• 6 تشرين الثاني 2026
  • ثقافيات

 

بقلم : ا. د. زيدان كفافي *

لجبل القلعة في عمان مكانة خاصة عندي، لأن سفحه الشمالي المطل على وادي الحدادة كان المكان الذي استقبلنا في عام 1961م، عند انتقالنا من قريتنا نوبا/ الخليل إلى عمان. حيث انتهيت يومها من تقدم امتحانات "مترك الابتدائي"، ولم يتوفر في قريتنا في تلك الأيام مدرسة إعدادية فقرر والدي رحمه الله أن ينقلنا إلى عمان، حيث كان يعمل، لتسهيل أمر متابعة دراستي الإعدادية، ولم أغادره إلاّ في يوم 6/ 10/ 1977م حين غادرت الأردن إلى ألمانيا لاستكمال دراستي للدكتوراة.

 كان جبل القلعة حينها يؤدي عدة أدوار حياتية، فهو الممر الموصل بين سكننا ووسط البلد، خاصة إذا لم نأخذ طلوع جبل الحسين وسيلة أخرى. كان صوت مدفع افطار رمضان ينطلق من جبل القلعة، وساحة كرة القدم، ومكان التنزه في الربيع للمناطق المحيطة، وخبيزته شهية المذاق. كنا نلعب بين آثاره، ومنها مبنى القصر الأموي "دار الإمارة". أذكر أننا كنا نتسلق إلى سطحه من خلال فتحة في أحد جدرانه، وكان سقفه مفتوحاُ للسماء، وأما البقية الباقية منها فقد تحول لونها إلى السواد من دخان النار التي كانت توقد بداخله أيام الشتاء من قبل بعض زواره.  كما أذكر أننا وعندما كنا طلاب في الإعدادية ندرس في مدرسة الحسين الثانوية (1961-1964م)، كان دوام المدرسة على فترتين صباحية ومسائية يفصلها استراحة طويلة للغداء، وكنا نأتي إلى جبل القلعة ونجلس في ظل شجر الصنوبر المزروع في جهته الغربية. 

وحتى عندما أنهيت دراسة البكالوريوس في الآثار عينت في عام 1972م أميناً لمتحف الآثار بجبل القلعة. وعلى الرغم من بعد المسافة بيني وبين الجبل في العقود الأخيرة، تابعت خلال أكثر من ستين عاماً من حياتي حياة هذا الجبل. فهو مثل الوردة التي تحتل مكاناً بين الورود الأخرى، فمنه تطل على قصر رغدان العامر، وجبل التاج، وجبل الجوفة، وجامع أبو درويش في جبل الأشرفية، وجبل عمان، وجبل اللويبدة، وجبل الحسين، وجبل القصور. إذن هو مركز عمان. وأما على سفحه الجنوبي فقد احتلتها مساكن للناس من الفترة العثمانية، وفيه كهوف آوى إليها الناس في فترة زمنية بعيدة حتى من حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، ولا ننسى أنه كان مقر عاصمة للعمونيين. يبدو أنني لم ولن أستطع الانفكاك من هذا المكان، حتى وبعد أن تقاعدت من جامعة اليرموك، إذ أنني أنشغل الآن مع الدكتورة كاترينا شميدت من جامعة مونستر الألمانية بالتنقيب في قصر عموني فوق هذا الجبل العتيد. 

شاءت الصدف أن تواصل معي الملحق الثقافي في السفارة الألمانية بعمان  السيد "مارتن لور" سائلاً إن كان بالإمكان مرافقة وفد مكون من زائر وزوجته من أعضاء البرلمان الألماني، وعدد من أعضاء السفارة لزيارة الجبل بآثاره ومتحفه، فأبديت رغبة ما بعدها رغبة، وبالفعل هذا ما كان، إذ دفعني الحنين إلى حجارة الجبل التي تحدث عن أخبار بُناتها، فهم ذهبوا لكنها بقيت. ووجدت أن أخبارها متجددة، فكلما زرتها تزودني بمعلومة تاريخية جديدة، فالقصر الأموي، أو دار الأمارة بدى لي بحلة مختلفة تماماً، إذ ألبسه الصديق الاسباني العزيز المعماري أغناثيو آركي، أستاذ العمارة في الجامعة الألمانية-الأردنية، قبة خشبية لتحميه من عاديات الدهر، أما الخرق الذي كان في الجدار ومن خلاله نصعد لأعلى البناء فلم أجده.  وقفت هنيهة وأخذت زفيراً وشهيقاً، وقررت أن أبحث عن مزيد من المعلومات، خاصة حول مبنى دار الأمارة حيث كانت عمان تدار منه في العصر الأموي، وها أنا أضع بعضاً من المعلومات بين أيديكم.

