- 10 آب 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : تحسين يقين
أولا وأخيرا: سياسة الاحتلال في السنوات الأخيرة، لها علاقة بما قبلها، وهي سابقة على اتفاق أوسلو 1993، وهي منع قيام دولة فلسطينية يحقق فيها شعبنا مصيره، فكان ما كان من سياسة احتلال فرّغت ما يسمى قضايا الحل الدائم والنهائي من مضمونها، أما السنوات الأخيرة بشكل خاص فهي تنبع من علم نفس الشعوب، من حيث التضييق علينا حتى نقبل ما يتمّ عرضه، أما نحن فيمكن التعامل معه كبداية جديدة لكن لا تقف عند حدّ الحياة اليومية لشعبنا، بل كاستمرار لحلّ سياسيّ، يعني "احنا وراكم وراكم"، ولن تموت فكرة التحرر، ولا الكينونة السياسية. لكننا دوما منفتحون على فكرة الدولة..الدولتين..الثلاث، لأنها ببساطة تعني الدولة الفلسطينية لكل من يعيش عليها، وهذا بالطبع كابوس الاحتلال الأكبر؛ فكل ما فعله الاحتلال من عام 1948، قاد أخيرا الى الدولة الفلسطينية العلمانية لمن اختار أن يعيش بسلام على أرضها.
تكتيكيا: دوليا وإقليميا وعربيا وفلسطينيا، يمكن تحقيق بعض الأمور، ليتسنى بعدها السير في طريق حل القضية الفلسطينية:
• إبعاد حكومة الاحتلال لما يسمى ب “فتيان التلال" عن أراضي المنطقتين"ج" و"ب “.
• إعادة الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى سلطات الاحتلال.
• يرتبط بهما كل ما له علاقة بتسهيل حياة شعبنا.
لكن، حتى هذه الاختراقات العاديّة، فإنها بحاجة لتهيئة ظروف ملائمة مثل تغيّر في النظام السياسي إثر الانتخابات القادمة، تُضعّف من دور اليمين في دولة الاحتلال، خاصة في فلسطين، حتى نقطع على الاحتلال أية مبررات؛ فإعادة الاعتبار للعامل الذاتيّ سيظل يشكّل بيت قصيد البقاء الإبداعي ومواجهة الاحتلال من خلال القوة الناعمة. وهو ما يمكن أن يوحّد ويقوي الموقف العربيّ. أما العامل العربي و(الإقليمي)، فقد صار في الحسبان، أن أي تقدّم في العلاقات في هذه البلاد مربوط بتنفيذ حلّ الدولتين، أو تنفيذ مضمون حق تقرير المصير. في حين سيستجيب العالم (أمريكا وأوروبا) الى هكذا أجماع.
ولكن، فإن ذلك ليس سهلا، وبالطبع ليس سهلا إحداث اختراق تسوويّ بعد الخمس سنوات، فللأسف فإن مجتمع الاحتلال وحكوماته ليس في واد التسويات، فحسب ما رشح من مؤتمر معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي INSS في أواخر تموز السابق، فإن “الصراع مع الفلسطينيين ينظر اليه كتهديد كبير جداً سواء من قبل الجمهور أم الخبراء، والأهم في هذا السياق انه لم يعُد ينظر للصراع كتهديد فحسب، بل بات ينظر اليه كمعضلة استراتيجية يبدو أنها غير قابلة للحل على الأقل في السنوات الخمس القادمة، إذ تظهر النتائج أن ثلث المجتمع والخبراء يرون في سيناريوهات الحل الثلاثة (الدولة الواحدة، الضم دون منح حقوق، حل الدولتين) خطر على إسرائيل".
ليس ذلك لا غريبا ولا عجيبا؛ فما زلنا نتذكر خلاصات مؤتمر هرتسليا، وعبر أكثر من دورة، حين كان يرى خبراء الاحتلال بأن فلسطينيي عام 1948 هم الخطر الإستراتيجي الأول على دولتهم.
فإذا كان الاحتلال هو هكذا، فإن ذلك يعني أنه غير قادر على أن يعرّف نفسه، وهو الذي لا يعرف إلى أين يتجه لا نحن. وعليه ليس أمامنا إلا التفكير والعمل.
التاريخ ما التاريخ؟ ما الفكر ما الأدب ما الحكم؟!
"هو احنا قادرين نقول للحجة غطي"، مثل شعبي يختصر علينا الكثير، خصوصا أنني حين لجأت للبحث عن المثل لعل أجد توثيقا، أجابني ب: "للدلالة على العجز عن توجيه أو لوم شخصية نافذة وقوية"، وهو أيضا "يختصر معاني: رهبة الكبير، صعوبة النقد، والقبول بالأمر الواقع". ولكن، ونحن نعيش ما نعيشه من توتّر وأخطار؛ فإن من الممكن البوح بما ينسجم مع قيمة تحمل المسؤولية.
