- 5 آب 2014
- حكايات مقدسية
ان الحديث عن القدس وحكايتها هو حديث ذو عبق تاريخي منها حديث لا يتنهى ، وحكايات تنم عن عمق تاريخ العائلات المقدسية التي رغم تقلصه عددها إلا أن تاريخها ضارب جذوره في اعمق هذه المدينة المقدسة ، ولعل اهم القصص هي حكاية كنيسة القيامة والباب والمفتاح
تلك الحكاية التي لم يتم حسمها حتى الان ، وبالتأكيد لن يتم حسمها فهي حكاية القدس بكل اطيافها ونحن هنا نلامس اطراف القصة ولا نخوض بتفاصيلها من باب حق الاجيال المقدسية معرفة تاريخ عائلاتها في المدينة
تعتبر'كنيسة القيامة' في البلدة القديمة الاكثر اهمية للمسيحيين والأكثر قداسة ، لا يمكن الدخول اليها إلا بعد أن يفتحوا بابها الوحيد بمفتاح أعطاه صلاح الدين الأيوبي لعائلة مسلمة حين استعاد القدس من الصليبيين قبل أكثر من 8 قرون، مرفقا بإذن منه أن يكون لها وحدها حق فتحه وإغلاقه بالمفتاح الذي يحتفظ به الآن سليل هذه العائلة، الفلسطيني أديب جواد جودة.
والمتأمل بصورة 'كنيسة القيامة' سيرى بابيها الوحيدين: الأول إلى اليمين، مغلق منذ 827 سنة بأمر من صلاح الدين الأيوبي. أما الثاني إلى اليسار، وهو بارتفاع 5 وعرض 3 أمتار، فبأمره التاريخي أيضا يتم فتحه وإغلاقه بالمفتاح الذي يملكه أديب جودة مع فرمان من أحد الحكام العثمانيين في الماضي البعيد
روى جودة أن صلاح الدين 'خشي من عودة الصليبيين متنكرين برهبان لدخول الكنيسة الشهيرة، فأغلق أحد بابيها وأبقى الثاني للفتح والإغلاق بمفتاح حديدي سلمه عام 1187 لأجدادي من عائلة جودة، لأنهم كانوا شيوخ المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ووجد أن أفضل طريقة لحماية القدس منهم هي أن يعطي مفاتيحها للمؤتمنين عليها، وهي عائلتنا'
وذكر جودة، أن المفتاح الذي أعطاه صلاح الدين لأجداده موجود لديه داخل خزنة بالبيت، لكنه مكسور 'ولا أبيعه في أي مزاد، ولو بملايين الدولارات. أما المفتاح الذي أحتفظ به في الخزنة أيضا، وبه نفتح كل يوم باب الكنيسة الوحيد، فتاريخه من عام 1149 وورثته عن أبي بعد أن تنقل وراثة في عائلتنا منذ ذلك العام' كما قال.
وللكنيسة بواب، هو أيضا فلسطيني مسلم من عائلة نسيبة، يأخذ المفتاح يوميا من أديب جودة في الرابعة فجرا، أو من أحد أبنائه فيما لو كان على سفر أو حال أي مانع آخر من وجوده بالقدس، ويمضي إلى الباب فيضع عنده سلما ليصعد ويفتح قفلا في أعلاه، ثم آخر أسفله، وبذلك تستقبل الكنيسة الأشهر في العالم المسيحي زوارها، وفي الثامنة مساء يفعل الشيء نفسه صعودا على السلم ونزولا لإغلاقها.
ويملك أديب جواد جودة في بيته أيضا 165 فرمانا، أو مرسوما، وصلت إليه بالورثة عن أجداده، وهي من 27 سلطانا عثمانيا حكموا القدس منذ استعادها صلاح الدين، وجميعها تؤكد حق عائلته بحراسة المفتاح 'ومعترف بها من الكنائس في القدس' وفق تعبيره.
مراسيم فتح الباب
يرتل منشد من خارج أبواب كنيسة القيامة "الصلاة تقرع حتى يفتح الباب". وداخل الكنيسة، يعرج الراهب اليوناني، أبونا نيكولاس نحو الباب، ويعبر أمام الحجر الممسوح بالزيت حيث تقول التقاليد أنه موقع تحضير يسوع قبل الدفن، ثم يقوم بفتح الكوة للتأكد من هوية من يقرع الباب.