يُعدّ مبنى دار الإمارة في جبل القلعة بعمّان، المعروف أيضاً باسم القصر الأموي (Umayyad Palace)، من أهم المباني المعمارية الإسلامية المبكرة في الأردن، وهو شاهد أثري مهم على الوجود الأموي في مدينة عمّان، التي عُرفت في العصر الإسلامي باسم عمّان. يقع المبنى في الجزء الشمالي من جبل القلعة، ضمن المنطقة التي تضم بقايا المدينة القديمة، بالقرب من معبد هرقل والكنيسة البيزنطية.

يرجح الباحثون أن هذا القصر قد بني في نهاية القرن السابع وبداية الثامن الميلادي (أي بعد 700 ميلادي بقليل)، وهذا تاريخ تقريبي، وكان الهدف من بنائه تنظيم المدينة وتطويرها إدارياً وعمرانياً خاصة بعد انتهاء الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام بعد معركة اليرموك في عام 636م. وكانت وظيفة المبنى، وهو مقر إقامة الوالي، أي المكان الإداري الحكومي، وفيه تستقبل الوفود، ومنه تتم إدارة المدينة. وحيث أنه لم يعثر على أي نص تأسيسي للبناء، فشاعت تسمية البناء بين الناس باسم "القصر الأموي"، علماً أن مصطلح "دار الأمارة" هو الأقرب للصحة اعتماداً على تخطيط وملحقات البناء المعمارية.

الزائر للمبنى يستطيع أن يتبين تخطيطه المعماري، وما هي الملحقات المعمارية التابعة له، ومن أبرزها:

  1. المدخل.
  2. قاعة الاستقبال، ربما خصصت لاستقبال الوفود المهمة، وعلية القوم.
  3. الأجنحة السكنية، وتتضمن غرفاً ووحدات معمارية استخدمت للإقامة.
  4. المسجد.
  5. السوق والحوانيت.
  6. الحمام الأموي.
  7. خزان المياه.

من هنا نرى أن هذه المنشئات المعمارية دليل على أن المبنى جمع بين الوظائف السياسية، والإدارية، والدينية، والتجارية، والإقامة السكنية في آن واحد.

أما خصائص البناء المعمارية فتتلخص بأنه مبني من الحجارة، وفي طريقة بناءه وزخارفه تأثيرات ساسانية، وبيزنطية، ووجود قبة تعلوه، واستخدام الأعمدة والأروقة، وتوظيف الزخارف الجصية والحجارة في زخرفة بعض أجزاء البناء.

ضرب عمان زلزال قوي في سنة 749 ميلادية تسبب في أضرار واسعة في عمرانها، ومنها مبنى دار الإمارة فوق جبل القلعة. ويظهر أن هذا الأمر لم ينه استخدام المبنى، ويعتقد بعض الباحثين أن بعض الأنشطة تمت فيه خلال العصرين العباسي والفاطمي.  حتى أنه أصبح في الوقت الحاضر مكاناً لعقد الندوات والاحتفالات.

مراجع لمن يرغب:

1. Almagro, Antonio. 1982. “The Restoration of the Umayyad Monumental Constructions on the Amman Citadel (1979–1981).” Annual of the Department of Antiquities of Jordan 26: 277–282.

2. Northedge, Alastair. 1992. Studies on Roman and Islamic Amman: The Excavations of 1974–1988. Vol. 1. Oxford: British Institute at Amman for Archaeology and History.

3. Bisheh, Ghazi. 2017. “The Umayyad Complex on the Citadel in Amman: A Landscape of Authority.” Jordan Journal of the Arts 10 (1).

* استاذ شرف جامعة اليرموك