- 16 آيار 2026
- أقلام مقدسية
بقلم: تحسين يقين
نعيش لنروي حكايتهم، ثم نحاول أن نروي حكايتنا، وإن لم يكن هذا بالأمر السهل في اللحظة الآنية، لكن العمر يمنحنا جرأة لا لنتحدث عن الآخرين، بل لنتحدث عما في أنفسنا.
كنا دوما نتذكرها، كنوع من الحنين، أو استعادة متعة الطفولة؛ فلم يكن أجمل من مشهد قرويّ شتاء، حين كنا نتحلّق حول كانون النار الدائري، لتمارس الوالدة كما الأمهات، متعة سرد "الخراريف"، فيبدو أن أمي الساردة كانت تسعد هي الأخرى لا بإسعادنا فقط، ولا بجذب أخويّ سعيد وداود اللذين أتوسطهما خشية فرارهم خارج البيت، فيصابون بالبرد، بل لأنها كانت تستعيد حكايات "ستي سارة" الحزماوية، والتي كانت تعيد ما سمعته من قصص والدتها السلوانية.
لي، كما لكم، ما احتفل فيه وله، مشهد الأطفال المتدافعين الذين يركضون وراء بعضهما، وهربا من بعضهم الآخر، لحركة مزح منهم، ولي الأشجار خصوصا المثمرة منها، بما تعيد صنعه من معجزة موتها شتاء، لتبرعم من جديد، وتورق، لتزداد أغصانها طولا، ثم لتتدلى قطوف العنب بعدما "تحصرم"، ولي ترديد الأغاني والمواويل الشعبية أثناء العمل لتسلية النفس وتشجيعها، كما كان والدي يفعل وأنا طفل صغير، متسائلا عن هذا الغناء الشجن الذي كان يطلقه والدي بعد مغادرتي، فلم يكن ليفعل هذا وانا قريب حتى لا يحزن الطفل الذي كنته، لكنني التقطته من بعيد، فحزنت ثم تأملت كيف لهذا الأب الوقور ذي الهيبة أن يغني حتى ولو كان الغناء حزينا!
لي ولنا تاريخنا الشخصي جدا بكافة خصوصياته، بما فيه من أمكنة وأزمنة، من بيت دقو غرب القدس التي تطل على يافا، حيث سيصعب حتى تناسي تاريخنا الوطني، ولبيت دقو قصصها الشعبية وقوالبها الغنائية، "ونكتها" وطرائفها، كما للقرى والمدن تراثها وحياتها، أما الوطن فهو محصّلة هذا الجمال كله. لذلك بدأت طفلا بتذوّق شعر محمود درويش بشكل خاص، إلى حد الارتباط به يوميا.
وددت سرد قصة السيدة التي يلقى بها في "بيت الهجران" بسبب ما كيد لها وتحميلها مسؤولية غياب أطفالها، الذين يعودون، في يوم زواج والدهم للمرة الثانية الذي صبر طويلا، فترسلهم الأم أسرة البيت المهجور، الى بيت أبيهم دون أن تعلمهم بأنه بيتهم، وتوصيهم بأن يذهبوا الى مكان تقديم الطعام، وعدم الانتظار مثل باقي الأطفال، قالت لهم: يمّا بتروحوا ع دار العرس، وبتصيروا تفتحوا الطناجر وتحطوا أكل لكم، وما تهابوا، راح تلاقوا هناك نسوان بطبخن، وبطعمن بالناس، راح يطردوكم، وانت وقتها قولوا:
الدار دار أبونا وإجا الغرب يطحونا، حتى انت يا عمتي يا اخت ابونا"
وهكذا فعل الأطفال، وفي كل مرة يطردون كانوا يعودون بقوة ويرددون ما أوصتهم أمهم بقوله، حتى ارتفع الصوت، فدخل الأب الذي كان قد أدى فريضة الحج غير متعرّف عليهم، لكنه يحن حنان الأب لأنهم كانوا في عمر أطفاله الذين غابوا صغارا.
من يحب سماع القصة ليذهب إلى أمه وجدته فستخبرك بها، وستسعد هي بذلك؛ فدور المرأة الفلسطينية في حفظ التراث عظيم، أكان في الغناء أو القصص أو إبداع التطريز.
هي دار أبوهم فعلا، ولهم حق الانتفاع منها، كما الوطن دارنا جميعا، ولنا الانتفاع منه كما علينا الوفاء له، والعمل لأجله، بما يليق به. لكن فرق شاسع بين من يرى الوطن له وللآخرين من أبناء شعبه، وبين ما يرى غير ذلك.
بالرغم ان بلادنا صغيرة، ونعرف بعضنا بعضا، ولكن لا جديد على من اختبر الحياة؛ فقد مرّ من قبل ما يمرّ الآن، والفرق فقط هو في عمق التجربة، وقبل القلوب التي كانت مع علي كانت هناك قلوب مع آخرين، كذلك لم تكن السيوف مع معاوية وحده، فقد كانت من قبله، ولعل تتبع التاريخ يوصلنا إلى النتيجة نفسها.
لا مفاجآت؛ فنحن لسنا استثناء، والإنسان، وإن اختلفت المدارس في التفسير، هو ابن التحولات، وإن كان ذلك ليس مطلقا. وهكذا فلعل الاستثناء الممكن هنا، هو من يتمسّك بما يساعد على توازن ما، لعله يكون معادلا موضوعيا لمن ينشد الخلاص الشخصيّ.
ولأن "الدار دار أبونا"، فعلينا أن نحميها ونقوم بواجبنا تجاه بلادنا، فهذا الفعل هو منبع الشرعية، وببساطة، فإن التوقّع والمأمول هو الاستمرار في ذلك.
لنا إرادة أن نبقى هنا، ونحن متفائلون بشعبنا، وعليه، فإن من الواجب الأخلاقي أن نبقى معا، داخل الفصائل بما فيها حركة فتح، ومن خلال وحدة وطنية لشعبنا وليس فقط للتنظيمات.
كلنا مدعوون وطنيا وأخلاقيا أن نشارك في السير لتحقيق أهدافنا النبيلة، في ظل احترام بعضنا بعضا، مهما كانت الظروف، لأن التناقض المصيري والوجودي مع الاحتلال يخفف من اختلافاتنا، والأرض أمامنا هي ميدان الفعل الوطنيّ وهي المحك لا لمجرد التواجد في الأطر، بل للاستمرار فيها من خلال الكل الفتحاويّ الوطني للدعم والمساءلة، ومن شعبنا.
أما أنا فأحاكي فعل أمي في رواية القصص الشعبية لأطفال العائلة ثم أطفالي، وأطفال بعض المدارس حين تتم دعوتي، ولنا جميعا التفكير العميق في أدبيات القصص الشعبية، بم تقدّم لنا من حكمة.
حين نكون معا بوحدة شعبنا، وفصائل العمل الوطني ومنها فتح بشكل أساسيّ لا بشكل قسريّ، وفي منظمة التحرير، نستطيع التواجد عربيا، وعالميا. وفي ظل تغيرات النظام الدوليّ، وفي ظل نتائج الصراعات والحروب، يمكننا التأثير؛ فلن يكون من السهل على دولة الاحتلال تحقيق أهدافها في نفي فلسطين التي ستظل تحضر ما دامت إرادتنا حاضرة، وما دما مصرين على البقاء الإبداعي على أرضنا.

