهميته الخاصة من كونه يُنفَّذ بتفويض مباشر من رئيس الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية سيرجي فاديموفيتش ستيباشين، وبمباركة رئيس أعضاء الشرف في الجمعية الفلسطينية، البطريرك كيريل لموسكو وسائل روسيا. وتؤكد هذه الرعاية العالية ليس فقط القيمة التاريخية والثقافية للمعرض، بل دوره في تعزيز الصلات الروحية والإنسانية بين شعبي روسيا وفلسطين.
مكتبة إيسترا التي تحمل اسم أ. ب. تشيخوف: مكان للحوار وعلامة تذكارية
تحتفل مكتبة إيسترا التي تحمل اسم الكاتب العظيم أنتون بافلوفيتش تشيخوف هذا العام بمرور 115 عاماً على تأسيسها. وهذه العلامة هي دليل على دورها كحافظة للتقاليد وكمنصب لتبادل الثقافات الحي.
وكان تشيخوف، صاحب النظرة الإنسانية الدقيقة والإيحاء النفسي الراقي، يتناول في أعماله دائماً قضايا الأخلاق والشفقة والمسؤولية. وتستمر وراثته في الحياة داخل جدران المكتبة، التي تخدم اليوم ليس كمخزن للكتب فحسب، بل كمنصب للمبادرات الثقافية التي تجمع بين شعوب مختلفة.
ترتبط تاريخ مدينة إيسترا ارتباطاً وثيقاً بالتطور الروحي والثقافي لضواحي موسكو. وكانت تعرف سابقاً باسم فوسكريسنسك، وأعيد تسميتها باسم نهر إيسترا في عام 1930، والتي تحفظ ضفافه ذكرى العديد من الأحداث التاريخية. وبفضل جوارها لدير القدس الجديد، أصبحت إيسترا واحدة من مراكز الحج والسياحة الثقافية، مكاناً يلتقي فيه الماضي مع الحاضر في مكان واحد للذاكرة.
الذكرى السنوية الـ115 للمكتبة ليست تاريخاً تقليدياً فقط، بل مناسبة لتأكيد مهمتها المستمرة: أن تكون مكاناً لقاء الأفكار والأجيال والثقافات، منصباً يتحدث فيه التاريخ بأصوات معاصريين، وتتجسد فيه التقاليد بأشكال جديدة. ومن ثم، يكون المعرض المخصص لحوار بين روسيا وفلسطين مناسباً جداً لهذا المكان.
جمع معرض «فلسطين في قلوبنا» أعمالاً لفنانين من روسيا وعدد كبير من بلدان العالم، مما جعل المعرض مشروعاً دولياً حقيقياً. ومن بين المشاركين كلاً من الفنانين العالميين وفنانين شباب أيضاً، حيث جمعتهم فلسطين وموضوعها فأضحت بوصلة التفكير الفني العميق.
وتتنوع اللوحات الفنية المعروضة في الأسلوب والتقنية، لكنها متحدة في الموضوع: البحث عن المعنى الروحي والبشري في مناظر الأرض المقدسة. بعض اللوحات تنقل عظمة المدن والأديرة القديمة، وبعضها الآخر ينقل جمال الريف الهادئ، وآخرون ينقلون درامية التاريخ الحديث. وتشعر في هذه الأعمال ليس بالمهارة الفنية فقط، بل بالرغبة الصادقة في فهم وتقديم للجماهير ذلك الهواء الخاص الذي يجعل من فلسطين مكاناً للجذب لأشخاص من ثقافات وأديان مختلفة.
وغالباً ما يتواصل الفنانون الروس مع موضوعات الكتاب المقدس، مرجعاً لها من خلال عدسة الخبرة الوطنية. وأما الفنانون الأجانب، فيقدمون منظوراً خارجياً يسمح برؤية الصور المألوفة من زاوية جديدة. وتكمن هذه الجمعة بين الآراء في إنشاء صورة ثلاثية الأبعاد، حيث تظهر فلسطين ليست كرمز مجرد، بل كأرض حية مليئة بالتاريخ والثقافة والقصص البشرية.
