- 10 أيلول 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : المطران عطاالله حنا
ماذا يحدث في الضفة الغربية، وقد تحولت وكأنها سجن كبير تحيط به البوابات الحديدية والحواجز العسكرية التي تفصل المدن والقرى والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعض؟
المستوطنون يصولون ويجولون، وقد أضحت نشاطاتهم في الضفة الغربية جزءًا من الدعاية الانتخابية قبل الانتخابات الإسرائيلية، حيث يتبارى المستوطنون في عنصريتهم وعدائهم للشعب الفلسطيني، وفي سعيهم لاحتقار كل ما هو فلسطيني.
ما يحدث في الضفة الغربية يمكننا أن نصفه بأنه سياسة تطفيش وتهجير طوعي، حيث بات عدد من المواطنين يفكرون بالهجرة في ظل حالة البطالة، وعدم توفر حرية التنقل من مكان إلى آخر، والحالة الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعاني منها الإنسان الفلسطيني.
مأساة غزة ماثلة أمامنا في كل حين، ويجب أن ننادي دومًا بنصرة أهلنا في غزة وإغاثتهم ومساعدتهم في ظل هذه الكارثة وهذه النكبة التي يعيشونها. ولكن ما يحدث في الضفة الغربية إنما هي نكبة جديدة ومؤامرة هادفة لتصفية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. إنهم يسعون للنيل من عزيمة وصمود وثبات شعبنا الفلسطيني، فالمواطنون في الضفة الغربية يضطرون في كثير من الأحيان إلى الانتظار ثلاث أو أربع ساعات حتى يتمكنوا من الوصول إلى منازلهم أو إلى أعمالهم وأشغالهم.
الأوضاع في الضفة الغربية تزداد سوءًا، وأتوقع أن يكون الشهر المقبل حافلًا بالتحديات، وهي فترة ما قبل الانتخابات.
لن أتحدث عن الانتخابات الإسرائيلية، لأني لست من المتفائلين أو المنتظرين أن هنالك شيئًا إيجابيًا قد يحدث، لأنه حتى وإن رحل نتنياهو، فإن الآتي لن يكون أقل سوءًا وعنصرية وعداءً للفلسطينيين.
ما يجب أن يحظى بالاهتمام هو ما تقوله الأقطار العربية من المحيط إلى الخليج عما يحدث في الضفة الغربية وفي القدس، وما يحدث من كارثة ومأساة في غزة.
يهمنا أيضًا ما يقوم به العالم المتحضر المنادي بحقوق الإنسان، حيث إن المطلوب مواقف عملية وجريئة تجاه معاناة شعب يتعرض لكارثة غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث.
لقد شبعنا من بيانات الشجب والاستنكار، والتي لا نقلل من أهميتها، ولكنها لوحدها ليست كافية لمساعدة الفلسطينيين أمام هذه المحنة التي يتعرضون لها.
بأي حق يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى القدس، ومن الوصول إلى الأماكن التي يعمل بها لكي يوفر قوتًا لأسرته وعائلته؟
منذ أكثر من عامين ونصف، ومئات العائلات تعاني من الفقر والعوز والبطالة والحاجة إلى الإغاثة.
إنهم يجوعون الفلسطيني لكي يتخذ قرارًا لا يريده، وأن يذهب إلى أماكن أخرى في هذا العالم يعيش فيها بشكل أفضل.
لا أعتقد أن هنالك فلسطينيًا واحدًا قرر مغادرة هذه الأرض لأنه يريد ذلك، بل إن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون جعل البعض يفكرون بشكل جدي في الذهاب إلى أماكن أخرى فيها حرية التنقل، وفيها حرية العمل، وفيها إمكانيات العيش بشكل أفضل.
إن أهل الضفة يعرفون أكثر من غيرهم ما يعيشونه وما يتعرضون له، ومن يذهب إلى الضفة يرى بأم العين المعاناة وحالة الفقر والعوز، ويرى أمامه البوابات الحديدية والحواجز العسكرية التي حولت الضفة إلى سجن كبير.
