• 4 تشرين الثاني 2026
  • حكايات مقدسية

 

 بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

 ان هذه المقالة هي قراءة نقدية في دلالات الصندوق بين التراث الشعبي والوعي السياسي، حين يكون الكلام مفتاحًا للصناديق المغلقة

يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قولٌ مأثور: 

«الرجال صناديق مغلقة، مفاتيحها الكلام»، وهي عبارة تختزل رؤية عميقة لطبيعة الإنسان، إذ تجعل الكلام وسيلةً للكشف عن الفكر، واستجلاء الشخصية، وقياس المعرفة، والتمييز بين الحكمة والادعاء. كما تُروى عنه معانٍ تشير إلى التأنّي في الحديث، والتحفّظ من زلّات اللسان، والتفكير قبل إطلاق الأحكام

وفي السياق ذاته، تُروى عن الفيلسوف اليوناني سقراط عبارة «تكلّم حتى أراك»، وهي مقولة شائعة تُعبّر عن أهمية الكلام في الكشف عن حقيقة الإنسان؛ فالمظهر لا يكفي للحكم على صاحبه، والصمت لا يكشف بالضرورة عن عمق الفكر، كما أن كثرة الكلام لا تعني امتلاك المعرفة. إنما تتجلى قيمة المرء فيما يقوله، وكيف يقوله، وما يترتب على قوله من فعل وسلوك

وعليه، لا يتكلم الإنسان لمجرد الكلام، وإلا تحوّل حديثه إلى ثرثرة تستنزف الوقت ولا تنتج معرفة، بل يتكلم ليعبّر عن فكرة، أو يدافع عن حق، أو ينقل تجربة، أو يسهم في بناء وعي جماعي. فالكلمة مسؤولية، والكلام الذي لا يسنده الفعل يفقد كثيرًا من قيمته، مهما بدا صاحبه بليغًا أو مقنعًا يسهل على أي شخص إطلاق الوعود والشعارات، ولكن المحك الفعلي يظهر عند تحويل هذه الحروف إلى واقع ملموس.

 الكلمة التي لا تتبعها حركة تظل مجرد حبر على ورق أو هواء في الفضاء، وتفقد بريقها بمرور الوقت 

عندما يكتشف الناس غياب المضمون  لا ينظر في فصاحة المتكلم قبل النظر في علمه وأمانته، فكم من كلام جميل أضل وكم من علم رصين هدى فَكَمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ هَوَى مِنْ عَلٍ، وَكَمْ مِنْ صَامِتٍ نَجَا مِنَ الزَّلَلِ»

 وهذا شأن ربك يرفع اقواما ويخفض آخرين 

ومن هنا، تنطلق هذه المقالة من دلالة الصناديق المغلقة ومفاتيحها، لتتأمل انتقال الصندوق من وظيفته المادية إلى رمزيته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وصولًا إلى صندوق الانتخابات بوصفه اختبارًا للوعي الشعبي، وميزانًا للعلاقة بين القول والعمل، ولا سيما في الواقع الفلسطيني

لم يكن الصندوق في حياة الإنسان مجرد وعاء لحفظ الأشياء، بل اكتسب عبر العصور وظائف متعددة ودلالات اجتماعية وثقافية متباينة. فقد صُنعت الصناديق من الخشب والمعادن وغيرها من المواد، وزُيّنت بالنقوش والألوان، واختلفت أحجامها وأشكالها تبعًا للأغراض التي أُعدّت لها.

فمنها صناديق حُفظت فيها الأموال والمجوهرات والذهب والفضة والتوابل، ومنها صناديق استُخدمت لحفظ السكر والمؤن، وأخرى ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية، مثل صندوق العروس الذي يُعرف في بعض البيئات باسم صندوق المهر أو صندوق الجهاز.

