• 29 كانون الثاني 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : إبراهيم نصر الله 

 

بين اسم «غزة» ومعنى «الإبادة»، يمتد زمن طويل، أطول بكثير من العامين اللذين عاشتهما غزة تحت النار من أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025، فما قبل بداية الإبادة هناك إبادات كثيرة، و11 حرباً منذ عام 2001، شنت على غزة، تمّ خلالها قتل وجرح عشرات الآلاف من الناس، وتدمير مناطق واسعة من هذه البقعة المحاصرة الضيقة، التي يعجَب المرء كيف كان الأوكسجين كافياً ليعيش فوقها مليونان وثلاثمائة ألف إنسان، وسط حصار خانق سُخِّرت لخدمته كل أشكال التكنولوجيا، وقوة عسكرية منفلتة، تملك رخصة تؤهلها لقتل من تشاء، في الوقت الذي تشاء، في أي مكان تشاء، وبالطريقة التي تشاء، أفراداً وجماعات، من دون وجود أي شكل من أشكال المحاسبة.

.. وبعد الإبادة (التي لم تتوقف عمليًّا) هناك إبادات ستستمر عشرات السنوات وسيعاني منها البشر في غزة أطفالاً وكباراً، وهناك الأمراض التي تركها النزوح والتشرد والجوع، وفجيعة مئات الآلاف ممن أستُشهِد آباؤهم وأمهاتهم وأحبابهم وأبناؤهم وأجِنَّتهم ومواليدهم الجدد في الحاضنات، وهناك التدمير البئي الواسع وما تركه من مخلفات قاتلة للأرض ومصادر المياه، والصحة العامة، وهناك عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض، وهناك أثر المجاعة والآثار النفسية المدمِّرة وما ستتركه من تغيرات من تحولات وراثية تمتد لأجيال، كما أظهرت الأبحاث بشأن عواقب المجاعات والصدمات النفسية، ثم هناك ذلك الرعب الذي لا يكفي وقف إطلاق النار الشّكلي، أو المستمر إن استمر، لمحو ندوبه التي بحجم الرّوح.

لن تنتهي الحرب في غزة، ولن يتلاشى كابوس الإبادة الذي سيرافق أهلها، لا كذكرى، بل كفعل مستمر يسلبهم كل طعم ممكن للحياة، وقد أصبح الأمل لا يقلّ قسوة عن اليأس.

لقد استيقظت فلسطين ذات يوم، قبل أكثر من مائة وعشرين عاماً على فكرة الإبادة، وهي إبادة لم تتوقف، إبادة لأهلها، وإبادة لمدنها وقراها، إبادة لتاريخها وثقافتها واغتيالات لكتابها ومبدعيها ومفكريها، وإبادة لحوالي 500 بلدة وقرية تمّ محوها تمامًا، وإبادة لأسماء مدنها والمواقع التاريخية والأنهار والوديان والجبال فيها، وكان لهذه الإبادات هدف واحد في النهاية هو التطهير العرقيّ للفلسطينيين وإحلال قوة عسكرية مهاجرة قادمة من بلاد كثيرة من خلف البحار، مكانهم.

من هنا، فإن هذه الشهادات التي يضمها هذا الكتاب، والكتاب الذي سبقه، بقدر ما تقول ما عاشه أصحابها في عامَي الإبادة، بقدر ما تفتح أبواب الذاكرة على إبادات سابقة، لولاها لما كانت هذه الإبادة.

هكذا، تبدو جراح الفلسطيني هنا أشبه بسلسلة طويلة (جنزير)، كل حلقة منها متداخلة مع الحلقة التي تليها، لا حتى الآن، فحسب، بل حتى المستقبل البعيد.

لذا، لا تُقرأ هذه الشهادات بمعزل عن شهادات تمّ توثيقها سابقًا، أو لم توثق بسبب موت أصحابها؛ أولئك الذين كانوا يحلمون بالعودة إلى فلسطينهم التي هُجِّروا منها وهم يتحسسون مفاتيح بيوتهم، لأن العودة المأمولة كانت ستتم، كما حلموا، قبل أن ينتهي الواحد منهم من سرد شهادته لنفسه، أو لمن يوثِّقها.

يمكن أن أشير هنا إلى التجربة الذاتية في جمع الشهادات التي عشتُها منذ منتصف الثمانينيات بعد مرور أكثر من 28 عاماً على النكبة، فقد كان الناس الذين ألتقيهم يظنون أن تسجيل شهاداتهم شكل من أشكال فقدان الأمل بالعودة، لأن كل شخص كان يريد أن تكون نهاية شهادته هناك في بيته الذي طُرد منه بعد عودته إلى ذلك البيت، ليكون التهجير ماضيًا ونهاية الشهادة هي العودة.