فيعلن المنشد عن نفسه: "إسماعيل سومريي”. فيدفع الراهب سلما من خلال الكوة. ويضع إسماعيل السلم على الجدار الحجري ويتسلقه. لكنه لا يزال يحتاج إلى المفاتيح، فيسلمه أديب جواد جوده المفاتيح. فيقول وجيه نسبية المسوؤل عن فتح الباب واغلاقه الذي يبلغ منتصف العمر، وهو سليل عائلة فلسطينية أخرى بارزة، "لقد ورثنا هذه المفاتيح من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل".
هذا وتقول الحكمة الشائعة أن "المفتاح الذي يفتح هو المفتاح الذي يغلق" الباب. لكن ذلك ليس صحيحا هنا. فالقفلين الموجودين على الباب يقعان تحت صلاحيات البواب. ويقول نسيبة، "لا يسمح أحد غيري بفتح الكنيسة".
وهكذا تمكنت العائلتان المسلمتان من الاحتفاظ بالمفاتيح والباب بسبب الخلافات داخل الكنيسة.
ويعترف الأب القس صموئيل أغويان، رئيس الأرمن في كنيسة القيامة، "مثل أي إخوة، نحن نتشاجر فيما بيننا في بعض الأحيان".
ويضيف "الكنائس لن تتفق مع بعضها البعض، لذلك تم أخذ المفاتيح بعيداً عن الكنيسة المهيمنة، وعهد بها إلى أتباع إيمان توحيدي محايد يؤمن بالمسيح كنبي–الإسلام". ويقول نسيبة، "لا يجوز للحارس لمس مفتاح الباب، وعليه أن ينتظرني خارج الكنيسة، لأنه لا يسمح لأحد بفتحه.. فقط عائلتنا، عائلة نسيبة".
ويعترف جودة بذلك قائلاً: " أقوم فعلاً بإعطائه المفاتيح... وهو يقوم بفتح وإغلاق الباب. ولكنه بعد ذلك يقوم بإعادة المفاتيح لي".
وتحت هذه القشرة الخارجية من الكياسة، لا يؤدي كل جانب من جوانب الترابط بين حامل المفاتيح وخادم الباب، العلاقات مهذبة. فلكل منهما ما يؤرقه. فيؤكد نسيبة، "في البداية، كنا مجرد عائلة واحدة تحتفظ بمفاتيح الكنيسة".
ويحتج جودة قائلاً: "هذا ما تم النص عليه في الوضع الراهن، وتأكيده في 165 من المراسيم الملكية أو 'الفرمانات" المختومة من 27 سلطاناً حكموا القدس، والمعترف بها من قبل الكنائس، وأيضاً، في اعتقادي، من قبل دولة إسرائيل، أن عائلة نسيبة هي حارس مفاتيح الكنيسة".
ويقول نسيبة على مضض، "وأخيراً، في عام 1612، خلال الحقبة العثمانية، تلقت أسرة أخرى "فرماناً" وبدأت العمل معنا".ويضيف، "عائلتي تلقت مفاتيح الكنيسة من السلطان صلاح الدين الأيوبي العظيم في عام 1187 بعد أن حرر القدس من الصليبيين".
لا يستطيع المرء إلا أن يشعر بأن لغز الأقفال في الكنيسة، ومفاتيح الباب، هي صورة طبق الأصل عن توازن القوى داخل الكنيسة نفسها.
لمحة تاريخية :
كنيسة القيامة من أعرق كنائس بيت المقدس ،استغرق العمل في بنائها أحد عشر عاما إذ بدأ عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانتهى عام ثلاثمائة وستة وثلاثين للميلاد أشرفت على بنائها الملكة هيلانه والدة الإمبراطور قسطنطين ..ويتردد أن هيلانة عثرت أثناء زيارتها إلى بيت المقدس على ما اعتقدت أنه خشبة الصليب الذي علق عليه السيد المسيح ،وأرادت بناء كنيسة في المكان. لبى الإمبراطور رغبة والدته ،ولم يوفر مالا ولا حرفيين أو خبراء في سبيل بناء كنيسة لائقة، وأشرف على البناء بشكل مباشر مهندس سوري اسمه"زينو بيوس،ورجل دين من شيوخ الكنيسة اسمه يوستاثيوس.