وفي فلسطين، ارتبطت صناديق جهاز العروس، ومنها ما يُعرف محليًا باسم «صندوق السَّبَت» في بعض المناطق، بذاكرة اجتماعية تتجاوز وظيفتها المادية؛ فقد كانت تحفظ مقتنيات العروس وملابسها وحليّها، وتحمل في الوقت ذاته دلالات تتصل بالأسرة والتقاليد والاستعداد لبداية حياة جديدة

وهكذا، تحوّل الصندوق من أداة للحفظ إلى وعاء للذاكرة، ومن قطعة خشبية صامتة إلى شاهد على أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والتحولات الثقافية

غير أن أكثر الصناديق إثارةً للخيال الشعبي، وأشدها التصاقًا بذاكرة الطفولة، هو «صندوق العجب»، أو «صندوق الفرجة»، الذي حمله الحكواتي المتجول بين الحارات والقرى والأسواق، ليقدم للأطفال تجربةً تجمع بين المشاهدة والحكاية والدهشة

كان صندوق العجب أحد مظاهر الترفيه الشعبي في عدد من البيئات العربية، ومنها فلسطين، قبل انتشار السينما والتلفزيون ووسائل الترفيه الحديثة. وهو جهاز تراثي يتخذ عادةً شكل صندوق خشبي مستطيل، تتخلله فتحات للنظر، وتُعرض من خلال عدساته صور متتابعة أو مشاهد مرسومة، بحسب تصميمه وطريقة تشغيله

وكان بعض هذه الصناديق يُزيّن بالألوان الزاهية والزخارف والشرائط، فيجذب أنظار الأطفال أينما حلّ صاحبه. ويحمل الحكواتي صندوقه متجولًا بين الأحياء والقرى، ولا سيما في الأعياد والعطل المدرسية والمناسبات الشعبية، حتى يتجمع الأطفال حوله في انتظار ما سيقدمه من حكايات ومشاهد.

وتستحضر الذاكرة الشعبية الفلسطينية صورة ذلك الرجل الذي يصل إلى الحارة حاملًا صندوقه الخشبي، فيتراكض الأطفال خلفه، ثم يجلسون أمام فتحاته الصغيرة، بعد أن يدفعوا أجر المشاهدة، التي قد تكون مبلغًا زهيدًا أو شيئًا من الطعام، كالرغيف أو البيض، وفقًا لما تتيحه ظروف الناس وعاداتهم في تلك المرحلة.

وفي خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ظل هذا المشهد حاضرًا في ذاكرة بعض المجتمعات، بوصفه جزءًا من عالم الطفولة البسيط، حين كانت وسائل الترفيه محدودة، وكانت الحكاية قادرة على أن تصنع فرحًا جماعيًا بأقل الإمكانات.

وكان صاحب الصندوق يستهل عرضه بنداءات شعبية تستحث الأطفال على الاقتراب، ومن الأهازيج التي تُستعاد في هذا السياق:

     قَرِّب شوف واتفرّج قَرِّبْ «قَرِّب، قَرِّب، قَرِّبْ
وصل صندوق العجب     الحكواتي أبو رجب»  

ثم يمضي في استعراض شخصيات البطولة الشعبية، مستحضرًا أبطال السير والحكايات، مثل أبي زيد الهلالي وعنترة بن شداد، فيقول:

 معانا أبو زيد الهلالي       اللّي سيفه بيّلالي
معانا عنتر العبسي          عدوّه يصبح ما يمسي        

ومع بدء العرض، يُحرّك الحكواتي الصور المتتابعة يدويًا، فتظهر المشاهد أمام عيون الأطفال الذين يضعون وجوههم على العدسات، ويحاولون التركيز فيما يمر أمامهم من صور. ويصاحب ذلك سرد قصصي تتغير فيه نبرة الصوت بحسب طبيعة الحدث؛ فتعلو في مشاهد البطولة، وتخفت في لحظات الحزن، وتتبدل في مشاهد الخوف والمفاجأة.وكان الحكواتي يضيف إلى الصور أداءه الصوتي وخياله الشخصي، فيمنح المشاهد حياةً لا تستطيع الصور وحدها أن توفرها. وعندما ينتهي العرض، تُحجب الرؤية وتُغلق الفتحات، ولا تتجدد الفرجة إلا بعرض جديد وأجرة أخرى.

