• 21 حزيران 2026
  • حارات مقدسية

 

بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

عندما تمتزج النادرة بالحكاية المقدسية، يتشكل لونٌ فريد من ألوان الأدب الشعبي، تتجاوز فيه الرواية حدود التسلية والمتعة لتصبح وثيقةً اجتماعية وثقافية تحفظ ذاكرة المكان والإنسان. فالقدس مدينة لا تُقرأ من خلال الحوادث السياسية والتواريخ الرسمية فحسب، بل تُقرأ أيضاً عبر تفاصيل الحياة اليومية، وأحاديث الأسواق، وطرائف الناس، وحكايات الأزقة العتيقة التي تختزن في حجارتها ذاكرة قرون متعاقبة.

وتُعدّ النوادر أحد أبرز أشكال التعبير الشعبي العربي؛ فهي قصص قصيرة تقوم على المفارقة والذكاء وسرعة البديهة، وتمتزج فيها الفكاهة بالنقد الاجتماعي، والحكمة بالسخرية اللطيفة. وقد عُرفت في التراث العربي منذ العصور الأولى، فظهرت في كتب نوادر الجاحظ وأخبار جحا وأبي نواس وغيرهم، لتصبح سجلاً حياً لطبائع الناس وأحوال المجتمعات

وفي القدس تكتسب النادرة بعداً مختلفاً؛ إذ تتداخل مع قداسة المكان وعراقته، فتتحول إلى مرآة تعكس روح المدينة وصمود أهلها وقدرتهم على صناعة الفرح وسط التحديات. إنها طرائف تنبض بملامح الشخصية المقدسية التي جمعت بين الحكمة وخفة الظل، وبين الاعتزاز بالهوية والتشبث بالأرض.

أولاً: روح المكان وسحر الحكاية

وراء أسوار القدس العتيقة تنبض الحكايات في كل زاوية، وتتجلى "نوادر الكلام" بين الأزقة والأسواق والبيوت القديمة. فالمدينة لا تروي تاريخها بالكلمات فقط، بل تفصح عنه بروائحها وأصواتها وألوانها.

عند باب العامود، أجمل أبواب القدس وأكثرها شموخاً، تبدو الحياة وكأنها مشهد متجدد لا ينتهي. تختلط رائحة البن المحمص بعبق التاريخ، وتتصاعد من الحوانيت الصغيرة روائح القهوة العربية التي تحولت إلى جزء من هوية المكان.

ومن بين هذه المشاهد يبرز اسم الحاج موسى إزحيمان، الذي ارتبطت به ذاكرة القهوة المقدسية منذ عشرينيات القرن العشرين. فمن دكانه في البلدة القديمة انطلقت حكاية تحميص البن على الحطب وطحنه يدوياً، لتصبح القهوة طقساً يومياً يمارسه المقدسيون، لا باعتبارها مشروباً فحسب، بل بوصفها رمزاً للضيافة والألفة والانتماء. وما زالت الأجيال المتعاقبة من عائلة إزحيمان تحافظ على هذا الإرث المهني الذي يجمع بين الخبرة التقليدية وأحدث تقنيات التحميص

وعلى مقربة من مدخل باب العامود، يقف الحاج عطا الهدمي في حانوته المتواضع، يمارس طقوس إعداد اللبن البلدي كما ورثها عن آبائه وأجداده. تدور المغرفة الخشبية في حركة هادئة داخل برميل المخيض الخشبي ، فيما تتجاور أوعية اللبن الرائب الفخارية مع الجبنة البلدية المزينة والموشحة  بحبة البركة. هناك لا يُباع الطعام فحسب، بل تُحفظ ذاكرة الريف الفلسطيني بكل ما تحمله من أصالة وبساطة.

أما الحاج موسى رصاص، فكان يستقبل مع ساعات الصباح الأولى الخضار والفواكه القادمة من أراضي بتير التاريخية، حيث اشتهرت المنطقة بمحاصيلها الزراعية الفريدة، وفي مقدمتها الباذنجان البتيري الذي ظل رمزاً لجودة الإنتاج الزراعي الفلسطيني

وعلى بضع خطوات فقط، يستقبل الحاج خليل جعفر زواره برائحة الكنافة النابلسية الساخنة التي ارتبطت باسمه منذ عام 1951. كانت الكنافة تخرج من بين يديه قطعةً ذهبية اللون، تتعانق فيها خيوط الفرك مع السمن البلدي والجبن العكاوي والقطر العذب، لتتحول إلى جزء من الذاكرة الحسية لمدينة القدس

ثانياً: طرافة الإنسان المقدسي

لم تكن النوادر المقدسية مجرد حكايات عابرة، بل كانت تعبيراً عن شخصية الإنسان المقدسي وذكائه الفطري وقدرته على مواجهة الحياة بروح مرحة

فبائع الكعك المقدسي المميز بجودته الذي يجوب الأزقة صباحاً، 

وبائع المسابح الذي يختصر تاريخ العصور في حديث عابر

وبائع الصحف الذي يتحول كشكه إلى مجلس ثقافي مفتوح، جميعهم يشكلون شخصيات حية في المسرح الاجتماعي المقدسي.

