- 25 أيلول 2013
- حكايات مقدسية
د حازم نسيبه*
أبدأ أولاً بالجغرافيا وهي كلمة توفي الموضوع حقه. إنها الأرض المقدسة فلسطين التي يسميها الغرب اللاتيني Terra Santa، والغربي الآخر The Holy Land، والقدس مدينتكم، هي القلب منها. كانت على مرِّ العصور محصورة في البلدة القديمة المسورة التي لا يوجد فيها شبر إلا وقد مشى عليه الأنبياء والصديقون والعلماء والمجاهدون عبر الأزمان. إنها جغرافيا مجرد كيلومتر واحد، ولكن هذه البقعة الصغيرة تضم قدس أقداس الرسالات السماوية التي تربط بين الأرض والسماء، بين الخالق وخلقه، وبين أسمى القيم وأخلدها. إنها قبلة المسلمين الأولى ومعراج نبيهم إلى السماء، كما أنها مرقد السيد المسيح وتراثه الأثيل وقيامته المجيدة. ما أكثر المدن في العالم، الكبيرة منها والصغيرة، ولكل منها محاسنها ومقاماتها وأمجادها، ولكن القدس تقف وحدها بين مدن العالم، زهرة المدائن، فريدة في قداستها، وفي تاريخها وفي رسالتها إلى العالمين.
هذه القدس الكنز كانت وظلَّت عربية على امتداد الأزمان رغم كُل العاديات، وقد كانت كذلك في طفولتي قبل نيِّف وثمانين عاماً، رغم وجود طائفة يهودية غريبة الشكل واللسان، وإن كانت تُعتبر جزءا من الشعب الفلسطيني. أحياء متفرقة مثل مياشيرم، والتي أشبه ما تكون بالقرون الوسطى في معيشتها، ومونتيفيوري في الشارع الذي ينزل من باب الخليل إلى البني داود والبقعة عند محطة سكة الحديد وجيوب أخرى، هنا وهناك. الأحياء العربية في طفولتي كانت ما زالت القدس القديمة المسورة، حيث كنت أذهب إلى كلية روضة المعارف الوطنية، المطلة على الحرم القدسي الشريف، عبر طريق الآلام (العمرية اليوم) وكلية راهبات صهيون للبنات. ولما أصبحت القدس القديمة مكتظة بسكانها، أخذت في التوسع خارج الأسواء، بادئ ذي بدء في حي باب الساهرة وامتداده الشمالي في الشيخ جراح والشرقي في واد الجوز وجبل الزيتون وفي غربيه في حي المصرارة، وفي قلبه عمارة كلية الشميدت في باب العامود والتي كانت في تلك السنين مقر السكرتيرية العامة لحكومة الانتداب البريطاني.
الأسواق كانت ما زالت في غالبيتها داخل القدس القديمة، وهي أسواق تاريخية تعود في معظمها إلى مئات السنين منذ العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية، وقبلها الفاطمية والإخشيدية والأموية؛ ودُرّة البلدة القديمة وتراثها المعماري الخالد، المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة؛ وقبلها العهدين البيزنطي والروماني ودُرته كنيسة القيامة المجيدة. وجدير بالذكر أنه لم يعثر على أي أثر يهودي، رغم الحفريات الكثيفة تحت كل شبر من هذه البقعة المباركة. ولكن الأسواق أيضاً انتقلت إلى خارج الأسوار، فكان هنالك سوق على جانبي نزلة باب العامود العريضة وأذكر من بين أصحابها صيدلية أنضوني حلبي ومخزن مال قبان حسن قليبو وغيرهما. كما تم بناء سوق متكامل في باب الخليل بدء من منطقة بنك باركليس وحتى باب الخليل، وقد كان في أوله مكتبة بولص سعيد ومحل حلاقة الوعري والعديد من مخازن الألبسة على أنواعها. بداية، كان لليهود وجود في السوق عندما كان اليهود جزء من الشعب الفلسطيني، أذكر من بينهم محل ليفي للملابس ومحل كوهين على الزاوية المؤدية إلى شارع ماميلا، وفي تلك الزاوية افتتح البنك العربي أعماله وكانت مقره الرئيسي عام 1930.