كل فلسطيني هُجِّر من أرضه عاش تجارب مختلفة عن الآخر، فأولئك الذين عانوا من كل أشكال التمييز تحت الحكم العسكري (الإسرائيلي)، بعد النكبة، في فلسطين التاريخية، عاشوا معاناة غير تلك التي عاشها الفلسطيني في لبنان، سوريا، الأردن، مصر، العراق، ليبيا، وبقية أنحاء العالم، ومن عاشوا في غزة اختبروا معاناة لم يعشها أي من أولئك في هذه المنافي، وظروفاً حياتية وثقافية وسياسية وأحياناً إبادية، غير هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.

لقد حُكِمَ على غزة أن تعيش في أكبر سجن في العالم، منذ عام 1948، عام النكبة، وتصاعدت قسوة هذا السجن منذ احتلالها عام 1967، فعانت مما ليس من الدّقة أن نسميه حصاراً فحسب، لأنها عاشت في قفص يسهُل على القوة المُحتلة أن تقتل من فيه، وتُجوِّع من فيه، وتُميت من فيه بالأمراض والقهر، وتحديد كمية السعرات الحرارية الكافية للإنسان أن يعيش لا أن يكون كائناً حيًّا حسب القوانين التي سنَّتها الإنسانية واتفقت عليها.

لقد عاشت غزة كل أشكال الحصار، ومعها فلسطين كلها، وهو ما حال دون وصول صوتها إلى العالم، لكن غزة في مجملها لم تتوقف يوماً عن قرع جدران سجنها، بل قرع جدران العالم العربي والضمير الإنساني في كل مكان، وقرع كل جدار حاول الانقضاض على القضية الفلسطينية وذاكرتها، وصولاً إلى اللحظة التي تمكنت فيه من هدم هذه الجدران وتجاوزها بوصول صوت جراحها إلى العالم، على الرغم من كل الحروب التي شُنَّت لاقتلاع أهلها من المكان، بل واقتلاعها نفسها وإلقائها في البحر كما صرح أكثر من وزير صهيوني، وصولاً إلى الدعوة للتخلّص منها باستخدام قنبلة نووية.

ولعل ما يستحق الإشارة إليه تلك اليوميات التي صدرت عن غزة أثناء الحروب التي شنّت عليها؛ من «يوميات غزة: مقاومة دائمة، 1971» لمعين بسيسو، إلى «وقت مستقطع للنجاة: يوميات الحرب في غزة، 2024» لعاطف أبو سيف، مروراً بما كتبه باسم النبريص وخالد جمعة ونعمة حسن، وناصر رباح، ومصعب أبو توهة، ويسري الغول، وناهض زقوت، والكاتب الشهيد سليم نفار، والكاتب الشهيد رفعت العرعير، والكاتبة الشهيدة هبة أبو ندى، وغيرهم، والشهادات الجماعية، وكذلك القصائد والقصص التي ضمتها كتب كثيرة، وما ضمّه هذا الكتاب من نصوص بجزأيه الأول والثاني، بحيث يمكننا القول إن كل كاتب وكاتبة فيها ساهموا في كتابة «كتاب غزة» الكبير، سواء بيوميّاتهم أو بأعمالهم الإبداعية.

ذات يوم من عام 2023، بينما كنتُ أكتب عن غزة رواية «أعراس آمنة» التي صدرت ترجماتها بعنوان «أعراس غزة»، وأتابع بطلتها «رندة» وهي تجمع الحكايات وصور الأطفال، كما فعل المشاركون في هذا الكتاب، كتبتُ جملة كانت صاعقة بالنسبة إليّ، جعلتني أتوقف أمامها طويلا، لاستعادة مسيرتي الكتابية كلها. تلك الجملة التي كثفت مشروعيَ الكتابي في كلمات قليلة «أتعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبُها، إنها تصبح مُلكا لأعدائنا».

اليوم، والمرء يقرأ «غزة تروي إبادتها»، والكتب الأخرى القادمة من هناك، يصبح على يقين من أن غزة التي لم تستسلم لوحشية الإبادة ولم ترفع راية بيضاء على الرغم من عامين داميين، مزقتها خلالهما مئات آلاف الأطنان من القنابل، ليست مستعدة لأن تتنازل عن حكاياتها، ولن تسمح بأن تكون هذه الحكايات مُلكًا لأعدائها، أبدًا.

مقدمة كتاب يصدر قريبا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «غزة تروي إبادتها 2»، كما سيصدر مترجماً إلى عدد من اللغات.

 عن القدس العربي