- 28 آب 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : توم سلمان
السر الذي أشعل الحرب الأمريكية على ميتا
«سأستخدم الهاتف لخمس دقائق فقط».
جملة بسيطة يقولها الأطفال والمراهقون كل يوم، وربما يقولها الكبار أيضًا. لكن الخمس دقائق قد تتحول إلى نصف ساعة، ثم إلى ساعة، من دون أن نشعر كيف مرّ الوقت.
هذه العادة اليومية تحولت في الولايات المتحدة إلى قضية قانونية كبيرة مع شركة Meta، المالكة لفيسبوك وإنستغرام.
اتهمت 47 ولاية أمريكية الشركة بأن منصاتها صُممت بطريقة تشجع الأطفال والمراهقين على الاستخدام المفرط، وأنها لم تفعل ما يكفي لحمايتهم من الأضرار المرتبطة بذلك.
وانتهت المواجهة باتفاق يلزم Meta باتخاذ إجراءات جديدة لحماية المستخدمين الصغار، من بينها وضع حدود افتراضية على وقت الاستخدام، وتقليل الإشعارات في أوقات معينة، وتعزيز الرقابة الأبوية وتشديد إجراءات التحقق من العمر.
كما ستدفع الشركة مليارات الدولارات ضمن التسوية، مع التأكيد على أنها لم تعترف بارتكاب المخالفات. لكن القضية لا تتعلق بالمال وحده.
المعركة على الانتباه
في الاقتصاد الرقمي، الوقت له قيمة. كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم على المنصة تعني فرصة جديدة للإعلان والتفاعل وجذب انتباهه.
ولهذا صُممت المنصات بحيث تكون سريعة، جذابة، ومتجددة باستمرار. إشعار يظهر، ثم فيديو، ثم مقطع آخر، ثم محتوى تقترحه الخوارزمية بناءً على ما شاهدناه قبل لحظات.
الانتقال من محتوى إلى آخر أصبح أسهل بكثير من اتخاذ قرار بإغلاق التطبيق.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية عندما يكون المستخدم طفلًا أو مراهقًا، لأنه لا يمتلك دائمًا القدرة نفسها التي يمتلكها البالغ على التحكم في عاداته ومقاومة الإغراء المستمر.
الهاتف ليس العدو
ليس الهاتف بحد ذاته هو المشكلة. التكنولوجيا منحت الأطفال فرصًا هائلة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التصميم من خدمة المستخدم إلى إبقائه داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة.
وهذا هو الجانب الذي جعل القضية الأمريكية تتجاوز فكرة «وقت الشاشة» لتصل إلى مسألة أوسع تتعلق بمسؤولية الشركات عن المنتجات التي تصممها.
لماذا تتجاوز القضية أمريكا؟
رغم أن القضية أمريكية، فإن آثارها قد تمتد إلى دول أخرى. شركات التكنولوجيا تعمل في معظم أنحاء العالم، وأي تغييرات كبيرة في طريقة تصميم منصاتها يمكن أن تنعكس على ملايين المستخدمين خارج الولايات المتحدة.
كما أن القضية قد تؤثر في النقاش العالمي حول حماية الأطفال، والخصوصية، وجمع البيانات، والخوارزميات، والإعلانات الموجهة.
بداية مرحلة جديدة
الأهم في هذه القضية أنها تعكس تغيرًا في نظرة الحكومات إلى شركات التكنولوجيا.
لم تعد المنصات الرقمية مجرد شركات تقدم تطبيقات مجانية. أصبحت مؤسسات تؤثر في سلوك الناس، وفي طريقة حصولهم على المعلومات، وفي الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح هذه المسألة أكثر تعقيدًا؛ لأن الخوارزميات ستصبح أكثر قدرة على معرفة ما يجذب كل مستخدم وكيف تبقيه متفاعلًا.
لهذا فإن قصة Meta ليست مجرد قصة عن فيسبوك وإنستغرام، ولا عن مليارات الدولارات.
إنها قصة عن الوقت والانتباه والأطفال وحدود القوة في العصر الرقمي.
وربما يكون السؤال الأهم في النهاية بسيطًا جدًا:
هل ما زلنا نستخدم التكنولوجيا كما نريد، أم أن التكنولوجيا بدأت تتعلم كيف تستخدمنا؟