لقد كان صندوق العجب، على بساطته، مؤسسة ثقافية شعبية مصغّرة؛ ينقل الحكايات، ويحفظ جانبًا من الذاكرة الشفوية، ويعرّف الأطفال بشخصيات البطولة والمروءة، ويجمعهم حول تجربة مشتركة تصنع الفرح وتغذي الخيال.ولذلك لم تكن قيمته في الصور التي يعرضها فحسب، بل في العلاقة التي ينشئها بين الحكواتي وجمهوره، وفي الحكاية التي تُروى، والخيال الذي يتحرك، والذاكرة التي تبقى بعد انقضاء العرض.

إذا كان صندوق العجب القديم يتيح للطفل أن يرى مشاهد محدودة من خلال فتحات صغيرة، فإن الصناديق المعاصرة، المتمثلة في الشاشات والأجهزة الرقمية، تفتح أمام الإنسان نوافذ لا تكاد تُحصى على العالم. ففي لحظة واحدة، يستطيع المشاهد الانتقال بين الأخبار والبرامج والإعلانات ومقاطع الترفيه والمنصات الاجتماعية، حتى باتت الشاشة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.

.إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إغلاق هذه الصناديق، بل في امتلاك مفاتيحها المعرفية والأخلاقية؛ أي في تنمية القدرة على التحقق، والتحليل، والمقارنة، ومقاومة التلاعب بالعواطف، وعدم الانقياد وراء كل خطاب رائج لمجرد انتشاره.

لكن الاعتزاز بالموروث الحضاري لا ينبغي أن يتحول إلى انغلاق عن العالم، كما أن الاستفادة من تجارب الآخرين لا تستلزم التخلي عن الهوية أو التنكر للرموز الفكرية والثقافية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي.

واليوم نصل إلى صندوق أكثر خطورة في دلالته السياسية، هو صندوق الانتخابات.

فهذا الصندوق، على بساطة شكله، يحمل في داخله احتمالات واسعة تتصل بمستقبل المجتمع، وطبيعة الحكم، وتوزيع المسؤوليات، ومدى قدرة المواطنين على التأثير في القرار العام. إنه ليس مجرد وعاء تُلقى فيه أوراق الاقتراع، بل رمز للعلاقة بين المواطن والسلطة، وبين الوعود والإنجازات، وبين الإرادة الشعبية والنتائج المترتبة عليها.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: ما الألوان التي ستُزيَّن بها صناديق الانتخابات؟ 

وإذا كان صندوق العجب القديم يقدم حكايةً يتولى الحكواتي سردها، فإن صندوق الانتخابات يقدم للمواطن   حكايات متعددة،  .

غير أن الفارق الجوهري بين الحكايتين هو أن الطفل كان يستطيع مغادرة عرض الحكواتي بعد انتهائه، أما المواطن فقد يجد نفسه مضطرًا إلى تحمل نتائج الاختيارات السياسية سنوات طويلة

من يبيع الكلام لا يشتري الثقة

يصف المثل الشعبي حال العلاقة بين القول والفعل بقوله: «أسمع كلامك أصدّقك، أشوف أفعالك أتعجّب». وهو مثل يلخص خبرة اجتماعية طويلة في التعامل مع الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

ولعل العبارة الشعبية التي تختزن مرارة التجربة تقول

«الدنيا صندوق فرجة، لا تغرّك فيها البهجة».

لكن الحكمة لا ينبغي أن تقودنا إلى الاستسلام، بل إلى إدراك أن المظاهر قد تخدع، وأن الوعي هو مفتاح الرؤية، وأن الكرامة لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بالعدل والعمل والمساءلة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الصناديق قد تُغلق، والشاشات قد تنطفئ، والعروض قد تنتهي، لكن آثار الاختيارات لا تنتهي بالضرورة بانتهاء المشهد 

فهل نكون أمام صندوق جديد يعيد إنتاج الحكايات القديمة، أم أمام فرصة لكتابة حكاية فلسطينية مختلفة، يكون عنوانها الوعي، ومضمونها المسؤولية، وغايتها الحرية والكرامة والعدالة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق فتح الصندوق، وأن يبقى حاضرًا بعد إغلاقه ......