ومن أبرز هذه المشاهد كشك الصحف الذي كان يديره السيد عمير دعنا أمام عمارة هندية، حيث افترشت الصحف والمجلات واجهة المكان، وتحول كرسي القش الصغير المجاور لكشكه  إلى ملتقى للأدباء والشعراء والسياسيين. هناك كانت الأخبار تُناقش، والآراء تُتبادل، والنوادر تُروى، فتتحول الجلسة اليومية إلى منتدى ثقافي شعبي يعكس نبض المدينة وتنوعها الفكري

ثالثاً: المقاهي والحكواتي وحفظ الذاكرة الشعبية

شكلت المقاهي المقدسية العتيقة فضاءات اجتماعية وثقافية لعبت دوراً أساسياً في حفظ التراث الشفهي ونقله بين الأجيال. ففي تلك المقاهي كان الحكواتي يحتل مكانة خاصة بوصفه راوياً للقصص وحافظاً للذاكرة الشعبية.

كان الحكواتي لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يعيشها أمام جمهوره؛ يغيّر نبرات صوته، ويحرك يديه، ويجسد شخصيات أبطاله حتى يشعر المستمع أنه جزء من الأحداث. وكانت قصصه تجمع بين السير الشعبية والبطولات التاريخية والحكايات الطريفة التي تحمل في طياتها الحكمة والعبرة.

وقد مثّلت مجالس السمر المقدسية مؤسسة ثقافية شعبية سبقت ظهور المراكز الثقافية الحديثة؛ ففيها اجتمع الناس حول أكواب الشاي بالنعناع ليستمعوا إلى القصص والأخبار ويتبادلون التجارب والحكايات.

رابعاً: نوادر الأدب والتاريخ

كانت القدس عبر العصور مصدر إلهام للشعراء والمؤرخين والكتّاب. ففيها تداخل الواقع بالأسطورة، وامتزج التاريخ بالحلم، حتى أصبحت المدينة موضوعاً دائماً للإبداع الأدبي.

وتظهر "نوادر الكلام" في الكتابات المقدسية بوصفها عيون الأدب وخلاصة الحكمة الشعبية، فهي نصوص تختصر تجربة المدينة الطويلة، وتعكس مكانتها الروحية والإنسانية في وجدان أبنائها وزوارها.

خامساً: العادات والتقاليد في الذاكرة المقدسية

احتفظت العائلات المقدسية بمجموعة من العادات والتقاليد التي تعكس تماسك المجتمع وأصالته. ومن أبرز هذه التقاليد طقوس الزفاف والخطوبة، حيث كانت "زفة العريس" تجوب الأزقة مصحوبة بالأهازيج الشعبية والدبكات والأغاني التراثية.

وكانت هذه المناسبات الاجتماعية تشكل فرصة لتجديد الروابط بين العائلات وتعزيز قيم التكافل والتعاون التي عُرفت بها المدينة عبر تاريخها الطويل.

سادساً: روحانية المكان وسيمفونية القدس

إذا كانت النوادر تعبر عن روح الإنسان المقدسي، فإن روحانية القدس تعبر عن روح المكان نفسه. ففي رحاب المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة ترتفع الأدعية بخشوع، وتنساب أصوات المصلين في مشهد مهيب يعكس قداسة المدينة.

وفي الوقت ذاته تتجاور المآذن مع أجراس الكنائس، وتتداخل أصوات الأذان مع التراتيل الكنسية في لوحة إنسانية نادرة، تجسد خصوصية القدس بوصفها مدينةً للرسالات السماوية ومركزاً للتنوع الحضاري والديني.

هناك، في البلدة القديمة، تتعانق أصوات المصلين مع وقع أقدام المارة، وتختلط حكايات الأجداد بأحلام الأطفال، لتبقى القدس مدينة حية لا تشيخ، وذاكرة مفتوحة لا تنضب، وحكاية متجددة تُروى في كل جيل بصيغة مختلفة، لكنها تحمل دائماً المعنى ذاته: أن القدس ليست مجرد مكان، بل روح تسكن القلوب، وحكاية لا تنتهي.

لعلنا سلطنا الضوء على جزء يسير لنعود بالذاكرة مع أمل يتجدد .....