إن هذا الحال لا يمكن أن يبقى ويستمر، ولكن تغير الأحوال إلى ما هو أفضل يحتاج أولًا إلى الفلسطينيين أنفسهم لكي يكونوا أكثر لُحمة ووعيًا ووحدة وانتماء وحكمة ً، كما أنه يحتاج إلى العرب جميعًا الذين قالوا في وقت من الأوقات إن فلسطين هي قضيتنا الأولى، ونحن نتمنى أن تكون كذلك، وأن يبقى العرب مع الفلسطينيين، وخاصة في هذه الأوقات العصيبة.
أما المنظومة الأممية، فما هو مطلوب منها هو أن تعمل على مساندة شعبنا، ورفض سياسات الاحتلال وسياسات الحصار والتنـكيل والتجويع، والتي ليست قدرًا يجب القبول به، بل يجب رفضه والعمل على وقفها.
ولكي لا يقال إن الفلسطيني ناكر للجميل، فإننا نقدر كافة المواقف التضامنية مع شعبنا الفلسطيني، والتي عبرت عنها حكومات وشعوب في هذه الأرض، كما لم تتوقف في هذه البلدان المظاهرات والمسيرات المنددة بالعدوان على شعبنا، سواء في غزة أم في الضفة.
الفلسطينيون أوفياء لكل من يقول كلمة حق في هذا الزمن الرديء، فهنالك مثقفون وإعلاميون وشخصيات أممية مرموقة عبرت عن وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني، وهنالك اتساع في رقعة الوعي تجاه القضية الفلسطينية.
الفلسطينيون يستحقون الحياة ويستحقون الحرية، ويستحقون أن يتمتعوا بأبسط حقوقهم، لا سيما حرية التنقل من مكان إلى مكان، وخاصة الوصول إلى القدس، حيث باتت مسألة الوصول إلى القدس أمنية لدى الكثيرين من أبناء شعبنا، حيث تقف أمامهم الحواجز العسكرية بالمرصاد، ناهيك عن التصاريح التعجيزية المفروضة على الفلسطيني لكي يصل إلى القدس ولكي يصل إلى مكان عمله.
لسنا من أولئك الذين يحرضون على الكراهية والعنصرية، ولن نكون، وأن تكون مدافعًا عن الشعب الفلسطيني فهذا حق وليس تحريضًا على الكراهية والعنف.
نرفض مظاهر العنف، وما يُرتكب بحق الفلسطينيين إنما هي جريمة العصر. ففي غزة حرب إبادة لم تتوقف، وفي الضفة الغربية حصار وتنـكيل وتجويع ومحاولات لإذلال الفلسطيني وتركعيه، والفلسطيني لا يركع إلا لربه، وسيبقى شامخًا متمسكًا بثوابته وحقوقه.
يا قادة العالم، تحركوا من أجل إنقاذ الشعب الفلسطيني قبل فوات الأوان. تحركوا من أجل وقف الجرائم المرتكبة بحق شعبنا. تحركوا من أجل إغاثة هذا الشعب المظلوم والمنكوب. تحركوا من أجل إزالة الحواجز والبوابات العسكرية لكي يتمتع الفلسطيني بأبسط حقوقه، وهي الوصول إلى مقدساته ومكان عمله.
الفلسطينيون شعب مثقف وواعٍ وفيه كثير من الإنسانية، واليوم نحن نستصرخ الضمائر الحية في كل مكان من أجل مؤازرة ومساعدة هذا الشعب في محنته.
أتمنى من الوفود الأجنبية الزائرة أن تذهب إلى الضفة الغربية، وأن تذهب إلى المدن والبلدات والمخيمات لكي يشاهدوا بأم العين معاناة الفلسطيني. اذهبوا إلى الحواجز العسكرية لكي تشاهدوا كيف يعامل الفلسطيني وكأنه غريب في وطنه.
العالم بأسره يجب أن يعرف ما يحدث في هذه الأرض. فهذا ليس قدرًا يجب القبول به، أو الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، بل يجب العمل على تغيير هذه الأوضاع والأحوال.
أنتم يا قادة العالم الذين تتحدثون عن السلام، يجب أن تعرفوا بأن السلام لا يتحقق من خلال بوابات حديدية وحواجز عسكرية، ومن خلال تحويل الفلسطيني إلى لاجئ وغريب في وطنه وفي أرضه المقدسة.
السلام لا يحتاج إلى أسوار وحواجز وبوابات حديدية، بل يحتاج إلى إزالة كل هذه المظاهر العنصرية.
*رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

