• 13 تشرين أول 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : كريستين حنا نصر

بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر 2023، وانطلاق الحرب في غزة التي بدأت عقب عملية «طوفان الأقصى» التي أطلقتها حركة حماس، تبرز التداعيات الإنسانية والسياسية والاقتصادية لهذه الحرب على المستويين الإقليمي والدولي. وقد دفع المدنيون، على جانبي الصراع، الثمن الأكبر، ولا سيما الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي عانى القتل والتهجير والجوع والدمار الواسع. وفي ظل المساعي الدولية، وفي مقدمتها الجهود الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لطرح خطة سلام والسعي إلى تحقيق الأمن وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، لا تزال التحديات الميدانية والإنسانية كبيرة، فيما تستمر تداعيات أحداث السابع من أكتوبر في التأثير على الدول العربية والعالم.

وهنا يبرز سؤال أساس: هل حققت عملية السابع من أكتوبر الأهداف والانتصارات التي رُوّج لها؟ وما النتائج التي أفرزتها الحرب على محور المقاومة ومفهوم «وحدة الساحات» الذي يضم إيران والعراق واليمن وسوريا ولبنان وحركة حماس؟ لقد شهدت المنطقة تحولات عسكرية وسياسية عميقة، انعكست على توازنات القوى وعلى مستقبل العلاقات بين أطراف الصراع.

 فحركة حماس تعرضت خلال الحرب في غزة لاستهداف عدد كبير من قياداتها داخل القطاع وخارجه، ومن بينهم إسماعيل هنية، الذي اغتيل في طهران. غير أن الخسائر الأكبر وقعت على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، حيث سقط آلاف الضحايا، وتعرض السكان للتهجير والجوع وفقدان المساكن والممتلكات، فيما لحقت أضرار واسعة بالبنية التحتية والمرافق المدنية. كما واجهت عمليات إدخال المساعدات الإنسانية تحديات كبيرة، الأمر الذي فاقم معاناة السكان. ولم تقتصر التداعيات على القطاع، بل امتدت أيضاً إلى الضفة الغربية، التي شهدت بدورها تصعيداً أمنياً وسياسياً واقتصادياً.

لقد كانت التوقعات التي رافقت عملية «طوفان الأقصى» مرتفعة، إذ تحدثت خطابات وتحليلات سياسية عن إمكانية إضعاف إسرائيل بصورة حاسمة وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر. غير أن مجريات الحرب وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع أثارت تساؤلات جوهرية حول مدى تحقق الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية للعملية. فبينما رأى بعض المؤيدين لحماس أن العملية حققت مكاسب استراتيجية، اعتبر منتقدون أن نتائجها كانت كارثية على الفلسطينيين، ووصفها بعضهم بأنها انتكاسة استراتيجية. وفي جميع الأحوال، لا يمكن تجاهل أن المدنيين في غزة تحملوا قسطاً هائلاً من كلفة الحرب، فيما لا تزال تداعياتها الإنسانية والسياسية مستمرة.

وفي لبنان، سعت إسرائيل، بدعم من حليفتها الولايات المتحدة، إلى إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، واستهدفت عدداً من قياداته وعناصره، من بينهم شخصيات بارزة في الصفين الأول والثاني. وشملت هذه العمليات تفجيرات أجهزة الاتصال المعروفة باسم «البيجر»، إلى جانب استهداف الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، في غارة على موقع اجتماعه، وفقاً لما أُعلن حينها. واستمرت الضربات الإسرائيلية لاحقاً على مواقع وعناصر الحزب، بما في ذلك مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت.

أما في سوريا، فقد شهدت البلاد تحولاً سياسياً كبيراً تمثل في سقوط نظام بشار الأسد، الذي حكم البلاد في ظل سلطة حزب البعث، وكانت تربطه علاقات وثيقة بإيران وحلفائها في المنطقة. وقد أعادت هذه التطورات رسم المشهد السوري والإقليمي، وأدت إلى انتهاء حكم حزب البعث وإغلاق مقاره وإلغاء عدد من القرارات الصادرة في عهده. كما باشرت الحكومة المؤقتة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، اتخاذ قرارات وإجراءات تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية، من بينها مراجعة سياسات سابقة، بما فيها قرارات مرتبطة بتأميم الأراضي الزراعية في مناطق مختلفة، ومنها منطقة الجزيرة السورية.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى سقوط النظام السوري باعتباره أحد التحولات التي أثرت في شبكة العلاقات الإقليمية المرتبطة بإيران وحلفائها. ومع ذلك، فإن ربط هذا التحول حصراً بتداعيات حرب غزة يتطلب قراءة أوسع للعوامل الداخلية والإقليمية والدولية التي أسهمت في حدوثه. وفي المحصلة، تعرضت البنية التي استند إليها محور المقاومة ووحدة الساحات لتغيرات عميقة، انعكست على موازين القوى في الشرق الأوسط.

وفي  إيران، فقد واجهت تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة في أعقاب الحرب. فقد تعمق الصراع بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، في ظل المواجهة المباشرة وغير المباشرة، وتعرض مواقع وشخصيات إيرانية بارزة للاستهداف. وقد أُثيرت أيضاً تقارير بشأن استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، فيما تداولت بعض الأنباء معلومات عن الحالة الصحية لابنه مجتبى خامنئي. وتبقى هذه المعلومات بحاجة إلى التحقق من مصادر موثوقة قبل التعامل معها بوصفها حقائق مؤكدة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ساهمت العقوبات والضغوط الاقتصادية في تعقيد الأوضاع داخل إيران، مع تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم وتزايد الأعباء المعيشية. كما شهدت البلاد احتجاجات على سياسات السلطة الحاكمة، في ظل تداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع التوترات السياسية والأمنية. وأدت المواجهات الإقليمية والاضطرابات المرتبطة بالملاحة والطاقة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني، في وقت تواجه فيه السلطات تحديات متعددة على المستويين الداخلي والخارجي.

وفي العراق، تصاعدت المخاوف المرتبطة بنشاط الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي أعلنت انتماءها إلى ما يُعرف بالمقاومة الإسلامية في العراق. وقد ارتبطت أنشطة بعض هذه الفصائل بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في سياق المواجهة الإقليمية، كما أثارت تحركاتها تحديات أمام مؤسسات الدولة العراقية وإقليم كردستان العراق. وامتدت التوترات المرتبطة بالصراع الإقليمي إلى عدد من الدول العربية، من بينها الأردن والكويت والبحرين والسعودية وقطر، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أكثر شمولاً.

اما في اليمن فلقد ظلت المواجهة بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أحد الملفات الأساسية في المشهد الإقليمي، بالتوازي مع التوترات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية وأمن الملاحة البحرية. وقد أثار استهداف منشآت الطاقة والمواقع الحيوية مخاوف من انعكاسات مباشرة على إمدادات النفط وحركة التجارة. كما شكلت الهجمات التي طالت منشآت ومرافق حيوية في المنطقة، إلى جانب التهديدات التي واجهت المطارات والموانئ، عاملاً إضافياً في زيادة حالة عدم الاستقرار.

وفي المقابل، اتجهت السعودية إلى تعزيز شراكاتها الأمنية والعسكرية والإقليمية في مواجهة التحديات المتصاعدة. ويمكن قراءة التقارب السعودي مع دول إقليمية، من بينها تركيا وباكستان، في إطار مساعي تعزيز التعاون الأمني والدفاعي. غير أن اختزال هذه التحركات في مواجهة مذهبية بين محور سني وآخر شيعي لا يعكس وحده تعقيدات العلاقات الإقليمية، التي تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والتنافس السياسي والتحالفات المتغيرة.