- 18 آيار 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : داود كتاب *
قامت الدنيا ولم تقعد بسبب مقال رأي لكاتب عمود أميركي مخضرم، نيكولاس كريستوف، يسرد ما يجري في السجون الإسرائيلية من تعذيب ضدّ المناضلين الفلسطينيين، خصوصاً الاعتداء الجنسي والاغتصاب، وحتى اعتداءات الكلاب المدرّبة عليهم. اعتمد الكاتب على شهادات حيّة لـ14 فلسطينياً، وعلى تقاريرَ من مؤسّسات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية ودولية، ولقطات مصوّرة بثّتها التلفزة الإسرائيلية، ما أدّى إلى اتهام خمسة جنود إسرائيليين، ثمّ، وبقدرة قادر، أُسقطت التهم، وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحاً مؤيّداً لإسقاط الدعاوى. انتقلت الضجّة في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص في "إكس"، لصديق ترامب، إيلون ماسك، إلى بعض مقالات الصحف الأميركية المحافظة أيضاً، وانطلقت تظاهرة أمام مكاتب "نيويورك تايمز" في مانهاتن مطالبةً بسحب المقال.
كاتب العمود، الحاصل على جوائز صحافية والمتخصّص في قضايا التعذيب في السجون في العالم، سرد بعض ما اكتشفه، وختم مقاله برفض أيّ اعتداء جنسي واغتصاب مهما كانت الضحية، كما طالب، بعد ارتفاع منسوب الضجّة، بأن تسمح إسرائيل بزيارة الصليب الأحمر تسعة آلاف معتقل وموقوف فلسطيني، وأكثر من ثلثهم موجود خلف القضبان بلا تهم وبلا محاكمة. كما أعربت غرفة تحرير "نيويورك تايمز" عن تمسّكها بمقال كاتبها، وأوضحت أنّه تم التحقّق من المعلومات الواردة في المقال.
وتماشياً مع الحملة الأميركية، أصدر نتنياهو توجيهات لمستشاره القانوني بأن تُدرس إمكانية رفع دعوى قضائية تحت بند التشهير ضدّ الصحافي والصحيفة. وكان قد طلب مسبقاً أمراً مماثلاً بشأن ما نُشر عن تجويع الفلسطينيين في غزّة، ولكن أي دعوى لم تُرفع. ومعروفٌ أنّه قبل الشروع في أيّ دعوى، تُجبر المحاكم كلّ طرف من أطراف النزاع على الإفصاح عمّا لديه من معلومات حول ما سيُناقش في المحكمة، وهذا غير مريح لدولة الاحتلال التي ستُجبر على كشف ما قد يؤكّد ما كتبه الصحافي الأميركي.
ادّعت الانتقادات بأنّ ما نشرته الصحيفة الأميركية الشهيرة "افتراءات"، ونوع من "فرية الدم" (blood libel). ومعروف لدى متابعي التاريخ أنّ "فرية الدم" افتراء تاريخي ضد اليهود ويُعدّ "معادياً للسامية"، إذ يتّهم اليهود باختطاف أطفال وقتلهم، عادة من غير اليهود، لاستخدام دمائهم في طقوس دينية سرّية، وهي خرافة نُسجت في أوروبا خلال العصور الوسطى، واستُخدمت تاريخياً ذريعةً لتبرير العنف والاضطهاد ضدّ المجتمعات اليهودية. واعتبر آخرون أنّ توقيت النشر كان قبل يوم من نشر تقرير يشمل ادّعاءات واسعة بعمليات اغتصاب نفّذها مقاتلو حركة حماس، في "7 أكتوبر" (2023)، كما يُتّهم من استضاف المخطوفين بالتحرّش الجنسي بهم. وزعمت إحدى الحملات أنّ والد الصحافي كان مؤيّداً للنازية. والغريب في الحملة الواسعة في الولايات المتحدة أنّها لم تتطرّق حتى إلى أبسط الأمور ممّا هو موثّق ومعلَن عالمياً وحتّى في الإعلام الإسرائيلي عن الموضوع، وكأنّ المنتقدين ليسوا منزعجين ممّا حدث للضحايا الفلسطينيين، إذ استشهد أكثر من 80 معتقلاً داخل السجون الإسرائيلية. ما أزعج المنتقدين أنّ أهم صحيفة في العالم، والتي تُعتبر شاهداً على التاريخ (paper of record)، نشرت ما نشرته.
