• 9 أيلول 2026
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : ا.د.زيدان كفافي

كنت أقلب صور ألبوم الصور الموجودة في الملف الخاص بها على جهاز التلفون هذا الصباح...وفجأة سقط نظري على صورة خزنتها لامرأة واردة على بئر ماء، لم أعرف حينها لماذا خزنتها؟ فجأة، ودون سابق انذار، خطرت على بالي المرحومة والدتي، واسمها "مريم"، ومن لا يعرف من أصدقائي وزملائي اسم والدتي. واقع الحال، لا أعرف أحد من صاحبات الصورة...لكني أعلم أن والدتي، رحمها الله، كانت تلبس ثوباً مطرزاً باليد مشابهاً للثوب الذي ترتديه صاحبة الصورة، وكان لثياب والدتي اسم لكل منها يسمى باسم شكل التطريز عليه، مثل، "ثوب أبو عرق الحمام"، وآخر "عروق الدالية" و "عرق البط"، وتضع على رأسها شالاً (الغدفة)، وتربط وسطها ووسط الثوب الفلسطيني بقطعة من القماش يسمونه "كشمير"، وكان مركز بيعه في مدينة بيت لحم. توفيت مريم يوم 5/ 9/ 2002م، حين كان وحيدها ابنها في باريس يكتب قصة موقع أثري أردني "أبو حامد"، ولم يستطع مراسم حضور دفنها...وهذه تبقى غصة في الحلق.

الناظر إلى الصورة يرى امرأة تحمل جرة، لكنها في نظري تحمل إرثاً وموروثاً، عاشه جيلي في خمسينيات القرن الفائت في القرى الفلسطينية، والأردنية (كما أكد لي الصديق الدكتور خالد الجبور "ابن النقيرة الأردنية" /الموقر"، أن أمه مارست نشاطات الحياة اليومية التي مارستها والدتي نفسها)، علماً أن طفولته متأخرة عن طفولتي. شدّ انتباهي أن النساء وعلى الرغم من ثقل حملهن يقفن بثبات فوق الأرض، وكأن الأرض التي يقفن فوقها صلبة، وعزمها من عزمهن، وتدعو لهن بالثبات عليها. 

امرأة تحمل جرة ماء، تلبس لباساً فلسطينياً، ترد الى البئر، تحمل ماءً على رأسها، عرفت قدماها طريق البئر، مشوارها يومي، تعود حاملة ماء الحياة للأسرة، لتسكب الماء في جرة كبيرة (زير) مربوط في مقبضه حبل ينتهي ب"كيلة" "كوب من الالمنيوم"، كل يغرف منه ويشرب. كان اصحابنا يشربون من الكوب نفسه، كان المرض هو الذي يمرض، هذا كان في زمن مضى.

أمر آخر لا يراه سوا الآثاري المتخصص بدراسة الفخار، هل شكل هذه الجرة هو نفس الشكل الذي أطلق عليه المتخصصون اسم "جرة على شكل شنطة Bag Shaped Jar” “؟، حملت أمي الجرة مليئة بالمياه، وأما أننا فلم أحمل من الجرة إلاّ اسمها، أي المعرفة التي أورثها للأجيال القادمة.  والسؤال الآخر أين صنّعت هذه الجرة بفلسطين، هل هي من تلك النوع الذي أطلق عليه الآثاريون اسم جرة غزة “Gaza Jar”؟ أي أنها صنعت في غزة، وجاءت منها إلى الخليل ومن ثم إلى قريتنا "نوبا". علماً أن لون جرة غزة سكني على الأغلب؟ 

إذن كيف وصلت هذه الجرة من مكان صنعها إلى قريتنا في قضاء الخليل؟ تذكرت، لم يكن هناك ما يمنع كانت البلاد "شقفة واحدة"، وكانت طريق المواصلات تصل بين غزة والظاهرية والخليل مارة ببئر السبع. أنا متأكد أن اسم الطريق قد تغير، كما أن وجوه مريديها أصبحت متعددة الألوان من أروبا وافريقيا وغيرها من البلدان العالمية.

كانت النساء "الورّادات" يتفقن على موعد للذهاب معاً على شكل مجموعات إلى بئر الماء، وكان في البلدة آبار عدة، لكل حمولة بئرها الخاص بها، لكن هناك كانت حكايات الطريق، وحكايات نشل الماء بالدلو، والدور لمن؟ وبعض الشباب يقفون على مبعدة من البئر يتلصصون على الصبايا، وحتى يبين أحدهم تميزه عن غيره من الشباب تراه وقد عدّل (عنقر) عقاله، ولف سيجارة (الهيشي) ووضعها بشكل مائل في فمه، وآخر وضع شبابته المعدنية على فمه وأخذ ينفخ بها...فيتداخل أمر الفتيات مع الشباب وكأنه حفل تعارف...لكن من على بعد. اليوم وردتني فاتورة المياه عن طريق الانترنت حتى قارئ العداد لم نعد نراه...!!!

عادت "حليمة" مع غيرها من الصبايا الى البيت بعد أن ثبتت الجرة على {اسها بواسطة قطعة قماش تسمى "حواة"، ثبتت أرجلها فوق الأرض مبتسمة لزير الماء الكبير وصبت الماء بكل بطء، أي على "الهويونا" بداخله، وكانت تسأله هل رويت؟ فابتسم وقل لها: اسألي من يضع يده في بطني ويفرغ الماء منه...وأشار بسبابته لأهل البيت، وغمز لها بطرف عينه، وقال: انهم لا يشبعون، ولا يكتفون من الماء...فأنا من يساعدهم على البقاء على قيد الحياة.  تحدثنا عن كل شيء إلاّ بئر الماء...ولا زال الناس يقولون "بئر روماني/رومي" علماً أن الذي حفره هو جده. والأهم من البئر هو مكان البئر الذي يجمع له مياه الأمطار، والطريقة التي كان الناس يحفرون بها الآبار وطريقة قصارتها خوفاً من تسرب الماء منها. والبئر يسقي الإنسان والحيوان، لكل منهما نصيب.

 لكن ماذا بقي منه في الوقت الحالي:
اختفت حاملة الجرة، خلعت المرأة ثوبها، لم يعد هناك بئر، تأتي المياه للبيوت طوعاً ومقابل ثمن، اختفى الزير، لم تعد هناك عائلة ممتدة، فاختفى الكوب الجماعي. اختفت الحارة فلم يعد هناك اصحاب الحارة، لأنه لا يتوفر في الاساس مكان لها بين البيوت الشاهقة.
هذا حنين للماضي، وليس للمقارنة، لكن لكل زمان ثقافته، وحياته. لكني أحن الى حاملة الماء "أمي"، والى اولاد حارتي. نعيش حياة واحدة، نستودع ذكرياتها في أدمغتنا، هذا تاريخ حياتك، وأينما كنت فإن ذاكرتك تحمل وطنك.