- 12 أيلول 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب خالد الاورفالي:
لا زالت ردود الفعل الواسعة تتفاعل مع قرار إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية الأقدم في القدس باعتباره حدثا تاريخيا غير مسبوق خاصة وأنه من خلال هذه القنصلية تم تجهيز فلسطين لتسلميها لليهود قبل عام 1948،
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو وافق على إغلاق القنصلية ، وان القدس الموحدة هي عاصمة إسرائيل، وتخضع لسيادتها الكاملة".وأضاف "يجب أن يتم أي نشاط أجنبي في المنطقة عبر القنوات المعتمدة والمتفق عليها، ومن دون انتهاك سيادة إسرائيل".
واستطلعت " أخبار البلد" آراء العديد من الشخصيات المقدسية والخبراء والمؤرخين ، فلقد قال الكاتب والمحلل السياسي مازن الجعبري في معرض تعليقه على هذا القرار الاسرائيلي: " إن أي محاولات للتضييق على القنصلية البريطانية في القدس أو إغلاقها تُشكل امتداداً لمخطط فرض السيادة الاحتلالية الكاملة على المدينة وتصفية التواجد الدبلوماسي المستقل فيها. سياسياً، تهدف هذه الخطوة لمحو الوجود القانوني والسياسي للقدس الشرقية، وحرمان المقدسيين من قنوات الاعتراف الدولي والدعم القنصلي والمؤسسي، مما يكرس الحصار السياسي على الشارع المقدسي ويسرع من محاولات التهويد. أما شعبياً، فلا يُنظر إلى هذه الخطوة كمجرد إجراء إداري، بل كدليل إضافي على خطورة الممارسات الإسرائيلية الساعية لفرض سياسة الأمر الواقع خارج نطاق القانون الدولي، مما يستوجب تحركاً دولياً جاداً يخرج من أطر الإدانة إلى المساءلة القانونية والمحاسبة الفعالة وعقاب إسرائيل على افعالها " .
أما الدكتور طلال ابو عفيفة رئيس ملتقى المثقفين المقدسيين فلقد قال : أقرب تشبيه للحكومة الإسرائيلية هذه الأيام برئاسة نتنياهو ووزير دفاعه كاتس ووزير خارجيته ساعر وقبل انتخابات الكنيست نهاية الشهر القادم هو أن هذه الحكومة ك " كلب مسعور يتخبط ويعض كل من يمر أمامه او بجانبه او يصرخ عليه"
مضيفا : إن قرار وزير الخارجية الإسرائيلي ساعر الذي انشق عن الليكود قبل ثماني سنوات وعاد قبل أربع سنوات بإغلاق القنصلية البريطانية ردا على موقف الحكومة البريطانية مما يجري في الضفة الغربية من اعتداءات المستوطنين المتطرفين على القرى الفلسطينية بحماية الجيش لهو إجراء يستهدف الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية بالدرجة الأولى باعتبار أن هذه القنصلية منذ قبل عام ١٩٦٧ وحتى اليوم تقدم خدماتها للفلسطينيين .
وأيضا هذا القرار يعتبر معادي لبريطانيا وتحذير لدول أوروبية أخرى تحاول تأييد الفلسطينيين وتتهم اسرائيل بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين وخاصة في قطاع غزة بإغلاق قنصلياتهم في القدس الشرقية .
فهل تدرك بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور عام ١٩١٧ ووقوفها الى جانب اليهود في تأسيس وإقامة كيانهم أنها ارتكبت جريمة بحق الشعب الفلسطيني ولم تصحح حتى اليوم ما فعلته . المطلوب من بريطانيا ان يكون ردها قاطع على إغلاق قنصليتها في القدس باتخاذ مزيد من الإجراءات ضد الاحتلال ومستوطنيه حتى يرتدع ويوقف جرائمه في الضفة والقطاع ووقف الاستيطان ويخلي الضفة الغربية من المستوطنات التي بنيت منذ عام ٢٩٦٧ وحتى اليوم باعتبار ان هذه المستوطنات غير شرعية بنيت على أراض عربية
من ناحيتها فلقد قالت المؤرخة الدكتورة نائلة الوعري مؤلفة كتاب " دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840-1914" الذي يعتبر من اهم المراجع التاريخية : " وما تصفه بريطانيا اليوم بالتطهير العرقي ليس حدث منفصل عن الماضي، بل امتداد لمنطق بدأ بالهجرة المحمية والاستيطان المنظم، ثم تحول إلى اقتلاع مستمر للسكان الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم.
