- 2 تشرين الثاني 2026
- ثقافيات
بقلم : أ. د. محمد عبيد الله
كتاب قصصيّ ممتعٌ وآسِر، يُمكن أن نعدّه سردًا استئنافيًّا ينطلق من شخصيات الثلاثية الروائية التي أنجزها محمود شقير منذ سنوات غير بعيدة، ومن أجواء بعض القصص الساخرة ذات التوجّه العالمي التي ظهرت في بعض مجموعاته منذ منتصف تسعينات القرن العشرين.
ينطلق المؤلّف من جملة الشخصيات والأحوال المتخيلة والواقعية التي لامستها الثلاثية، في صورة من صور (الميتاسرد) التي تُتيح للكتابة أن تتأمّل نفسها وتُراجع وقائعها وأساليبها، وتتساءل داخل نسيجها السردي نفسه عن علاقتها المتأرجحة بين المؤلف الضمني والمؤلف الحقيقي، وأثناء ذلك تلوّح بإمكانية أن تندرج فيها بعض فصول السيرة الذاتية، بعد أن يصيبها ما يصيبها من تعديلات وتحويرات تسمح بها الطبيعة التخييلية للكتاب، بعيدًا عن حدود السيرة الذاتية الصريحة. تقترب درجات مما يسمّى بــ "التخييل الذاتي" دون أن تعلن انتماءها إليه صراحة، مبشّرة بصور جديدة من تعقيد العلاقة بين الواقع والمتخيل، وبين السيرة الذاتية الحقيقية والكتابة السردية المُخترعة.
تتواصل وتتفاصل الشخصيات مع بعضها في حي رأس النبع المقدسي، ومع شخصيات أخرى من العالم الواسع ومن العالم العربي والمحيط الفلسطيني نفسه، إنها تكسر الحاجز الفاصل بين الواقع والمتخيل وبين المحلي والعالمي بطرق يعرفها الفلسطينيون، إذ يحضر العالم كله في أحاديثهم ومُسامراتهم، فنرى الواقع الفلسطيني برجاله ونسائه، وبشيوخه وشبابه، وبعامّته وخاصّته... من منظور تأمّلات ناقدة ساخرة جديدة لا تسكت عن عيوبه ولا نقائصه، كما لا تهمل اتصاله بالعالم الواسع، من خلال ما تتداوله الشخصيات من أحاديث جادّة أو هازلة.
يقع هذا الكتاب القصصي في منطقة آسرة من ناحية تجنيسه وأسلوبه، إذ يُبنى بناء متصلًا يتجاوز القصص المفردة المستقلّة لصالح كتاب تنفتح فصوله وأجزاؤه على بعضها دون أن تتطلع إلى تقنيات الرواية أو تلتزم بأسلوبها وطريقتها في البناء؛ إنه كتاب قصصي منسوج بتقنيات القصة القصيرة على نحو فنّي قصدي يريد اختبار إمكانات تلك التقنيات في صياغة نوع سردي جديد يختلف عن الرواية وعن القصة القصيرة معا، فهو منظّم في فصول (تسع نوافذ) وكل نافذة تبدأ بعتبة مقتبسة ذات وظيفة بنائية ودلالية خفيّة، وفي كل فصل أو نافذة مجموعة من القصص المميزة بعناوينها المستقلة، ولكنها مع استقلالها تظل مترابطة مع ما سبقها وما يليها من خلال وحدة الشخصيات وأجواء الكتاب نفسه، والاستناد إلى أحداث وقعت في قصص أخرى، مما يجعله متردّدًا بين منطقتين تنتمي كل منهما إلى جنس أدبي مختلف. وقد تضافر هذا البناء مع تجريب تقنيات لغوية وسردية متعدّدة تشبه اللعب بالسرد في مواقع عديدة من الكتاب. واللعب السردي هو فعل الكاتب المجرّب حين يخشى من الضجر أو التكرار أو الإجبال، فيلجأ إلى ضروب من التجريب والهزل واللعب اللغوي للخروج من أسر السائد والمكرور.
إنّه كتاب قصصي جديد يضاف إلى المكتبة السردية الرفيعة التي أنجزها محمود شقير بدأب واجتهاد طوال عقود، نتعلّم منه أخيرًا أن الكاتب الحقيقي لا يستسلم لما يعرف من خبرات أو تقنيات وإنما يتطلّع دومًا إلى الجديد، دون أن يغادر تمامًا خصوصية تجربته ومناطقها الخصبة.
عمّان 25 ديسمبر 2022
يتبع...