تم تكريس كنيسة القيامة سنة ثلاثمائة وست وثلاثين ،وتوجه الأساقفة الذين كانوا يحضرون مجمعا محليا في صور إلى بيت المقدس للمشاركة في حفل التكريس الذي أعلنت فيه قدسية كنسية القيامة أو الضريح المقدس .
يمكن تميز الكنيسة بوضوح في خارطة مأدبا الفسيفسائية ،حيث كان يدخلها الناس من باب ثلاثي لا تزال أقسام منه قائمة حتى اليوم وبني فوق الضريح المقدس بناء مدور ،وبنيت ما بين الباب والمبنى الدور باسيليكا كبيرة ،وخمسة أروقة بين الأعمدة مع جناح مدور بارز في ساحة متسعة ،فبقي موضع الصليب منعزلا على حدة باعتباره مزارا قائما بذاته .
تميز البناء بجلال التصميم ووفرة الزينة ،وأدخلت عليه تحسينات باستمرار منها التزينات التي قامت بها الإمبراطورة يودقيا في منتصف القرن الخامس للميلاد.
تمتعت كنيسة القيامة ولا تزال بأهمية استثنائية وقد وصفها الرحالة المسلمون الذين زاروا بيت المقدس ومنهم ناصر خسروا الذي يقول:"للنصارى في بيت المقدس كنيسة لها عندهم مكانة عظيمة ويحج إليها كل سنة كثير من بلاد الروم.
وهذه الكنيسة فسيحة ،وهي عظيمة الزخزف من الرخام الملون والنقوش والصور .في كنيسة القيامة دير للرهبان الفرنسيين الذين يخدمون في الكنيسة ،وهم ينتسبون إلى القديس فرنسيس الأسيزي الذي جاء إلى القدس سنة ألف ومائتين وتسع عشرة،ووافق البابا اكلمنطس السادس ببراءة بابوية سنة ألف وثلاثمائة واثنين وأربعين على وجود الفرنسيين في الكنيسة على أن يكونوا حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الكاثوليكي وقد قاموا بترميم الكنيسة مرتين أخراهما سنة ألف وسبعمائة وتسع عشرة ،وأقاموا فيها بناء جديدا سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين .
وللرهبان الفرنسيسيين حصة وافرة في كنيسة القيامة ،في كل يوم يقيمون الصلاة إلى جانب طواف يومي في مختلف ربوعها .
إلى جانب هذا الدير الكاثوليكي ،هناك الأديار الأرثوذكسية وأولها دير الروم الأرثوذكس ،أسس بطريك القدس اليوناني جرمانوس أخوية القبر المقدس ،بعد الاحتلال العثماني لفلسطين ويعد أعضاء هذه الأخوية حراس الأراضي المقدسة باسم العالم الأرثوذكسي .
للرهبان الذين يخدمون في الكنيسة مساكن في القيامة عينها وعند ساحة القيامة شرقا يقوم دير القديس إبراهيم الذي اشتروه سنة ألف وستمائة وستين من الأحباش .
منذ أيام البطريك جرمانوس ،عمل الروم الأرثوذكس اليونان على التوسيع في كنيسة القيامة وبعد احتراقها سنة ألف وثمانمائة وثمان ،توصلوا إلى الانفراد بترميم أكبر قسم منها بموجب مخططاتهم ،ولهم اليوم أكبر حصة فيها ،ومنها محور الكنيسة المعروف بنصف الدنيا ،وفي كل يوم يقيمون الصلاة هناك .
وللأرمن الأرثوذكس بعض المساكن في كنيسة القيامة ،ولهم الحصة الثالثة فيها ومنها قسم الرواق الذي يشرف على القبر المقدس وكنيسة القديسة هيلانة ،وهم بدأوا التوسع في الكنيسة منذ القرن السابع عشر الميلادي ،وفي كل يوم يقميون الصلاة هناك .
أما الأقباط الأرثوذكس ،فلهم مكانة ثانوية في الكنيسة ،يؤدون صلواتهم في معبد صغير بنوه ملاصقا للقبر المقدس ،سنة ألف وخمسمائة وأربعين ،ثم جدد بعد حريق سنة ألف وثمانمائة وثمان .
وأخيرا يقيم السريان الأرثوذكس الصلاة كل أحد في معبد للأرمن يقوم حنيه القبر المقدس الغربية .