ومع ذلك، ينبغي ألا نحمّل الموقف البريطاني الأخير أكثر مما يحتمل، أو نتعامل معه وكأنه قطيعة مع إسرائيل أو انقلاب كامل في السياسة البريطانية. فالسفارة البريطانية ما زالت قائمة في تل أبيب، والعلاقات السياسية والتجارية والأمنية بين البلدين مستمرة. وقد تكون هذه خطوة سياسية إيجابية، لكنها لا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى التحول الاستراتيجي في السياسة البريطانية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
لذلك، فإن المطلوب قراءة الخطوة بقدر من الترحيب والحذر في الوقت نفسه: الترحيب لأنها تنقل الاعتراض على الاستيطان من الأقوال إلى بعض الإجراءات العملية، والحذر لأنها لا تعني أن بريطانيا قررت قطع علاقتها بإسرائيل أو مراجعة سياستها التاريخية مراجعة شاملة.
واختتمت الدكتورة الوعري حديثها بالقول : " نحن، كفلسطينيين وعرب، كثيرًا ما نسارع إلى الاحتفاء بأي موقف دولي يعترض على إسرائيل، نتيجة شعورنا بأن العالم ترك الفلسطيني وحيدًا زمنًا طويلًا. لكن التجربة تدعونا إلى ألّا نبني آمالًا واسعة على خطوة واحدة، وألّا نعوّل على موقف قد يتغير بتغير الحكومات والانتخابات والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.".
خلفية تاريخية
ويذكر ان القنصلية البريطانية تعتبر اقدم قنصلية أجنبية أُسست رسمياً في مدينة القدس عام 1838، وتبعتها بعد ذلك عدة دول أوروبية وأجنبية. ذلك هذا الهجوم الدبلوماسي في أواخر فترة حكم محمد علي باشا لبلاد الشام وبداية عودة الحكم العثماني المباشر، حيث تزايد الاهتمام الدولي بالمدينة لأبعاد دينية وسياسية.
فبعد بريطانيا افتتح بروسيا ( ألمانيا لاحقا) قنصلية لها في القدس عام 1842 تزامنا مع تأسيس الأسقفية الأنجليكانية البروتستانتية، ومن ثم افتتحت فرنسا عام 1843 قنصليتها بحجة حماية الطوائف المؤسسات الكاثوليكية اللاتينية في القدس ومن ثم جاء الولايات المتحدة الأمريكية وأعلن عن أول قنصل لها في القدس عام 1844 وبدأ العمل في المكتب الدائم الذي يمثل الولايات المتحدة داخل البلدة القديمة ، بعدها افتتحت النمسا قنصلية لها في القدس عام 1847 بحجة رعاية مصالح الامبراطورية النمساوية وحماية الحجاج المسيحيين التابعين لها . اما اسبانيا فلقد افتتحت قنصليتها في القدس عام 1854 بحجة حماية الإرساليات الفرنسيسكانية الأسبانية ، في عام 1857 افتتحت روسيا القيصرية قنصلية لحماة حركة الححجاج الروس الارثوذكس وتم نباء ( المسكوبية) خارج أسوار القدس ، أما اليونان فقد افتتحت القنصلية عام 1862 لرعاية مصالح الرعايا اليونانيين والارتباط المباشر مع البطريركية الارثوذكسية، وايطاليا افتتحت القنصلية الخاصة بها عام 1872 لتعزيز النفوذ الإيطالي في الأماكن المقدسة