وفي الجهة الغربية المقابلة، كان هنالك شارع يافا وفيه متاجر عربية ويهودية ومعظم مالكية فلسطينون، بينهم متجر فايز المهتدي والعمارة الإيطالية الكبيرة التي اشتراها عمر الجيلاني، وعمارة البريد، ومقهى يورب وسينما زيون وغير ذلك مما لا أذكر. عرضت سينما زيون أول فيلم عربي ناطق هو فيلم الوردة البيضاء الذي غنى فيه محمد عبد الوهاب، وأذكر حشود السيدات اللواتي يلبسن الملاءات السوداء في تلك الأيام وهن يهرولن مشياً على الأقدام (لم تكن هنالك وسائل نقل أخرى) لحضور الفيلم. وأذكر أن صاحب السينما عند إنشائها عرض شراكة النصف على أخي الكبير حسن، ولكنه رفض المشاركة، ولم أستفسر منه عن السبب. ذلك أن العلاقات بين العرب واليهود في تلك المرحلة المبكرة، كانت حائرة، ولم يكن الوجود اليهودي الصهيوني كبيراً، أو طاغياً، كما أن شعبنا، باستثناء قلة قليلة من المفكرين، لم يكن يعي بعد أهداف الصهيونية الإجرامية الهادفة إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني واستلاب وطنه.
كذلك أخذ يتبلور شارع ماميلا المواجه لمقبرة ماميلا الإسلامية التاريخية، كسوق عربي رئيسي، كان من بين مخازنه مخزن شركة Spinney الإنجليزية ووكالة البيويك للسيارات وامتياز ملح البحر الميت لشكري ديب، ومحلات سلامة، ومحل راشد الخياط وعيادة الدكتور محمود الدجاني، ودكتور الأسنان برهان عبد الهادي؛ ومكتب أخي أنور للمحاماة، ومقهى بيكاديلي الذي كان ملتقى للمثقفين ورجال الأعمال والموظفين، وقد بنى اليهود مكانه في يومنا هذا فندق هيلتون. كما أنهم أقاموا مولاً يجمع بين شارع ماميلا والمناطق المطلة على حي الشماعة والمونتيفيوري. أما عمارة الأوقاف الشامخة التي بنيت عندما كان الحاج أمين الحسيني رئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى، فقد بنيت لتضاهي فندق الملك داوود الذي كان أثرياء اليهود قد بنوه في أواخر العشرينات. وقد حضرت المعرض الكبير الذي عقد بمناسبة افتتاحه، وكان التنافس شديداً في تسويق الكنافة بين حب رمان المقدسي، وأباظة النابلسي. ولا أذكر من منهما كسب السباق فكلاهما يستحقان الفوز. وقد حوَّل اليهود في يومنا هذا هذه العمارة الشامخة إلى فندق تحت اسم والدورف استوريا القدس مع الاحتفاظ بواجهته الفنية الرائعة، اقتباساً، وربما شراكة مع أفخم فنادق نيويورك.
كذلك تمدد شارع ماميلا باتجاه البقعة فامتلأ الشارع الذي كان يُسمى سان جوليان بالمخازن والمقاهي الممتازة وصولاً إلى مخازن ملحقة بفندق الملك داوود، وقبله فندق عربي فاتني اسمه، ومن بينها مخزن يضم أحدث أجهزة الرياضة لصاحبه جابي ديب وأخاه ريمون لاعبا التنس الممتازين، وما بين سان جوليان وماميلا حيّ الشماعة المختلط بين العرب واليهود. إنه السوق الذي اندلعت فيه المواجهات بين العرب واليهود على امتداد ثلاثة أيام إثر صدور قرار التقسيم 181، على مرآى ومسمع من المصفحات البريطانية الي وقفت متفرجة وكأن بريطانيا لم يعد لها وجود.