والقيمة تقودنا الى عالم القيم، والذي هو نتاج حضارة الإنسان على هذه الأرض، التي عبّر عنها محمود درويش كأجمل ما يكون من استحقاقات العيش هنا، وطنيا ووجوديا.
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
وعليها ما يستحق أن نفعله لا أن نقوله أو نحلم به.
قيم عظيمة ترسّخ حضور الحياة وإبداع العيش، بما تكفله القيم من استقرار، ومحاسبة النفس، جميل أن نسائل النفس، "ورحم الله امرأ ذبّ الغيبة عن نفسه"، من منطلق الالتزام، وكثيرا ما أحببت تعليقات والدتي رحمها الله، والتي كانت تكتفي بنصّ المثل الشعبي، فلا تحتاج للشرح، وهو ما يعرف في الأدب ب "فن التوقيعات". لم تكن تعرف أمي ذلك بالطبع، لكن الفطرة الذكية علمتها.
من هذه القيم قيمة التعاون، وهي قيمة مطلقة المضمون، لأن التعاون مفيد، وهناك أدبيات دينية واجتماعية كثيرة تحثّ عليه، وإننا جميعا متفقون على القيمة، لكن المفارقة الصادمة هي في العمل بعكسها، وتزداد المأساة حين يجيء الفعل من النخب القائدة والقدوة.
فما نفعله من سوء من سنوات بدافع الحرص على المصلحة الوطنية العليا، صبّ في مصلحة العدو، لذلك آن الأوان للس أولا.
شخصيا، مع التقدّم بالعمر، تسارع زهدي باستخدام مفردات مثل "يجب وأخواتها مثل ينبغي.."؛ لأن وكما قال محمود درويش: "من أنا لأقول لكم ما أقوله؟"" في قصيدة لاعب النرد.
نحن فرق وأحزاب وفصائل وعائلات، ونحن أيضا شخصيات فاعلة أو يمكن تفعليها أكثر باتجاهات الفعل الوطنيّ. ولكن في ظل هذا الشعور، ينبغي التذكير أن علاقات النظم السياسية ليست مثالية، بل تنافسية في مختلف بلاد العالم، لذلك لجأت النظم الى "العقد السياسي"، الذي نحن كشعب تحت الاحتلال أكثر حاجة له.
يمكن بسهولة تأمل ورصد اللاعبين السياسيين، ويمكن تأمل آخرين، داخل منظمة التحرير وداخل حركة فتح وفصائل العمل الوطني، والشخصيات المستقلة.
فإذا كان هناك مثلا داخل حركة فتح وغيرها شخصيات قادرة على الفعل، فيمكنها التعاون معا، ويمكنها التعاون مع مستقلين، فليس هناك ما يمنع هذا التعاون، حتى ولو ما زلنا ننفر من بعضنا بعضا، فليس الحب هو شرط التعاون بل الوعي والانتماء الوطني وتحمّل المسؤولية. ثم بعدها نكون أكثر قوة في إعادة التضامن العربيّ مع فلسطين، لأنه أصلا تضامن معهم أولا، كونهم مستهدفين من الاحتلال، وحلفائه الساإننا مطالبون أن نرتقي أولا لاستحقاقات المرحلة الراهنة، إلا وهي إبعاد خطر المستوطنين، والتحكم بمواردنا المالية وحق التنقل في الفضاء الفلسطيني. ومن خلال يقظتنا ووحدتنا الوطنية، سنحدث التغيير الأوليّ المطلوب.
في إجابته لسؤال دان كورتز-فيلان من مجلة Foreign Affairs، عن المشهد بعد 5 سنوات في ظل تغيّرات تطال دولة الاحتلال، فقد تفاءل دكتور سلام فيّاض رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، بأننا "سنكون في حال أفضل، سنبدأ بمعالجة الكارثة الإنسانية في غزة، ونمنح الشعب الأمل والأفق السياسي بنيل الحريّة...يجب على أية قيادة حكيمة أن تبدأ بتحسين الحياة اليومية للناس وتوفير احتياجاتهم الأساسية، وتوخي الشفافية المطلقة".
وقتها، بعد 5 سنوات أو أكثر، وبالرغم من عناد الاحتلال، وحيرته في حسم مستقبل العيش هنا، فإنه سيجد نفسه مختارا أو مجبرا على السير في طرق التسوية، بمعنى أن نجاحنا في الفترة الأولى، بوجود حكومة وطنية قادرة، سنحسّن لا من ظروف الحل النهائي، بل ضمان الحصول على أكبر قدر من حقوقنا.
.