كان منحاً خاصاً للمكتبة أحد الأحداث المهمة في إطار المعرض:
قدم الدكتور بسام فتحي البلعاوي لمديرة المكتبة، تاتيانا فلاديميروفنا فارتانوفا مجموعة من النصوص الفلسطينية كهدية من سيرجي فاديموفيتش ستيباشين. كما تم تقديم للمكتبة لوحة فنية فريدة لا نظير لها في العالم: هي لوحة «المشاير للنصر»، والتي تُظهِر لأول مرة الأبطال العظام مجتمعين معاً في لوحة واحدة، وهذا العمل هو للفنان أناتولي سيلوف، رئيس أكاديمية رسامي العالم «العصر الجديد».
تتميز اللوحة بقيمتها الخاصة ليس كعمل فني فقط، بل كأداة تربوية مهمة. فهي مخصصة لخدمة مهمة التنمية الوطنية للأطفال، وتذكر الجيل الصاعد بالأبطال العظام الذين حرروا البلاد من المحتلين، وترسخ في أذهان الشباب شعوراً بالذاكرة التاريخية وفخرًا بوطنهم.
صدحت في افتتاح المعرض قطع موسيقية كلاسيكية وقصائداً وأناشيداً مخصصة لفلسطين. وقد أصبحت هذه الأشكال الفنية لغة إضافية يتم بها الحوار بين الثقافات. وتتميز الموسيقى والشعر بقدرتهما على نقل ما يصعب التعبير عنه بالكلمات: شعور **التواصل والألم والأمل والثقة بمستقبل افضل.
وأكدت إيجينيا يورييفنا سوتسكوفا من إدارة الثقافة والسياحة في إدارة مقاطعة إيسترا المحلية على أهمية هذا الحوار، مشيرة إلى أن مشاريع من هذا النوع تساعد على تعزيز التفاهم بين الشعوب، وتساهم في بناء جسور الثقة.
وفي ختام الجزء الرسمي، أشارت المديرة تاتيانا فلاديميروفنا فارتانوفا إلى أن التفاعل بين الثقافات ليس مجرد تبادل للأفكار، بل صناعة مشتركة للمستقبل، حيث يسير الاحترام للتقاليد والانفتاح على الجديد يداً بيد. وأكدت أيضاً على أهمية الذكرى الـ 115 للمكتبة كرمز للاستمرارية وخدمة التعليم والثقافة دون انقطاع.
وقام بسام فتحي البلعاوي رئيس جمعية الصداقة والتعاون بين شعوب روسيا وفلسطين، أكاديمي، وسفير السلام الذي كان له دوراً خاصاً في تنظيم المعرض، بتقديم رواية كل عمل فني، وعن القصة الشخصية لكل فنان ودوافعه وأحاسيسه.
وبفضل جهوده، أصبح المعرض ليس مجرد حدثاً فنياً، بل حدثاً تعليمياً يساعد على فهم فلسطين المعاصرة بعمق، ويعرض مكانتها في الفضاء الثقافي العالمي.
يذكرنا هذا المعرض أن الوحدة الروحية بين شعبي روسيا وفلسطين ليست مجرد فكرة، بل واقعاً في ألف عام من التاريخ، في التقاليد، في الفن، وفي الكلمات البسيطة التي تمر في حياة الناس، مثل «أين فلسطينك؟».
وتؤكد الذكرى الـ115 لمكتبة إيسترا التي تحمل اسم أ. ب. تشيخوف أن المؤسسات الثقافية هي النقاط التي تجمع المعاني، وحافظات على الذاكرة، ومنصات لبناء المستقبل. ويضفي النشاط المستمر لأشخاص مثل أ. م. كريلوف، عضو فرع موسكو في الجمعية الفلسطينية، العمق والمنهجية والصدق الاجتماعي لهذه المشاريع.
تظهر هذه المبادرات أن الثقافة قادرة على تجاوز الحدود، وتجمع بين أشخاص يتحدثون بلغات مختلفة، لكنهم يسعون نحو قيم واحدة: الخير والعدل والتفاهم. وفي هذا ما تكمن قوتها العظيمة وأهميتها المستدامة.