لقد استغل اليهود تلك الإضطرابات، وبتواطؤ ظاهر من الإنجليز، لبدء حربهم المنظمة ضد أهل القدس وسائر فلسطين، وحتى تقطع الطريق أمام قيام دولة فلسطينية على ثلاثة ارباع فلسطين الخضراء، بموجب قرار التقسيم، وتفريغ ما أعطي لإسرائيل من سكانها العرب، وكان عددهم مساوياً تقريباً لعدد اليهود، ببرنامج التطهير العرقي المجرم الذي ارتكب سبعين مذبحة من حجم مذبحة دير ياسين كما يوثق المؤرخ الإسرائيلي ألان بابيه في كتابه المرجع بعنوان «التطهير العرقي للفلسطينيين». وعام 1930 شيد معلم ال YMCA مقابل فندق الملك داوود وهي أكبر YMCA في العالم. بناه مليونير أميركي نجا من محرقة أزمة الكساد الاقتصادي التي ألمَّت بالولايات المتحدة والعالم. وقد أتاحت ال YMCA أمام الشباب العربي صرحاً رياضياً واجتماعياً لا يُضاهى، بملاعب التنس واستاد كرة قدم والسباحة وألعاب القوى، وكرة السلة وكرة اليد وألعاب الشطرنج والبلياردو، وقاعات المحاضرات التي كانت تعقد فيها المحاضرات الثقافية، وكذلك حفلات الموسيقى الكلاسيكية التي يقودها الموسيقار عرنيطة، والبتروني للموسيقى الشرقية. وبالمناسبة، كان الدكتور أمين مجج رئيس بلدية القدس عام 1950 ووزير الصحة الأردنية لاحقاً، من أشهر العازفين على الViolin. في تلك الأوركسترا، وبالمناسبة أيضاً كسِبتُ وأخي محمود بطولة التنس لفلسطين تحت سن ال18 عام 1940 حيث تغلبنا على الإخوة اليهود Peretz اللذين أعدتهم الوكالة اليهودية لتمثيل اليهود في المباريات الدولية. وكان يوماً مشهوداً حيث وقف مئات المشاهدين على أسطحة العمارات والكينغ ديفيد لمشاهدة المباراة، وكان وجود تلك الحشود العربية الدليل القاطع على عروبة تلك الأحياء، إذ لم يكن بينهم وجود يهودي يذكر.
وكانت هنالك عمارة داوود التلحمي على مفترق حي الطالبية التي عمِلتُ فيها مسؤولاً عن أخبار دار الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس) ومحرراً لمجلة ثقافية حكومية اسمها (المنتدى)، استكتبت فيها كبار الأدباء في مقدمتهم إسعاف النشاشيبي وخليل السكاكيني واسكندر البيتجالي وعبد الرحمن بشناق وعلي الدجاني وغيرهم. وتقع بعدها مدرسة العمرية الثانوية ثم محطة سكة الحديد في القدس ومطبعة الحكومة، ثم الدكاكين المتفرقة والموزعة في سائر الأحياء الغربية. أذكر منها بقالة لصاحبها الخليلي في قلب حي الكولونية الألمانية. انتقلت ستوديوهات الإذاعة إلى هذا الحي العربي الذي بقيتُ فيه حتى آخر نشرة أخبار صباحية يوم 15 أيار 1948، بعد أن غادر المندوب السامي القدس عن طريق الشيخ جراح، بدأت القوات اليهودية بهجومها الشامل على القدس الجديدة كلها، مما اضطرني وزملائي إلى الانسحاب لئلا نقع في الأسر. وأذكر جيداً ونحن نغادر الحي وجّه صاحب البقالة الذي بقيت بقالته مفتوحة وكأنّ شيئاً لا يقع. لا بُد أن اليهود أسروه إن لم يكن قتلوه عند وصولهم إلى ذلك الموقع.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ملكية اليهود، وأنا أتحدث عن مدينة القدس الكاملة وليست المجزأة، القديمة والجديدة، الشرقية والغربية، الشمالية والجنوبية، بل عن محافظة القدس التي تمتد أراضيها وحدودها إلى أريحا ونهر الأردن شرقاً، واللطرون عند بدايات الساحل غرباً بالقرب من قريبة القباب واللد والرملة، لم تكن ملكية اليهود تتعدى حتى نهاية الانتداب عام 1948 ال2% من مجموع مساحة الأراضي، في حين كان الفلسطينيون يملكون 84% منها. أما الجزء المتبقي 14% فقد كان أراضي دولة، وهي بحكم القانون الدولي تعتبر ملكاً عاماً للسكان الذين يقطنون تلك الأراضي على مرّ القرون، أي للشعب الفلسطيني. هذا ما تثبته الخرائط وسجلات الملكية التي أعدتها بريطانيا عام 1945. لقد تمت مصادرة جميع تلك الأراضي وأوكلت إلى ما سمته إسرائيل حارس أملاك الغائبين. وعام 1950 قررت إسرائيل مصادرة تلك الممتلكات، وسُمح ببيعها بقيمتها الرسمية لسلطة التنمية الإسرائيلية. لم يُسمح للفلسطينيين بالعودة إليها، وأصبحوا غائبين دائمين، وبيعت ممتلكاتهم لليهود حصراً.