غرّد المواطن الأميركي، تشارلز لينشنر، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي، خارج السرب، ونشر تقريراً مفصّلاً عن تاريخ ظاهرة الإنكار الإسرائيلية. ومعروف عند الخبراء النفسيين أنّ الإنكار ظاهرة، خصوصاً عندما ينكر الآباء ويرفضون قبول أنّ ابنهم مدمن على المخدرات أو مجرم أو غير ذلك. وقد بدأ تقريره بحادثة "حافلة 300"، حين استولى فدائيون على حافلة إسرائيلية في محاولة لمقايضة ركّابها بمعتقلين فلسطينيين، ودهم الجيش الإسرائيلي الحافلة، فقتل أحد الفلسطينيين واعتُقل الآخرون، وتوجد صور لهم في أثناء الاعتقال، إلا أنّهم قُتلوا لاحقاً، وتم التستر على القضية، ومورس الكذب على المحقّقين من أعلى المستويات، وفي النهاية صدر عفو قبل المحاكمة، الأمر الذي يطالب به نتنياهو من الرئيس الإسرائيلي. وعرّج الكاتب على نقاش مع والدته التي كانت دائماً ترفض أيّ رواية عربية، وتصدّق كلّ رواية إسرائيلية، رغم أنّ الحقائق عبر السنوات أثبتت عكس تلك الأكاذيب الصهيونية، بدءاً بإنكار المجازر التي أدّت إلى النكبة الفلسطينية، ودائماً رسم صورة الضحية للإسرائيليين، وهو، كما سرد وشاهد بأمّ عينيه، عكس الحقيقة.
لم يكن ما كتبه نيكولاس جديداً على أيّ متابع للوضع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصاً من يتابع المآسي في سجون الاحتلال، ووصفتها منظّمة بتسيلم الإسرائيلية بأنّها "جهنّم" وراء القضبان. ولكنّ نشر ما كتبه في صحيفة مرموقة، والكاتب يهودي، كسر الصورة المشرقة التي تربّى عليها مئات الآلاف، فأصبحوا يظنّون أنّ المعارضة لها تعني "معاداة للسامية"، وأنّ الرجل يكره اليهود، وأنّ مصادره تأتي فقط من مؤسّسات تدعم "حماس"، وأنّها مؤسّسات تنوي الشرّ لدولة إسرائيل.
قدّم أحد مستشاري السيناتور بيرني ساندرز، وهو مات دوس، للمحتجّين أمام صحيفة نيويورك تايمز تعليقاً: "للتوضيح، إنّهم لا يحتجّون على التعذيب الجنسي الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين، بل يحتجّون على صحيفة نيويورك تايمز لنشرها هذا الخبر". وقد تحوّل الهجوم إلى اعتبار مات دوس مروّجاً أجندة معادية لإسرائيل.
وهذه حقيقة، كما رأيناه أخيراً عند تحطيم تمثال المسيح المصلوب، إذ لم يُعتقل مَن قام بذلك العمل الشنيع فقط، بل من صوّره أيضاً. فبالنسبة إلى الذين يعبدون دولة إسرائيل يؤمنون بكلّ كلمة تصدر من قادتها "الأنقياء في قيمهم"، ليس مهمّاً ما يجري للآخرين، بل المهمّ عدم كشفه. وهو أيضاً ما يُفسّر منع الصحافة الأجنبية من دخول غزّة، وإخراج تلفزيونات عربية، واستمرار استهداف الصحافيين في غزّة ولبنان والضفة الغربية.
لقد خسرت إسرائيل غالبية الجيل الشابّ في العالم، بما فيه أميركا، ممَّن زوِّدوا في العقود الماضية بالرواية الإسرائيلية فقط، وقد بدؤوا يكتشفون الحقيقة، ومن هنا غضبهم واحتجاجهم. لكنّ قطار التغيير في الرأي العام قد خرج من المحطّة من دون عودة، بانتظار حصول الشعب المناضل على حقوقه المشروعة، في غياب الهندسة الإعلامية الصهيونية ومن يدعمها.
*عن العربي الجديد