وبهذه المناسبة، وفي فترة عقد الهدنة عام 1949، حاول اليهود الحصول على موافقة الأردن للصلاة في حائط المبكى عند البراق الشريف. وقد أبلغناهم يومها أنه لا يمكنهم رؤية حائط المبكى ناهيكم عن الصلاة فيه إلا إذا أعادوا سكان القدس الغربية وممتلكاتهم إلى أصحابها، وكذلك إعادة فتح طريق القدس -بيت لحم عن طريق حي البقعة التي لم تكن تستغرق أكثر من بضع دقائق. ولكن اليهود نسوا عباداتهم واختاروا الاستيلاء على القدس الغربية، ثم ملأوا العالم صراخاً بأنهم حرموا من أداء شعائرهم الدينية إبان وحدة الضفتين.
الجغرافيا ومعها الديموغرافيا في لواء القدس، وفق الدراسات التي أنجزت عام 1945 تمهيداً للتقسيمات البلدية والإدارية في ظل القدس الدولية التي كانت تدور في أذهان بريطانيا ومن معها، ترينا ما يلي:
كان عدد سكان لواء القدس (247,950) نسمة تقريباً، منهم (147,750) عربياً مقابل (100,200) يهودياً. وقُدِّرت مساحة لواء القدس آنذاك ب(1,570,785) دونماً، منها (1,388,854) دونماً بملكية عربية ومجرد (33,401) دونم بملكية يهودية. فيا لهول ما جرى نتيجة الاجتياح اليهودي الذي صادر ملايين دونمات أهل القدس والشعب الفلسطيني، ومع ذلك فلا أحد يطالب بتلك الأحياء العربية في أية تسوية نهائية، ونكتفي بالحديث عن القدس الشرقية التي كنا نسميها مجازاً «هو الحي الباقي» ورغم ذلك، فقد صادر اليهود معظم أراضيها أيضاً بعد كارثة 1967.
ويجب أن اؤكد هنا أن القدس كانت عامرة مزدهرة ومزدحمة بوجود أكنافها وضواحيها التي كانت تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، والتي كانت مددها الدائم بالرجال والنساء وخيرات الأرض الطيبة. إنها السوار الذي كانوا يحيطونها به بالدعم والحراسة في أوقات الشدة والرخاء سواء بسواء. بعضها هو جزء لا يتجزأ من بلدية القدس مثل الطور وسلوان التي تشرف على بانوراما القدس إشرافاً لا يضاهيه مكان آخر، وكذلك سلوان ولفتا ورميما من أحياء القدس الغربية، وكان لهما وزن كبير في الانتخابات البلدية. وهنالك أكناف أخرى ليست جزء امن حدود بلدية القدس، ولكنها جزءا أساسيا من تركيبة القدس في كافة المجالات. إنها عين كارم حيث بنى اليهود الكنيست على أراضيها، والمالحة حيث بنى اليهود أكبر مول في القدس الكبرى، ثم العيزرية وأبوديس وجبل المكبر والسواحرة والتعامرة وقالونية وبتّير وبيت صفافا وارطاس وبيت لحم وبيت جالا وغيرها.
القدس في يومنا هذا محاصرة محاصرة تامة، وبالأخص منع سكان أكناف القدس وضواحيها، بل والضفة الغربية وقطاع غزة من زيارتها، الأمر الذي ألحق بسكان القدس وتجّارها أفدح الأضرار. ولا يخفف من ذلك سوى المجموعات التي تفد إلهيا تباعاً من فلسطينيي 1948، دعماً لصمودها بهمة وإدارة الشيخ المجاهد رائد صلاح، الذي كان أيضاً وراء إعادة تأهيل المسجد المرواني الملاصق للمسجد الأقصى، والذي كان لليهود مطامع فيه.
دخلت الكهرباء والهاتف إلى القدس في أواسط عقد العشرينات، وكانت قبلها تعتمد على مصابيح الإنارة (اللوكسات) التي تعتمد على الغاز. وكانت البلدة القديمة تضاء كل ليلة بالمصابيح التي تعمل بالزيت، وكان والدي قد أخذ تعهداً بإضاءتها. وكان يتولى ذلك عدد من العمال يحملون السلالم وزيت الإضاءة يضيئونها كل مساء ويطفئونها مع طلوع الفجر. كما زودت مدينة القدس بشبكة للتصريف الصحي، أي المجاري، في تلك الفترة المبكرة، وهو ما لم يتوفر لمعظم العواصم العربية إلا في مراحل متأخرة.
المشي، كان وسيلة التنقل الرئيسية لمعظم السكان، ما عدا القلة الموسرة التي كانت تتنقل بالعربات التي تجرها الخيول، وقد تنقلت بها بمعية والدي في العديد من المناسبات، وكانت الأجرة على ما أذكر خمسة قروش. وكانت الخيول مزودة بحاضنات لتفادي الروث الصادر من الخيول، وهو ما لم تكن تتزود به خيول العربات السياحية في نيويورك، كما رأيت لاحقاً.
وفي مطلع الثلاثينات دخلت الأوتوبيسات على استحياء إلى مدينة القدس، فكان للمناطق العربية ثلاثة خطوط رئيسية: أهمها باصات 33 التي كانت توصل الشيخ جراح بباب الخليل، وباصات رقم 4 التي كانت تعمل بين باب الخليل والقطمون، وباصات رقم 6 التي توصل إلى أحياء البقعة. كانت الأجرة نصف قرش، وكان سائق الباص في باب الخليل ينادي طلباً للركاب، ولم يكن يتحرك إلا بعد ركوب حد أدنى من الركاب.
ولما كان المواطنون يعرفون بعضهم بعضاً في أحياء متلاصقة متجاورة، فقد كان ركاب الباصات يتسابقون في الطلب من سائق الباص عدم أخذ الأجرة من راكب وافد جديد يعرفونه. وكان السائق يوقف الباص إلى أن يتفق المتبرعون على من كان أول المنادين بالتبرع فيحكم لصالحه.
وكان لليهود باص رقم 9 ينقل الركاب من الجامعة العبرية وهداسا في جبل سكوبس إلى الأحياء اليهودية في المناطق الغربية. ركبت هذا الباص في أحد المرات بسبب تأخر الباص العربي. وقد لفت نظري وضع وعائين صغيرين من التنك إلى جانب السائق، حيث كان الركاب اليهود يضعون في إحداها ملاليم أو قروش، وفي الأخرى قطعة من السُكر، تبرعاً لأجهزة الوكالة اليهودية. لم يكونوا يعتمدون على المساعدات السخية التي كانت تقدمها لهم اليهودية العالمية، بل كان كل واحد منهم يؤدي ما يستطيع أداءه لبناء الوطن القومي اليهودي الآثم المغتصب، بينما كان شعبنا وقادتنا يتلهون بخلافاتهم وزعاماتهم الداخلية.
حاولت أن أتفادى ما أمكن تلاوة ما جاء في سيرتي الذاتية والتي حملت عنوان «ذكريات مقدسية» بحيث أقدم لكم شيئاً جديداً لم أسجله في تلك الذكريات. ولكنني تذكرت ما قاله الجنرال دايان وزير الحرب الإسرائيلي عندما سُئل: كيف تقول في مذكراتك أنك طبَّقت في عدوان 1967 على سيناء الخطة العسكرية ذاتها التي كنت قد انتهجتها في عدوان 1956 على مصر، وهو المعروف بالعدوان الثلاثي نظراً لاشتراك بريطانيا وفرنسا فيه إلى جانب إسرائيل، ألم تكن تخشى أن يكون العرب قد اطلعوا عليها فيفشلوها. فأجاب: لم أكن أخشى ذلك، لأنني أعرف بأن العرب لا يقرأون».
ومن هذا المنطلق فإنني أستميحكم عذراً في اقتباسي بعض تلك الذكريات كما وردت في الكتاب. قلت في أحد الاقتباسات كانت القدس وأكنافها تعيش حياة متفاعلة، هادئة، رتيبة، بعيدة كل البعد عن الأعاصير الجامحة التي حلت بها لاحقاً، بسبب العدوان الصهيوني المتفاقم عليها. وقد وصفت تلك الأجواء كما يلي:
«كنت في طفولتي أصحو مبكراً قبل بزوغ الشمس، على صوت المؤذن الخاشع، وهو يدعو المؤمنين إلى النهوض لأداء صلاة الفجر. تصاحب ذلك، أصوات أجراس الكنائس التي كان%D

